تعد الإضافة نوعا من أنواع التركيب في اللغة العربية، ومن المشهور عند دارسي العربية: أن المضاف يعرب بحسب محله من الجملة، بينما يكون المضاف إليه مجرور المحل دائما في حالة تركيبه، وهناك آثار أخرى ومؤثرات من جهة التركيب يتأثر بها المضاف بسبب ارتباطه بالمضاف إليه، وتجيء بعض هذه المؤثرات بأشياء معاكسة، ويمكن حصر هذه الآثار بخمسة عشر أثرا، وهي على النحو الآتي:
أولا: البناء
تأتي المفردات في العربية على الأصل معربة، ولكنها قد تخرج من أصل إعرابها إلى حالة البناء، وتحقق ذلك عند إضافتها إلى مبني، نحو: ذهبت حين ذهب زيد، فكلمة (حين) بنيت بسبب متلوها المضاف إليه، وهو الفعل الماضي، وهذه الحالة تكون في الأزمنة المبهمة وغير المحدودة عندما تضاف إلى مبني بناءا أصليا، مثل (حين، ووقت، وزمان، ومدة)، ونحوها، ومن الأمثلة على ذلك قول النابغة الذبياني:
علــــى حيـــن عاتبـــت المشيــب على الصــبـــا وقلـــت: ألمـــا أصــح والشيـــب وازع(1)
بفتح نون كلمة (حين)، وهذا البناء للمضاف علته المشاكلة، فيتحول المعرب إلى مبني قصدا للتناسب والمشاكلة، قال سيبويه في بيان علة البناء: ((كأنه جعل حين وعاتبت اسما واحدا))(2).
ومن الأمثلة أيضا قول امرئ القيس:
فعزيـــت نفســي حيــن بانــــوا بجســرة أمـــون كبنيـــان اليهـــودي خيــفــق(3)
ثانيا: الإعراب
وهذا الأثر على الضد من سابقه، ويحصل ذلك في العدد المركب، نحو: هذه خمسة عشر زيدٍ، والعلة في ذلك أن الإضافة من الأمور التي ترد الأشياء إلى أصولها، وهذا ما ذهب إليه الأخفش، وأما سيبويه فيراها لغة رديئة(4).
وكلمة (عشر) في المثال المذكور عندما أضيفت أعربت، علما بأنها كانت قبل الإضافة مبنية على فتح الجزأين(5) .
ثالثا: التذكير
الأصل في لغة العرب: أن ترد الكلمة على وجه التذكير؛ ولذا لم تكن فيه علامة دالة عليه بخلاف التأنيث، ولكن قد تأتي الإضافة مخالفة لذلك، فيذكر المؤنث، قال أبو الفتح بن جني: وتذكير المؤنث باب واسع جدا؛ لأنه من حالات رد الفرع إلى أصله، ولكن التأنيث للمذكر هو أذهب في التناكر والإغراب(6) .
ومن أمثلة هذه الحالة قول جرير بن عطية يهجو الأخطل:
لقــد ولـــد الأخيطـلأم ســـــــــــوءٍ على بــاب استها صُلُبٌ وشـــــــامُ(7)
فقال(ولد) ولم يقل: (ولدت)، لأن كلمة (أم) مضافها مذكر وهو كلمة (سوء) فاكتسب الفعل التأنيث بتلك الإضافة.
رابعا: التأنيث
ومما يتأثر به المضاف من المضاف إليه أيضا تأنيث المذكر، ومن أمثلته قوله تعالى : (( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها)) (آل عمران: 103)، فالضمير المؤنث في كلمة (منها) يعود إلى كلمة (شفا)، ولكنه اكتسب التأنيث بسبب مضافها، ولا يجوز أن يعود إلى (النار)؛ لأنهم ما كانوا في النار حتى ينقذوا منها(8)، ومن الأمثلة أيضا قراءة الحسن البصري – رحمه الله تعالى – في قوله جل وعلا – ((تلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ))(9) (يوسف: 10) بالتاء للمضارع؛ لأن كلمة (بعض) اكتسبت التأنيث بسبب مضافها وهي كلمة (السيارة).
ومن الأمثلة أيضا قول الأعشى ميمون بن قيس في هجاء عمير بن عبد الله :
وتَشرقُ بالقول الذي قد أذعتهُ كما شَرِقَت صدرُ القناة بالدم(10)
فأنث الشاعر (شرقت) لإضافة كلمة (صدر) إلى كلمة (القناة)، ومن الأمثلة أيضا قول ذي الرمة :
مشين كما اهتزت رماحٌ تسفهت أعاليها مر الرياح النواســـــــمِ(11)
فأنث ذو الرمة الفعل (تسفهت) وهو للمر، وهو مذكر؛ لأنه اكتسب التأنيث من إضافته إلى كلمة الـرياح، وكقول جرير بن عطية:
لمــا أتـى خبـر الزبيـر تواضعــت سـور المديــنة والجبــال الخشـع(12)
فأنث جرير الفعل (تواضعت)، والفعل للسور، وذلك لأنه مضاف إلى كلمة (المدينة) فاكتسب التأنيث منها.
وكقوله أيضا:
إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتامَ فَقدَ أبي اليتيمِ (13)
فأنث الشاعر الفعل (تعرقتنا) وهو يعود إلى (بعض) الذي اكتسب التأنيث من إضافته إلى كلمة (السنين).
خامسا: التعريف
مما يتأثر به المضاف من المضاف إليه اكتسابه التعريف منه، وهو بذا كان أحد أنواع المعرفة، نحو: كتاب زيد، وما دامت المعارف متفاوتة في أعرفيتها، فمن المؤكد أن يتأثر المضاف من هذا التفاوت، ورتبة المضاف على الراجح تكون برتبة المضاف إليه ما خلا المضاف إلى الضمير، فإنه يكون في مرتبة العلم، ومن الجدير بالتنبيه إليه أن المضاف الذي يكون شديد الإبهام، نحو (غير، ومثل، وشبه، ونحو، وخذن، ووحد، وحسب) ونحوها فإنها تبقى على تنكيرها ولا تكتسب التعريف؛ لأن الغيرية والمثلية ونحوها ليست صفة مختصة بذات دون أخرى.
ولذا بقي التنكير، وكذلك إذا كان المعرف بالإضافة في موضع يستحق التنكير، نحو: (كم ناقة وفصيلها)، ونحو: (رب رجل وأخيه)، ونحو: (ما من رجل وأخيه في الدار)، ونحو (كل شاة وسخلتها بدرهم)(14) ، وكقول الشاعر:
وأيُ فتىً هيجاء أنت وجارها إذا ما رجالٌ بالرجال استقلت(15)
بكسر كلمة (جارها) عطفا على (فتى هيجاء)، وهو نكرة؛ لأنه مضاف إلى كلمة (أي)، وأي إذا أضيف إليها واحد لم يكن إلا نكرة فهو نكرة من جهة المعنى.
ويفهم مما تقدم أنه يستدل على النكرة التي يرد لفظها بلفظ المعرفة بدخول (كم)، أو (رب) أو (من الزائدة) أو (أي )، أو ( كل ) أو (لا النافية للجنس)، أو تقع حالا أو تمييزا أو صفة لنكرة .
سادسا: التنكير
من القواعد النحوية التي استقرأها النحاة أن الأعلام لا تضاف حتى تنكر؛ لأنه لا يجتمع في لفظ الأعلام علامتا تعريف، ومن هنا كان تأثير الإضافة سالبا للعلمية، نحو قولنا: (زيدُ الرجل) ونحو: (بكرنا مجتهدٌ)، ونحو: (زيدُ الفقيه لا زيدُ الشاعر) فالمضاف في هذه المثل قد تجرد عن علميَّته؛ وذلك بأن جعل واحدا من متعدد مسمى بذلك اللفظ، قال الزمخشري: وقد يتأول العلم بواحدٍ من الأمة المسماة به، فلذلك من التأول يجري مجرى رجل وفرس، فيتجرأ على إضافته، وإدخال اللام عليه، قالوا: (مضرُ الحمراءِ، وربيعةُ الفرسِ، وأنمار الشاةِ )، ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر :
علا زيدُنا يوم النقا رأسَ زيدكم بأبيضَ ماضي الشفرتين يماني(16).
فعلمية زيد في البيت قد ذهبت بسبب الإضافة فصار نكرة، ثم تعرف بعد ذلك بالإضافة إلى الضمير والسبب في ذلك هو أن العلم وقع الاشتراك فيه بين المخاطبين؛ فأزيلت صفة الاشتراك بالإضافة، وقال أبو علي الفارسي: المعارف لا تضاف؛ لأنها تستغني عن الإضافة بالتعريف والمضافات كلها نكرة(17).
سابعا: التخصيص
يراد بالتخصيص تقليل الاشتراك المعنوي الحاصل في النكرة ويتحقق ذلك من خلال التركيب الإضافي بين نكرتين فيخصص المضاف بالمضاف إليه، ويقلل عموم الأول بالثاني، نحو : كتابُ علمٍ.
ثامنا: التخفيف
من آثار التركيب الإضافي تخفيف اللفظ فقط، ولا تفيد الإضافة عندئذ تعريفا ولا تخصيصا، نحو قوله تعالى ((إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ) (الطلاق:3)، وقوله ((هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ )) (المائدة:95) و(بالغ ) صفة للنكرة (هديا)، ولم تستفد من إضافتها شيئا غير تخفيف اللفظ.
وإضافة التخفيف تنحصر في كون المضاف صفة وكون المضاف إليه معمولا لتلك الصفة، ويتضمن ذلك اسم الفاعل العامل، واسم المفعول العامل، والصفة المشبهة، وكذلك المصادر التي ترد بمعنى اسم الفاعل فإنها أيضا تكون لتخفيف اللفظ ولا يستفيد من إضافته تعريفا ولا تخصيصا(18)، ومن أمثلة ذلك قول امرئ القيس في معلقته:
وقد أغتدي والطيرُ في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل(19)
فكلمة (قيد) مصدر بمعنى اسم الفاعل (مقيد) وهو مضاف إلى معرف بال وهي كلمة (الأوابد) ولكنه لم يستفد من إضافته تعريفا، بدليل مجيئها وصفا لكلمة (منجرد) وهي نكرة ولكن هذه الإضافة تفيد التخفيف ليس غير.
تاسعا: التصدير
مما يكتسبه المضاف من المضاف إليه: الصدارة في الكلام، ويحصل ذلك بالألفاظ التي لا تستحق الصدارة، ولكنها بسبب هذه الإضافة إلى ما يستحقه الصدارة تتصدر ويكون في موضعين:
الأول: إذا كان مضافا إلى أسماء الاستفهام، نحو: كتاب من استعرت؟، والآخر: إذا كان مضافا إلى أسماء الشرط، نحو: غلام من تضرب أضرب.
وما أطرف قول أمين الدين المحلي (ت 673 هـ) حينما قال:
عليك بأرباب الصدور فمن غدا مضافا لأرباب الصدور تصدرا(20)
عاشرا: المصدرية (النيابة).
ومما يكتسبه المضاف إليه: المصدرية، وذلك عندما يقع المضاف بين كلمتين متفقتين في مادة حروفهما ويتحد معناهما، نحو قوله تعالى: ((فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ )) (النساء:129 )، وقوله أيضا: ((وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ)) (الاسراء:29)، ونحو: صمتُ أحسنَ الصيام، وقمتُ أجودَ القيامِ.
حادي عشر: الحذف
ومما يتأثر به المضاف من المضاف إليه: حذف هاء التأنيث، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى ((وَإِقَامَ الصَّلاةِ)) (الانبياء:73)، فلولا هذه الإضافة؛ لوجب إلحاق التاء في المصدر، فنقول: (وإقامة) وأصل هذه التاء المحذوفة هي أنها عوض عن حذف ألف (الافعال)، وقد اختلف النحاة المتقدمون في ترك التعويض بهاء التأنيث، فذهب سيبويه إلى جواز ترك التعويض بها مطلقا، فقال في كتابه: (هذا باب ما لحقته هاء التأنيث عوضا لما ذهب، وذلك نحو قولك: أقمته إقامة واستعنته استعانة، وأريته إراءةً، وإن شئت لم تعوض وتركت الحروف على الأصل.
قال الله – عز وجل - : ((رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ )) (سورة النور، آية 37) وقالوا: اخترتُ اختياراً، فلم يلحقوه الهاء؛ لأنهم اتموه، وقالوا: أريتُهُ إراءً مثل أقمتُهُ إقاما؛ لأن من كلام العرب أن يحذفوا ولا يعوضوا)(21)،
وأما ابن مالك فقد عد التعويض بهاء التأنيث في مصدر (أفعل) غالبا، فقال في ألفيته (الخلاصة):
واستعذ استعاذةً ثم أقم إقامةً وغالباً ذا التا لزِم (22)
وقال ابن عصفور: ولا يجوز حذف التاء إلا حيث ورد موضع الحذف، وقال الفراء أيضا: ولا يجوز الحذف لتاء التعويض إلا إذا كانت الإضافة عوضا عن التاء(23)، ويؤيد قول ابن عصفور والفراء والشواهد القرآنية في ذلك والله تعالى أعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ديوان النابغة الذبياني : 051
(2) الكتاب لسيبويه : 2/ 0330
(3) ديوان امرئ القيس : 0634
(4) الكتاب لسيبويه : 3/ 299 .
(5) المفصل للزمخشري : 230.
(6) الخصائص لابن جني : 2/415
(7) ديوان جرير بشرح ابن حبيب : 283.
(8) مغني اللبيب بحاشية الدسوقي :2/1066 .
(9) الميسر في القراءات الأربع عشرة :236
(10) ديوان الأعشى الكبير : 119 .
(11) ديوان ذي الرمة : 612 ، والكتاب لسيبويه : 1/25 .
(12) ديوان جرير : 340 .
(13) الكتاب لسيبويه : 1/25
(14) الأصول في النحو لابن السراج : 1/323 .
(15) الكتاب لسيبويه : 2/55 .
(16) المفصل للزمخشري : 29 .
(17) التعليقة على كتاب سيبويه للفارسي : 3/101 .
(18) شرح المفصل لابن يعيش : 3/ 51 .
(19) شرح القصائد العشر للتبريزي : 46 .
(20) الإفادات والإنشادات للشاطبي : 102 .
(21) الكتاب لسيبويه : 4/ 83 .
(22) ألفية ابن مالك : 134 .
(23) توضيح المقاصد للمرادي : 2/26 .
التركيب الإضافي وآثاره النحوية / د. عمر مكي
