حطّت الذكرى الرابعة والتسعين لتأسيس الجيش العراقي؛ رحالها اليوم السادس من شهر كانون الثاني 2015؛ لتعيد إلى أذهان العراقيين والعرب على السواء مشاهد خلّدها التاريخ، ومواقف كانت ولا تزال مشكاة تنير طريق الحرية، وترسم مسار الكرامة، وتعطي لكل الأحرار دروسًا في صيانة القيم والثبات على المبادئ.
فقد شهد عام 1921م وفي مثل هذا اليوم؛ ولادة النوّاة الأولى للجيش العراقي الباسل بعد أن تمكّن الشعب وثوّاره الأبطال من إلحاق الهزيمة بقوّات الاحتلال البريطانية وطردها من بلادهم، في ثورة ما انفك التاريخ يكتب عنها بطيب الذكر وجميل الوصف، ألا وهي ثورة العشرين التي تكاتف فيها العراقيون بمختلف انتماءاتهم فنسجوا للعراق ثوب الحرية، ولم تمر سوى بضعة أشهر على الثورة؛ حتى أعلن الفريق (جعفر العسكري) عن تشكيل أول نواة لجيش عراقي وطني؛ متمثلاً بفوج (موسى الكاظم) في بغداد، لتتوالى بعد ذلك تشكيلات الجيش المختلفة وتنمو وتتطور حتى فرض نفسه في بضع سنين كواحد من أقوى جيوش المنطقة.
لقد تمكن الجيش العراقي بمرور الزمن وتعاقب الحقب من تطوير تشكيلاته المختلفة حتى صار سدًا منيعًا أمام الأطماع والمشاريع التوسعية التي تحاول السطو والعبث في المنطقة بغية سرقة خيراتها ومصادرة حرية أهلها، وقد أثبت خلال ملاحمه البطولية في مواجهة المخططات انه جدير بالعديد من التسميات التي أطلقها العراقيون عليه مثل؛ سور العراق المنيع، وصمّام الأمان، والأسطورة، والعملاق، ومصنع الأبطال، ثم تعاظمت أوصافه نتيجة إنجازاته التي لم تعد مقتصرة على العراق فقط، ليتقلد بجدارة تسمية (حارس البوابة الشرقية للوطن العربي)، و(صمام أمان الأمّة)، وغير ذلك مما يجسد مكانته المرموقة في نفوس العراقيين بصورة خاصة والعرب بشكل عام، لاسيما انه تحمل الصّعاب وبذل الكثير من الجهود في مهمات الذود عن حمى العراق ودول المنطقة باسرها؛ ما أهله ان يكون مدرسة وطنية تتعلم فيها الأجيال معنى الولاء والالتزام والضبط والصدق والأخلاق الحميدة.
إن الجيش العراقي منذ تأسيسه وحتّى حلّه في عام 2003؛ كان جيشًا مهنيًا وحرفيًا بامتياز يعمل منتسبوه ـ جنودًا ومراتب ـ كفريق متجانس، ومنظومة واحدة تتكامل فيها الأدوار رغم تنوعها، وتؤدّى المهمات فيها على وجه يليق بمعاني الجندية والانضباط النابعين من الإيمان العميق، وهو ما جعل أبناء الشعب العراقي ينعتون جنوده الأبطال حتى الآن بـ(حماة الوطن الحقيقيين)، فضلاً عن جهوده الاستثنائية وترسانته المتينة التي ساهمت بشكل فعّال في تأمين المنطقة ككل لعقود طويلة، وما يؤكد ذلك سلسلة الملاحم البطولية التي سطرها الجيش العراقي إبان دوره البارز والمميز في الحرب العربية – الصهيونية عام 1948، والمعارك الأخرى التي تلتها في عامي 1967 و 1973، والتي ما تزال مقابر شهدائه الأبطال في سوريا والأردن شاهدة على الدور البارز الذي اضطلعت به فرق المشاة والدورع وسلاح الجو؛ والقطعات العسكرية الاخرى في دحر القوات الصهيونية الغاشمة خلال المعارك الضارية التي خاضتها ضد الاحتلال الغاصب.
ومما لاشك فيه ان كل عراقي؛ يستعرض في هذه الذكرى واحدة من أبرز الملاحم البطولية التي خاضها الجيش العراقي، طيلة ثماني سنوات في مواجهته العدوان الإيراني الغاشم عام 1980 والتي تكللت بالنصر المؤزر في الثامن من آب عام 1988 بعد ثماني سنوات من الصبر والصمود والثبات والشجاعة والإقدام؛ وعلى الرغم من ان جيش العدو كان يوصف بأنه (خامس جيش في العالم) إلا أن الجيش العراقي تمكن من التصدي له والوقوف بوجه ريحه الصفراء المسمومة التي تحمل عواصفها مزيجًا من الأحقاد التاريخية والضغائن العقائدية تجاه المسلمين عمومًا والعرب على وجه الخصوص، وقدم العراقيون في تلك الملاحم التي قل نظيرها قوافل من الشهداء؛ اعتلى العرب بسببهم علياء المجد وقمم الفخر، فأثلج صدور كل الشرفاء في العالم.
تأتي ذكرى تأسيس الجيش العراقي اليوم؛ وبلاد الرافدين ما زالت تعج بالإيرانيين المعتدين الذين وفدوا بمباركة أمريكية ـ بعدما فتحت الحكومات التي تشكلت في إطار العملية السياسية الحالية الباب على مصراعيه ـ على شكل قطعات عسكرية نظامية كفليق القدس والحرس الثوري وقوّات الباسيج وغيرها، وبأثواب أخرى غير نظامية ممثلة بالميليشيات الطائفية التي تعيث في الأرض فسادًا، وبدأ الايرانيون بتوسيع نفوذهم الطاغي بتبادل الأدوار مع الولايات المتحدة التي قادت قوى الغرب لاحتلال العراق فعملت على تدمير جيشه في أول خطوة اتخذتها.
لقد بذل الإيرانيون من جهة، والصهاينة من جهة اخرى كل ما بوسعهم للانتقام من الجيش العراقي الذي ذاقوا على يديه مر الهزائم وتجرعوا طعم الذل والإنهزام، فضلاً عمّا يتسم به جيش العراق الأصيل بمؤهلات وأنماط جعلته قادرًا باحتراف على ضرب مصالح قوى الاستعمار الغربي، وافشال مخططاتها ضد المنطقة باسرها؛ وكان نقطة قلق كفيلة بكبح جماح أطماع تلك القوى التي تحالفت وأعدت عدتها في جنح الظلام، وأخذت تمارس دور الشيطان حتى انتهت مخططاتها باقدام إدارة المجرم بوش الصغير وبمساندة عملائه على شن حرب واسعة وشاملة على العراق في آذار عام 2003، تحت اتهامات وأكاذيب باطلة وذرائع واهية أثبتت السنوات المنصرمة زيفها وهزلها، فكانت أولى أهداف تلك الحرب العبثية تدمير بنية المؤسسة العسكرية الوطنية العملاقة، وهو ما حصل بعد الاحتلال الغاشم في حدث زلزل صفحات التاريخ، حينما أصدر (بول بريمر) سيئ الصيت الحاكم الذي نصبه الاحتلال على العراق؛ قراره المشؤوم بحل الجيش العراقي وفض جميع مؤسساته وتشكيلاته المختلفة، ومطاردة ضباطه والتضييق على منتسبيه.
وإزاء ما تقدم، يكون إجرامًا بحق العقل والمنطق أن تتم مقارنة الجيش العراقي الأصيل بالجيش الحالي الذي تم تشكيله في ظل الاحتلال السافر على قاعدة رخوة تفتقر للحد الأدنى من المقومات الأساسية، فجيش العملية السياسية الحالية جيش طائفي لا يملك اية عقيدة عسكرية، وهو بعيد كل البعد عن التدريب والمهنية والتسليح، فضلاً عن انتشار آفة الفساد والرشوة بين صفوف معظم ضباطه ومنتسبيه، ووصل الفساد الى وزارة الدفاع بأسرها، ولعل فضيحة الجنود الفضائيين التي كُشف النقاب عنها أواخر العام المنصرم خير مثال على هشاشة الجيش الحالي الذي لم يصمد بضع ساعات أمام المسلحين بالرغم من الأموال التي هدرتها حكومات الاحتلال على الأجهزة العسكرية والأمنية، وعلاوة ذلك كله؛ فإن الجيش الحالي يضم في صفوفه الالاف من أفراد الميليشيات الطائفية التابعة للأحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية الحالية التي لا همّ للمسؤولين فيها سوى نهب الثروات وتحقيق المكاسب الشخصية والاستئثار بأموال الشعب، إلى جانب الفوضوية العسكرية والمهزلة التي تعد جريمة بحق الجندية؛ المتمثلة بميليشيات ما يسمى الحشد الشعبي وهي جماعات عشوائية تم زجها مع الجيش فراحت تمارس جرائم الخطف والقتل والتهجير على الهوية، كما اركبت جرائم تفجير المساجد ونسف المنازل وحرقها ومصادرة ممتلكات المواطنين، ليصبح الجيش الحالي عدوًا للشعب العراقي لا يختلف أبدًا عن أي غازٍ أو محتل.
إن المشاهد المؤسفة، والأحداث الأليمة التي آل إليها الجيش في العراق اليوم؛ لا يمكن أن تكون حائلاً دون احتفال العراقيين بعيد تأسيس جيشهم الأصيل، لأن الدخلاء مهما طال الزمن لا بد أن يتم طردهم وتزال مشاريعهم، أما المعدن الحقيقي فإنه يبقى محافظًا على جودته ومتانته، مهما جارت عواصف السنين على صورته فشوهتها بغبار الأحداث وأتربة العواصف المظلمة، ومن هنا تقدح شرارة الأمل وتبدو معطيات الخلاص في أن يبادر الشعب إلى استعادة أمجاده مقتبسًا من هذه الذكرى المشرفة ذات التاريخ الناصع، ليزدادوا إصرارًا على مواجهة الممارسات الإجرامية للجيش الحالي والانتهاكات الفظيعة التي تنفذها تشكيلاته الطائفية، والجهل الأخلاقي الذي يطغى على منتسبيه وهم يعانون من مرض التبعية، التي تترجم عمليًا إلى انتهاك حرمات البيوت، عبر اقتحامها واعتقال الآمنين والأبرياء، إضافة إلى إخفاقاته المتكررة في تأمين الحماية لهذا البلد الذي أصبح مستباحًا بعد أن دنسته أقدام الغزاة.
مرة أخرى؛ تبدو الفرصة سانحة للعراقيين في أن تكون لهم محطة متميزة جديدة في تاريخهم الحافل بالمآثر، فالثورة العراقية التي يزخر بها هذا البلد اليوم تفسح المجال للعمل الجاد نحو استعادة العراق لمجده وكرامته وعزته التي ظل جيشهم الباسل حاميًا لها اكثر من (80) عامًا، وليس هناك أفضل رد لجميل هذا الجيش الأبيّ من الالتحاق بالثورة بكل أوجهها العسكرية والسياسية والإعلامية، والعمل الدؤوب بمزيج من الصبر والاستعداد للتضحية من أجل تطهير أرض الرافدين من أدران مشاريع الاحتلال المقيت وعمليته السياسية، بما فيها من حكومات وأحزاب وأجهزة العسكرية هي إلى العصابات أقرب.
الهيئة نت
ج
في الذكرى الرابعة والتسعين لتأسيسه.. العراقيون بآلامهم وآمالهم يستذكرون تاريخ جيشهم الأغر
