اهتم علماء المسلمين قديماً وحديثاً بالقرآن الكريم وتنوعت تلك الاهتمامات من خلال العناية بتفسيره ومحاولة الوقوف عند معانيه للوصول إلى فهم مقاصده وإيضاح مدلولاته، وكان من بين أهم هذه الاهتمامات موضوع الاستنباط من القرآن الكريم.
ومن الأدلة على مدى عناية العلماء بفقه الاستنباط من القرآن الكريم ما نجده في تناول كتب التفسير لكثير من الاستنباطات المتنوعة في اللغة والفقه وأصوله والآداب والتربية ... الخ.
وتتضح لنا أيضاً أوجه عنايتهم بهذا العلم؛ من تصنيفهم كتباً خاصة تعنى به، وتبرز أركانه، وتوضح معالمه، حيث ضمت تلك المصنفات بين ثناياها كثيراً من الاستنباطات خدمة للنص القرآني، وإيضاحاً للدرس التفسيري الذي يعتمد على التأمل والتدبر سبيلا للوصول لمثل هذه المعاني.
ويمكن أن نشير إلى أبرز هذه المصنفات ومنها: كتاب "الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية" لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي (ت 716هـ)، و"الاكليل في استنباط التنزيل" لجلال الدين السيوطي (ت 911هـ)، و"جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار" للشيخ عبد القادر بن أحمد بن بدران (ت 1346هـ).
وأما ما يتعلق بالنشاط الاستنباطي وتاريخه فيعود إلى القرن الأول منذ عهد الصحابة ثم التابعين رضي الله عنهم – كما نلحظ عناية الأئمة الأربعة - رحمهم الله – بهذا العلم واهتمامهم به من خلال كتبهم أو استنباطاتهم التي نقلت إلينا في صحائف الكتب، ولا تخفى جهود إمام الحرمين الجويني والعز بن عبد السلام وابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشاطبي - رحمهم الله- في النشاط الاستنباطي فضلا عن تدوين ما نقل إليهم من علماء القرون الماضية.
واستمر هذا الاهتمام بفقه الاستنباط حتى العصر الحديث والمعاصر فبرز فيه كثير من العلماء كشاه ولي الله الدهلوي (ت 1176هـ )، وأبي الثناء الآلوسي (ت1270هـ)، وابن عاشور (ت 1394هـ)، والشنقيطي (ت 1393هـ)، والدكتور عبد الكريم زيدان (ت 1435هـ)، وغيرهم.
بعد هذه المقدمة المختصرة، يهمنا الآن أن نقف عند مفهوم الاستنباط، ومعرفة بعض استنباطات العلماء لتتضح لنا مدى أهمية هذا العلم وفوائده، فضلاً عن بيان عناية العلماء ودقتهم وفهمهم للآية القرآنية.
الاستنباط لغة: الاستخراج، ومنه قوله تعالى (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (النساء: 83)، ويقال: نبطت البئر إذا أخرجت منه الماء.
وأما في الاصطلاح: فهو استخراج ما خفي من النص بطريق صحيح.
والملاحظ أن المعنى اللغوي والاصطلاحي يشتركان في وجود المشقة في الاستخراج في كل منهما، فاستخراج الماء من البئر يحتاج إلى جهد ومشقة، وكذلك استخراج المعاني والأحكام والفوائد من النصوص يحتاج إلى بذل الوسع وشيء من الجهد والمشقة، ولولا المشقة لساد الناس كلهم.
وقد أشار الشيخ علاء الدين البخاري (ت 730هـ) في كتابه "كشف الأسرار" إلى إيضاح مدلول المعنى اللغوي بقوله: إن حياة الروح والدين تكون بالعلم والغوص في بحاره، كما إن حياة الجسد والأرض بالماء، قال تعالى (فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها) (فاطر: 29).
وكذلك علينا أن ندرك بأن التفسير يهتم بالمعاني الظاهرة، والاستنباط بالمعاني الدقيقة والدلالات الخفية، ولأهمية هذا العلم وضع العلماء شروطاً وضوابط تقي المفسر من الوقوع في الخطأ أو الانحراف في الاستنباط والذي يسمى بالاستنباط المذموم وكل ذلك يطلب في مظانه.
بقي أن نلقي نظرات على بعض الاستنباطات المحمودة التي فقهها العلماء وبذلوا جهدهم للوصول إليها؛ ليتبين لنا عظيم ما قدموه للأمة من علوم، فضلاً عن بيان المراد من أهمية هذا العلم وعنايتهم به.
ففي قوله تعالى (وامرأته حمالة الحطب) (المسد: 4)، استدل الإمام الشافعي (ت 204هـ) على صحة أنكحة الكفار، ووجه الاستنباط من الآية مأخوذ من إضافة المرأة إليه (وامرأته)، وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة يثبت بها النسب والميراث الخ، والأصل في الإطلاق الحقيقة كما يقال.
