هيئة علماء المسلمين في العراق

الطوفان الطائفي في العراق ..... عبدالإله بلقزيز
الطوفان الطائفي في العراق ..... عبدالإله بلقزيز الطوفان الطائفي في العراق ..... عبدالإله بلقزيز

الطوفان الطائفي في العراق ..... عبدالإله بلقزيز

لم يقف الطوفان الطائفي في العراق عند حدود المناطق والفئات التي يمكن القول مجازاً ومع الكثير من التجاوز إنها “ذات قابلية” للتفاعل مع المشاريع الطائفية دفاعاً عن ذاتيتها أو تجاوباً مع سياسات قوى اقليمية (وهي الفئات التي يرد قسم من العراقيين موقفها “الطائفي” إلى عوامل تاريخية ومذهبية..) بل اجتاح قوى ومناطق أخرى ليس معروفاً عنها أي نوع من أنواع الميل إلى الانكفاء والتشرنق على ذات “طائفية” وهمية، أو الى الخروج عن عقيدة الجماعة الوطنية، ولم يكن معروفاً عنها أنها ترتضي الدخول في مؤسسات صممها الاحتلال واسباغ الشرعية الداخلية عليها!


فما كان “أهل السنة والجماعة” يحسبون أنفسهم في تاريخ الاسلام طائفة.

كان معناهم يرادف، في وعيهم، الجماعة والأمة. ولذلك، لم تتسرب إليهم أفكار القلات وتقاليدها في الانكفاء والاعتصام بروابط العصبية التي يتميزون بها عن الجماعة الكبرى في الأمة.

وحتى حينما انحلت عرى وحدة الأمة ووحدة الدولة، في الاسلام الوسيط، وتكاثرت الجماعات والطوائف، وانتشرت الطرق الصوفية انتشار النار في الهشيم، تمسك “أهل السنة والجماعة” بفكرة الأمة الواحدة وبالشعور بوحدة الجماعة الاسلامية.

أما في العصر الحديث، فوجدوا في فكرة الجماعة الوطنية كما في الفكرة القومية العربية تعبيراً جديداً متجدداً عن فكرة الأمة والجماعة.

ما بال بعض “أهل السنة والجماعة” في العراق يبتدع اليوم في ما كان في مقام القاعدة والأصل، فيحيد عما أجمع عليه هؤلاء منذ ألف وأربعمائة عام، ويجنح نحو استعارة مفردات الطائفية في تعريفه قسماً من أهل العراق؟

لا يبرر ذلك أن غيره تمترس وراء حدود طائفية محروسة بالسلاح والفتوى وقبضة الاحتلال. كان ينبغي الجواب عن الطائفية بموقف وطني لا بموقف طائفي وبمؤسسات وطنية لا ب “تكتل سني” رديف للتكتلات الطائفية.

وبالجملة، كان عليه أن يستمسك بموقع الجماعة لا بموقع العصبية، بالموقع الوطني لا بالموقع الطائفي، وفاء لتقليد تاريخي درج عليه “أهل السنة والجماعة” منذ مئات السنين، واستجابة لنداء الواجب الوطني في مواجهة الاحتلال وسياساته التقسيمية المتطلعة إلى تمزيق عرى الوحدة الوطنية العراقية ووشائجها.

ولم يكن ثمن الانحراف عن هذا الموقع (الجماعة)، وثمن التراجع عن هذا الدور (الوطني)، افقاد هذه القوة الاجتماعية وظيفتها التوحيدية، التقليدية، فحسب، وانما كان ثمنه الفادح الزج بها في معمعان الانقضاض على بقايا الجوامع الوطنية بين العراقيين، والصيرورة بالتالي قوة من قوى التقسيم والتفتيت الطائفية!

ولقد كان يفترض في هذه القوة الاجتماعية أن تظل مثلما كانت منذ البداية حاضنة للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال: تفتح مناطقها ووسطها الاجتماعي أمامها فتوفر لها المحيط الطبيعي والخزان الاجتماعي والبشري، وتؤمن لها التغطية السياسية الضرورية.

وكذلك فعلت لفترة طويلة منذ غزو بلاد الرافدين واحتلال حاضرته: بعيداً عن أي شعور منها بأنها تؤدي هذا الدور باسم فئة من المجتمع. كانت تفعل ذلك باسم الوطن والشعب. ولم تلتفت كثيراً، إلى أولئك الذين تطلعوا إلى اسقاط المقاومة والطعن في وطنية بندقيتها من خلال تطييفها أو الايحاء بأنها محض “ممانعة طائفية”.

وذلك بالضبط ما كان يؤديه استعمال عبارة “المثلث السني”. لكن قسماً من التيارات السياسية المنتسبة إلى محيط هذه القوة الاجتماعية لم يلبث أن نقض الصلة بين هذه القوى والمناطق وبين المقاومة، فجنح نحو خيارات سياسية شديدة التباين مع مشروع المقاومة الوطنية للاحتلال.

بعض تلك التيارات حسم أمره، منذ بداية الغزو والاحتلال فاختار سبيل التعاون الايجابي مع المحتمل، والعمل ضمن المؤسسات السياسية التي “أفرزها” من طراز “مجلس الحكم الانتقالي” و”المجلس الوطني الانتقالي” و”الحكومة المؤقتة” مجذفاً ضد التيار العام في مناطقه ومحيطه الاجتماعي وضد خيار المقاومة الوطنية، وذلك بالضبط ما فعله “الحزب الاسلامي” (الفرع العراقي لجماعة “الاخوان المسلمين”) أما البعض الآخر منها، فلم يلبث أن انتقل سريعاً من التأييد الضمني للمقاومة، ومن المقاطعة المبدئية لمؤسسات الاحتلال، إلى الدفاع عن خيار المشاركة في “العملية السياسية” والدعوة إليها (التصويت على “الدستور”، المشاركة في “الانتخابات التشريعية”، المشاركة في “حكومة” المالكي...) وكان ديوان الوقف السني المؤسسة التي رعت هذا التحول الدراماتيكي في الموقف السياسي المحمول على انعطاف طائفي بغيض وغير مسبوق (على نحو ما عبر عنه تشكيل “التكتل السني”)!

لم تكن الصورة سوداء تماماً: ظلت “هيئة علماء المسلمين”، مثلاً، مرجعية وطنية وفقهية نظيفة من أدران هذه اللوثة الطائفية الغريبة على تقاليد “أهل السنة والجماعة”، وصوتاً اعتراضياً شريفاً على الاحتلال وعلى قوى الفتنة الطائفية.

وظلت المقاومة الوطنية أداة للوطنية العراقية الصافية: المشتبكة مع الاحتلال والمناهضة للطائفية (حتى حينما قامت في مناطقها تعبيرات مسلحة طائفية من نوع تلك التي مثلها تنظيم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”.

ونظائر له من تنظيمات صغرى). غير ان ذلك كله لم يغير في شيء من حقيقة التطييف الشامل الذي أصاب بنى الاجتماع الأهلي والسياسي العراقي وامتدت آثاره لتطال قوى اجتماعية ما عرفت الفكرة الطائفية طريقها إليها قبلا.


الخليج الامارتية

أضف تعليق