هيئة علماء المسلمين في العراق

المأزق العراقي في الحوار الاستراتيجي الأمريكي - السيد ولد اباه
المأزق العراقي في الحوار الاستراتيجي الأمريكي - السيد ولد اباه المأزق العراقي في الحوار الاستراتيجي الأمريكي - السيد ولد اباه

المأزق العراقي في الحوار الاستراتيجي الأمريكي - السيد ولد اباه

غابت عن خطب الرئيس الأمريكي الأخيرة النغمة الرسالية المتفائلة التي طبعت تصريحاته المتكررة حول «النموذج الديمقراطي العراقي» الذي سيمتد إلى باقي منطقة الشرق الأوسط الكبير. ففي خطابه يوم الثلاثاء الماضي (4 يوليو) أمام آلاف الجنود الأمريكيين وأسرهم بدا منهارا، حائرا أمام تفاقم المأزق الأمني والسياسي في العراق وعمد الى استنهاض الشعور الوطني الأمريكي بالحديث عن شرف الأمة وثمن دمائها، في الوقت الذي أثبتت فيه كل استطلاعات الرأي التي نشرتها وسائل الإعلام أن نسبة تأييد الحضور العسكري في العراق تقلصت إلى 30 بالمائة من الأمريكيين. وتجمع حاليا كل دوائر البحث الاستراتيجي الأمريكية ـ بما فيها الدوائر اليمينية المتشددة ـ إن المشروع الأمريكي في العراق وصل إلى أفق مسدود، وأن الإدارة الحالية غدت عاجزة عن الخروج من المحنة، وتفتقد إلى الحد الأدنى من وضوح الرؤية إزاء القضايا المصيرية المتصلة بالملف العراقي وانعكاساته على الأوضاع الإقليمية وعلى الأمن القومي الأمريكي.

ومن أهم الوثائق التي صدرت في هذا المنظور الندوة الحوارية التي نشرتها مجلة «فورين أفيرز» الرصينة في عددها الأخير (يوليو ـ أغسطس) حول الموضوع العراقي والاستراتيجيات الأمريكية المتعلقة به.

وقد شارك في هذه الندوة بعض أبرز الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين في الدراسات الشرق أوسطية وفي قضايا الأمن والإرهاب، من بينهم لاري دياموند الباحث في مؤسسة هوفر ومؤلف كتاب «الاحتلال الأمريكي والجهد الضائع لحمل الديمقراطية إلى العراق» وجيمس دوبنس مدير مركز الأمن في مؤسسة راند وتشين كوفمان أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ليهايغ. ويتضح من مداخلات الخبراء المذكورين اتفاق واسع على تشخيص الوضع العراقي في نقاط أربع هي:

1 ـ تجذر الفتنة الأهلية في العراق إلى حد التطهير الطائفي والانقسام الفعلي، مما يوهن كل محاولات البناء السياسي والمصالحة الوطنية. فلقد بين كوفمان أن المشهد العراقي الحالي يتشكل من ثلاث حروب دموية: بين القوات الأمريكية والمتمردين المعادين للحكومة، وبين الأفراد وباقي القوميات في الشمال، وبين السنة والشيعة في وسط البلاد.

ويرى كوفمان أن العنف يتركز حاليا في مناطق تعايش السنة العرب والشيعة (بغداد، والأنبار ودبالي وصلاح الدين)، في الوقت الذي وصل فيه التطهير الطائفي مداه، وكادت تنتهي المدن المختلطة وأصبح أغلب الناس يعيش في أحياء متجانسة مغلقة تدافع عنها مليشيات طائفية.

والأدهى من هذا كله، أن الشرطة والجيش تحولا إلى مليشيات طائفية مسؤولة عن الكثير من حوادث العنف والاغتيال. وقد قدرت الصحافة الأمريكية في شهر أبريل الماضي ضحايا العنف للشهرين الماضيين بـ3500 قتيل، ويعتقد أنه رقم أقل من الحقيقة بكثير، في حين قدر الهلال الأحمر العراقي عدد اللاجئين بـ89 ألف لاجئ (وهو أيضا رقم ضئيل بالمقارنة مع الواقع العقلي).

2 ـ إخفاق المقاربات المتتالية التي بلورتها الإدارة الأمريكية لحل المعضلة العراقية بدءا بالإدارة العسكرية المباشرة بعد سقوط بغداد، انتهاء بصيغة الاحتواء المزدوج للطائفتين الشعبية والسنية (فرض ضغوط على الشيعة للتنازل عن الوزارات السيادية والأمنية من أجل إرضاء الأقلية السنية لاحتواء المقاومة).

وكما يوضح دوبنس لم ينجح النموذج البلقاني ولا النموذج الأفغاني في العراق، لسبب محوري هو أن التدخل العسكري الأمريكي في العراق حدث دون مظلة إقليمية ودولية، فكان لا بد أن تدفع الولايات المتحدة ثمن انفرادها بقرار الحرب وإدارة الاحتلال.

ويرجع دوبنس سبب عزوف المحيط الإقليمي للعراق عن دعم المشروع الأمريكي بتلويح الولايات المتحدة باستراتيجية نشر الديمقراطية من البوابة العراقية (على عكس خطها في أفغانستان). ويوضح أن تفكك البلدان يغري الدول المجاورة بالتدخل، بحيث تصبح الفئات المتصارعة وكلاء لقوى إقليمية، وهو المشهد الراهن في العراق، بحيث لن يتحقق السلم إلا في إطار صفقة إقليمية واسعة بدعم دولي.

3 ـ ليس بمقدور الترتيبات الدستورية والسياسية التي أقرت في العراق منذ الاستفتاء الدستوري وانتخابات 2005 أن تحل المعضلة الداخلية العراقية، لأنها جمعت بين مساوئ الحكم الفيدرالي (ضعف الدولة المركزية) ومساوئ التقسيم الطائفي والعرقي (تكريس سيطرة الطائفة المهيمنة). فالدستور الحالي مثلا يمنح الحكومات الإقليمية صلاحيات استغلال الثروة النفطية بما يتيح تحكم الإقاليم الشيعية بـ80% من هذه الثروة، مقابل 20% للأقاليم الكردية في حالة ضم كركوك لهذه المناطق؟

ومع أن الترتيبات السياسية المعلنة قد أقرت تشكيل لجنة لمراجعة الدستور لحل هذه الإشكالات الخلافية، إلا أن اللجنة لم تعين لحد الآن، ولا يزال الفرقاء العراقيون عاجزين عن التوصل للحد الأدنى من الوفاق الوطني حول هذه الموضوعات الخلافية.

4 ـ تأرجح الباحثون في تصورهم للمعضلة العراقية بين 3 اتجاهات:

ـ الانفتاح على المقاومة ضمن برنامج مصالحة داخلية برعاية إقليمية ودولية مع تحمل الولايات المتحدة مسؤولية الوقوف ضمن التطهير العرقي والحرب الأهلية في العراق.

ـ دفع المسار اللامركزي ولكن مع دعم الهوية الفيدرالية للدولة العراقية بإرضاء المطالب الرئيسية للطوائف والقوميات العراقية المختلفة أي إنصاف الأغلبية الشيعية وإعطاء الأكراد حقوقهم القومية والثقافية وإشراك السنة في السلطة وفي الريع النفطي.

ـ الانسحاب الأمريكي المخطط من العراق في سياق معادلة داخلية وإقليمية ودولية، تضمن سيادة العراق واستقراره مع توفر الضمانات السياسية والأمنية لتفادي الحرب الأهلية والتفكك.


وكالة الاخبار العراقية  - الشرق الاوسط

أضف تعليق