وفي قوله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (الأحقاف: 15)، وقوله تعالى ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) (البقرة: 233)، استنبط سيدنا علي وابن عباس - رضي الله عنهما - من الآيتين أن المرأة قد تلد لستة أشهر.
ووجه الاستنباط أن آية سورة البقرة بينت مدة الرضاع حولين كاملين وهي أربعة وعشرون شهرا، وفي آية سورة الأحقاف بينت مدة الحمل والفصال (الرضاع) أنها ثلاثون شهرا، فإذا أُخذت منها مدة الفصال بقي ستة أشهر.
ومن نفس الآية في قوله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (البقرة:233)، استنبط العلماء أن الولد ينسب لأبيه، ووجه الاستنباط مأخوذ من عودة الضمير (المولود له) إلى الأب.
وفي قوله تعالى (وأرنا مناسكنا وتب علينا) (البقرة: 128)، استنبط العلماء من الآية أن الأصل في العبادات التوقيف، بمعنى أن العبادات توقيفية أي أن الانسان لا يتعبد الله بشيء إلا بما شرع الله له؛ ووجه الاستدلال أن النبيَيْن – عليهما السلام - طلبا من الله تعالى أن يريهما مناسكهما، فدل على أن العبادة تُعلم من الله تعالى ولا تُعرف بالعقل والقياس.
ومن الاستنباطات العقدية كما في قوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (المطففين: 15)، قال الإمام الشافعي وغيره: فما حجبهم في سخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا.
وفي قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (النساء: 3)، استنبط الإمام السيوطي جواز النظر للمخطوبة قبل النكاح؛ لأن الطيب يعرف بالنظر قبل النكاح.
ومن قوله تعالى (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون منها قصورا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) (الأعراف: 74)، استنبط الإمام السيوطي من الآية أن بناء القصور ليس بمنكر، ووجه الاستنباط يوضحه لنا بقوله: إنه من المحال أن يذكرهم الله تعالى بآلائه ونعمه وهي معصية، ولو كان بناء القصور منكرا لكان داخلا في الفساد لا في الآلاء.
ومن الاستنباطات اللغوية التي تعطي معنى تربويا، كما في قوله تعالى (لا تحسبوه شرا لكم بل خير لكم) (النور: 11)، استنبط من الآية أن الخير هو الأصل في هذه الأمة وأن الشر إن وقع فيها فهو طارئ ووجه الدلالة يعرف من الفعل الذي يدل على التغير، والاسم يدل على الثبوت وهذا هو المعروف عند علماء اللغة والنحو، ولهذا كان الاسم أقوى دلالة من الفعل ومن هنا نلاحظ أن الآية لما تحدثت عن الشر في المجتمع المسلم جاءت بصيغة المضارع (لا تحسبوه) تدل على التغير ولما أشارت إلى ناحية الخير في المجتمع المسلم جيء بالجملة الاسمية التي تدل على الثبوت (بل هو خير لكم) ومن هنا استنبط العلماء أن الخير في المجتمع المسلم هو الأصل.
ومن هذا المعنى أيضا في قوله تعالى (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا) (التوبة: 40)، فكلمة الله جاءت بالآية بأسلوب الجلمة الاسمية التي تدل الثبوت، وأن كلمة الله تعالى عليا ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، على عكس كلمة الذين كفروا التي جاءت بأسلوب الجملة الفعلية والتي تدل على التبدل والتغير، بمعنى أن كلمة الذين كفروا إن علت لزمن معين فهذا طارئ لا يستمر ولا يدوم؛ لأنه سيأتي يوم ما لتعود تلك الكلمة إلى أصلها.
وقبل أن ننتهي من هذا الموضوع هناك تساؤل في آية سورة النور نختم به حيث أشارت الآية الكريمة إلى ناحية الخير من تلك الحادثة التي أحدثت فتنة ونزاعا في المجتمع المسلم، فأين ناحية الخير في حادثة الإفك، استنبط العلماء أن ناحية الخير في الحادثة كان في الآتي:
أولا: إنها بينت مدى الترابط والإخوة بين المسلمين.
ثانيا: كشفت نوايا ومخططات المنافقين الذين يتربصون بالمجتمع المسلم كل شر، لكي يأخذ المسلمون الحذر منهم ومن أفعالهم وأقوالهم.
ثالثا: بينت الحادثة مكانة أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها-.
رابعا: أظهرت الحادثة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب المطلق ولذلك انتظر أياما وليالي ليأتيه الوحي بالخبر.
خامسا: أظهرت الحادثة مدى صبر وتحمل الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم إلى الإفك.
سادسا: التأني في معالجة الأمور وعدم التسرع.
والحمد لله رب العالمين.
فقه الاستنباط عند علماء المسلمين / عبد المنعم جمعة - عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين
