بعد خمس سنوات من إعلان الإدارة الأمريكية “حربها على الإرهاب” يخلص تقرير لمجلة السياسة الخارجية الأمريكية استطلع آراء نخبة من الخبراء الأمريكيين، ديمقراطيين وجمهوريين،
إلى خطل هذه الحرب وعقمها. فمن بين المائة وستة عشر خبيراً، من بينهم وزير سابق للخارجية ومديرون سابقون لوكالة الاستخبارات الأمريكية، يرى 86% أن الولايات المتحدة تخسر “حربها ضد الإرهاب”، بينما يعتقد 80% منهم أن العالم أصبح مكانا أكثر خطراً مما كان عليه. ويرى أحد هؤلاء الخبراء أن السبب في ذلك يعود إلى “أننا نعالج الظواهر وليس الأسباب”.
لكن المشكلة في مثل هذه الاستطلاعات، أن النخبة عادة تهرب من تفسير ثبت عدم صحته إلى آخر لا يقل سوءاً عنه. فالنخبة لا يمكن أن ترى جوهر المشكلة لأن ذلك يعني أمرين، أولهما، القول للشعب الأمريكي إن السياسات الأمريكية نفسها قد أسهمت في حالة العداء التي تسود العالم ضد الولايات المتحدة، ثانيهما، أنه لا بد من إجراء تغيير جذري في هذه السياسات. وهما أمران لا يمكن أن تقبل بهما المصالح الضالعة في الولايات المتحدة التي تدفع ثمن الحياة المرفهة لهؤلاء الخبراء.
فالظواهر في رأي هؤلاء الخبراء هي الأفراد الذين يرتكبون العنف، أما الأسباب فهي الأيديولوجية الإسلامية وتفرعاتها. وهذا هروب إلى تفسيرات أكثر سخفاً، ولا تثبت أمام المحاكمة العرضية، ناهيك عن البحث الجاد. ولعل أي متصفح لتقارير الخارجية الأمريكية قبل الحادي عشر من سبتمر/ أيلول 2001 يرى أن الوزارة كانت تصنف مرتكبي معظم الأعمال الإرهابية بأنهم من أمريكا اللاتينية، ومن اليمين الأمريكي. فكيف يمكن للأصولية الإسلامية أن تفسر ذلك؟ ثم إن الحرب التي خاضتها الشعوب في آسيا، وأمريكا اللاتينية ضد الاحتلال الأمريكي المباشر وغير المباشر لبلادها، كانت هي السمة الطاغية في القرن الماضي، وهي بلدان لها أيديولوجيات مغايرة. ثم إن الحرب على العراق شنت بأسباب ثبت زيفها وافتعالها.
ولو تمعن هؤلاء في ما يحصل في المنطقة العربية لوجدوا أسبابها في السياسة الأمريكية. فمن يغذي إرهاب “إسرائيل” ضد الفلسطينيين مادياً وسياسياً ومعنوياً؟ وما وقع غزو العراق، وفضائح أبو غريب، وجرائم الحرب في الفلوجة وحديثة، واغتصاب الفتيات على مشاعر الناس وأفكارهم؟ وهل يحتاج الإنسان لكي يكون من ديانة محددة لكي يثور ضد الظلم، والاحتلال، والاغتصاب؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يهرب منها خبراء مؤسسة الحكم في الولايات المتحدة، لأنها تجبرهم حينذاك على رؤية الحقيقة. لكن الحقيقة غير مطلوبة، فوظيفة خبراء السلطة أن يبحثوا عن أسباب جديدة تمكنها من الاستمرار على نهجها كلما أخفقت الأسباب القديمة في أن تقنع الناس بجديتها.
افتتاحية الخليج الاماراتية
أمريكا عدوة نفسها
