هيئة علماء المسلمين في العراق

مبادرة المالكي ... نص تلفيقي وتطبيق مستحيل- ياسر الزعاترة
مبادرة المالكي ... نص تلفيقي وتطبيق مستحيل- ياسر الزعاترة مبادرة المالكي ... نص تلفيقي وتطبيق مستحيل- ياسر الزعاترة

مبادرة المالكي ... نص تلفيقي وتطبيق مستحيل- ياسر الزعاترة

تبدو مبادرة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أقرب الى موضوع انشاء منها الى مبادرة سياسية قابلة للتطبيق والتنفيذ، وهي في حقيقتها اقرب الى بيان مؤتمر القاهرة، ليس لجهة التفاصيل، بل لجهة سعيها الى إرضاء مختلف الأطراف، حتى لو تم ذلك من خلال تمرير التناقضات الكثيرة التي تزدحم بها النصوص والبنود أو الكلام الغامض القابل لأكثر من تفسير.

من وقائع الجدل حول المبادرة قبل اقرارها يمكن القول ان النص تغير وتبدل مراراً وتكراراً خلال الاسابيع الأخيرة، الأمر الذي كرس معادلة الغموض فيه، كما أفقده الكثير من الزخم الذي ربما حمله النص الأولي، وفي العموم فهو جدل يعبر عن هواجس فرقاء الساحة العراقية حيال الموقف العام مما يجري على الأرض.

وفي هذا السياق يمكن القول ان هاجس الاميركيين الاساسي منذ نهاية العام الماضي هو ترتيب وضع على الأرض يحجم النفوذ الايراني في العراق من خلال التحالف مع الأكراد ودعم العرب السنة، كما من خلال اللعب على تناقضات القوى الشيعية ذاتها، وذلك لتحقيق هدفين: الأول دمج العرب السنة في العملية السياسية واشعارهم بجدواها ومن ثم ابعادهم عن المقاومة التي تستنزف الاحتلال مالياً وبشرياً. أما الهدف الثاني، فهو تكريس التناقضات داخل الساحة الشيعية، كما في العلاقة بين جميع الأطراف والأحزاب بما يوفر للسفير الاميركي فرصة التحكم بها جميعاً والحيلولة دون اجتماعها مع المطالبة برحيل الاحتلال.

من هنا يعتقد الاميركيون ان مبادرة المالكي ستساهم في تحقيق الهدفين المشار اليهما، فضلاً عما توفره من أجواء ايجابية بالنسبة الى الداخل الاميركي على مشارف انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ومن أجل رفع المستوى المتدهور لشعبية الرئيس وعصابة المحافظين الجدد والبناء على النجاح في اغتيال زعيم القاعدة في العراق (الزرقاوي).

على ان ذلك لا ينفي ان الاميركيين استخدموا قلمهم في تعديل وتحوير المبادرة بما لا يجعلها مصدر ادانة أو إزعاج لهم لا سيما في ما خص المقاومة التي لم تعترف بها الوثيقة، فيما خصها زلماي خليل زاد بتصريح يحضها فيه على المشاركة في العملية السياسية، وهي نقطة ربما كانت أكثر أهمية بالنسبة الى العديد من القوى الشيعية التي تشعر بحساسية مفرطة إزاء مصطلح مقاومة، فيما تصر على وصف جميع الأعمال المسلحة في العراق بالارهاب، بما فيها تلك التي تطال القوات الاميركية.

ربما كان مصدر الإدانة الأساسي للأميركيين في الوثيقة هو اعترافها الضمني بالأوضاع المزرية التي يعيشها العراق على مختلف الصعد، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخدماتية، الامر الذي يؤكد الفشل الذريع لمشروع الاحتلال وحكاية العراق النموذج الذي لم يكن سوى نموذج للموت والدمار والقتل على الهوية، فضلاً عن اسوأ، بل ابشع أنواع انتهاكات حقوق الانسان.

في الجانب الشيعي يمكن القول ان تحفظات القوى السياسية المختلفة على الوثيقة ساهمت على نحو اكثر فاعلية في تشويهها وافقادها الزخم المعنوي والعملي في آن، ولم يتوقف الأمر عند غياب مصطلح الاحتلال ومقابلة مصطلح المقاومة، بل تجاوزه نحو الموقف من المجموعات المسلحة، إذ تصر الوثيقة في أكثر من مقام على تكرار مصطلحي الصداميين والتكفيريين، لكنها لا تجد مكاناً لأنواع أخرى من المسلحين. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتجاوزه نحو تقييد شروط العفو أو التعامل مع قضية المتهمين بممارسة العنف، ويقال على هذا الصعيد ان النصوص تغيرت، وفي النتيجة لم يعد ثمة عفو عام، بل عفو مشروط «عن المعتقلين الذين لم يتورطوا في جرائم أو أعمال ارهابية وجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية»، وهي صيغة فضفاضة وغامضة، فضلاً عن ان تطبيقها على الارض هو أقرب الى المستحيل. وجاءت تصريحات المالكي بشأن استثناء من قتلوا الاميركيين لتؤكد عبثية العفو، أما من تنطبق عليهم كل تلك الشروط فلماذا يكونون في المعتقلات من الأصل، ولماذا يحتاج الموقف الى مبادرة كي يخرج أمثالهم من السجون؟!

أما موضوع الميليشيات المسلحة، وعلى رغم ان اكثرها لبس زي الشرطة والحرس الوطني والجيش واصبح يمارس أعماله وفق الصيغة الجديدة، إلا ان المبادرة لم تتحدث عن حل تلك الميليشيات، بل نصت على «حل موضوع الميليشيات»، أي ان الأمر سيحتاج ردحاً من الزمن حتى يتم التفاهم حول الموضوع!!

ربما قيل ان بعض القوى السياسية الشيعية لا تريد للوضع العام ان يستقر، وذلك من أجل مواصلة سياسة القتل الطائفي والتهجير بهدف تهيئة الاجواء لفيديرالية الجنوب والوسط التي دعا اليها عبدالعزيز الحكيم، وهو قول يملك بعض الوجاهة، لكن تلك القوى ربما أسرفت في هجاء المبادرة من أجل تكريس انحياز العرب السنة اليها، وإشعارهم بأنها تقدم لهم خدمة خاصة. يحدث ذلك لأننا إزاء قوى لا تقل اهتماماً عن الاميركيين بمسألة إبعاد العرب السنة عن المقاومة، كما ان كل ما ورد في المبادرة من ميزات للعرب السنة لن يكون عسير التهميش في واقع التطبيق.

يحيلنا ذلك بالطبع الى تلك الحماسة المفرطة للمبادرة التي أبدتها بعض القوى العربية السنية المشاركة في العملية السياسية، وهي حماسة تنتمي في واقع الحال الى ذات المعادلة السائدة منذ نهاية العام الماضي، اي التفاهم مع زلماي خليل زاد على مختلف الخطوات السياسية، من التصويت بنعم على الدستور الى الانتخابات الى مداولات تشكيل الحكومة وصولاً الى دعم عمليات استقطاب الشارع العربي السني الى جانب العملية السياسية وابعاده عن المقاومة المسلحة.

والحال ان ترحيب القوى المذكورة بالمبادرة لا يبدو مبرراً لو وضعت الأمور في نصابها الصحيح، وإلا فما الذي سيأخذه العرب السنة منها غير وعود غير مكتملة، أكان في ما خص المعتقلين، أم فيما خص تسوية المظالم التي تعرضوا لها خلال المرحلة المقبلة؟

صحيح ان هناك حديثاً متكرراً في الوثيقة عن هذا البعد الاخير، لا سيما مسألة اعادة النظر في هيئة اجتثاث البعث، وقضايا الجيش والاعمار وتعويض المتضررين، لكنه يتزامن مع نصوص لا تقل محاباة للشيعة ومناطقهم على ذات الصعد، فيما يعلم الجميع ان التطبيق هو المعضلة، لأنه سيكون غالباً بيد القوى المتحكمة بالمشهد السياسي المحلي أكثر من انسجامه مع حرفية النصوص.

هكذا ستنجلي المبادرة عن لا شيء، إذ لن تتوقف المقاومة بعد ان لم تعترف بها المبادرة، ولم تقدم لها شيئاً مقنعاً بخصوص جدولة انسحاب قوات الاحتلال، كما لن تتوقف مجموعات القتل الأعمى هنا وهناك، ما يعني ان المأساة ستتواصل، معيدة التأكيد على انه لا حل عملياً من دون توافق عراقي يحميه تفاهم عربي - ايراني على حل مقبول لجميع الطراف، الأمر الذي لا يبدو وارداً في ظل معادلة العجز العربي الراهن.


كاتب من الأردن.

وكالة الاخبار العراقية  -الشرق القطرية

أضف تعليق