-(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح 29 )
قال السعدي رحمه الله :
يخبر تعالى عن نبيه" محمد رسول الله " " والذين معه " من أصحابه من المهاجرين والأنصار ، أنهم بأكمل الصفات ، وأجل الأحوال . وأنهم " أشداء على الكفار " ، أي : جادون ومجتهدون في نصرتهم ، وساعون في ذلك بغاية جهدهم ، فلم يرى الكفار منهم إلا الغلظة والشدة . فلذلك ذل أعداؤهم لهم ، وانكسروا ، وقهرهم المسلمون . "رحماء بينهم " ، أي : متحابون ، متراحمون ، متعاطفون ، كالجسد الواحد ، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه ، هذه معاملتهم مع الخلق . وأما معاملتهم مع الخالق فإنك " تراهم ركعا سجدا " ، أي : وصفهم كثرة الصلاة ، التي أجل أركانها : الركوع والسجود . " يبتغون " بتلك العبادة " فضلا من الله ورضوانا " ، أي : هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم ، والوصول إلى ثوابه . " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " ، أي : قد أثرت العبادة ـ من كثرتها وحسنها ـ في وجوههم ، حتى استنارت . لما استنارت بالصلاة بواطنهم ، استنارت بالجلال ، ظواهرهم . " ذلك " المذكور " مثلهم في التوراة " ، أي : هذا وصفهم ، الذي وصفهم الله به ، مذكور بالتوراة هكذا ." ومثلهم في الإنجيل " بوصف آخر ، وأنهم في كمالهم وتعاونهم " كزرع أخرج شطأه فآزره " ، أي : أخرج أفرخه فوازرته فراخه ، في الثبات والاستواء . " فاستغلظ " ذلك الزرع ، أي : قوي وغلظ " فاستوى " ، أي : قوي واستقام " على سوقه " ، جمع ساق ، أي : أصوله ، والمراد أنه قوي وقام على قضبانه . " يعجب الزراع " من كماله واستوائه ، وحسنه واعتداله . كذلك الصحابة رضي الله عنهم ، هم كالزرع ، في نفعهم للخلق ، واحتياج الناس إليهم ، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع ، وسوقه . وكون الصغير والمتأخر إسلامه ، قد لحق الكبير السابق ، ووازره ، وعاونه على ما هو عليه ، من إقامة دين الله والدعوة إليه ، كالزرع الذي أخرج شطأه ، فآزره فاستغلظ . ولهذا قال : " ليغيظ بهم الكفار " حين يرون اجتماعهم ، وشدتهم على أعداء دينهم ، وحين يتصادمون معهم في معارك النزال ، ومعامع القتال " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما " ، فالصحابة رضي الله عنهم ، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ، قد جمع الله لهم بين المغفرة ، التي من لوازمها ، وقاية شرور الدنيا والآخرة ، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة .
وقال البغوي رحمه الله :
* قوله تعالى: "محمد رسول الله "، تم الكلام ها هنا، قاله ابن عباس، شهد له بالرسالة، ثم قال مبتدئاً: " والذين معه "، فالواو فيه للاستئناف، أي: والذين معه من المؤمنين، " أشداء على الكفار "، غلاظ عليهم كالأسد على فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة، " رحماء بينهم "، متعاطفون متوادون بعضهم لبعض، كالولد مع الوالد، كما قال: " ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (المائدة : 54 ) - " تراهم ركعاً سجداً "، أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها، " يبتغون فضلاً من الله "، أن يدخلهم الجنة، " ورضواناً "، أن يرضى عنهم، " سيماهم "، أي علامتهم، " في وجوههم من أثر السجود "، اختلفوا في هذه السيما: فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة يعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا، وهو رواية عطية العوفي عن ابن عباس، قال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا. وقال شهر بن حوشب : تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال آخرون: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. وهو رواية الوالبي عن ابن عباس قال: ليس بالذي ترون ولكنه سيماء الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. وهو قول مجاهد ، والمعنى: أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك : هو صفرة الوجه من السهر.
وقال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. قال عكرمة و سعيد بن جبير : هو أثر التراب على الجباه. قال أبو العالية : إنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال عطاء الخراساني : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. " ذلك "، الذي ذكرت، " مثلهم "، صفتهم " في التوراة "، ها هنا تم الكلام،.. ثم ذكر نعتهم في الإنجيل، فقال: " ومثلهم "، صفتهم، " في الإنجيل كزرع أخرج شطأه "، قرأ ابن كثير ، وابن عامر: (شطأه) بفتح الطاء، وقرأ الآخرون بسكونها، وهما لغتان كالنهر والنهر، وأراد أفراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ، إذا أفرخ، قال مقاتل : هو نبت واحد، فإذا خرج بعده فهو شطؤه. وقال السدي : هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى. قوله: " فآزره "، قرأ ابن عامر: (فأزره) بالقصر والباقون بالمد، أي: قواه وأعانه وشد أزره، " فاستغلظ "، غلظ ذلك الزرع، " فاستوى "، أي تم وتلاحق نباته وقام، " على سوقه "، أصوله، " يعجب الزراع "، أعجب ذلك زراعه. هذا مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب محمد في الإنجيل أنهم يكونون قليلاً، ثم يزدادون ويكثرون... قال قتادة : مثل أصحاب رسول الله في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر... وقيل: (الزرع) محمد ، و (الشطء): أصحابه والمؤمنون. وروي عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: " محمد رسول الله والذين معه ": أبو بكر الصديق رضي الله عنه، " أشداء على الكفار " عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ( رحماء بينهم ) عثمان رضي الله عنه، ( تراهم ركعاً سجداً ) علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ( يبتغون فضلاً من الله ) بقية العشرة المبشرين بالجنة. وقيل: " (كزرع) محمد، " أخرج شطأه " أبو بكر " فآزره " عمر " فاستغلظ " عثمان، لللإسلام " فاستوى على سوقه " علي بن أبي طالب استقام الإسلام بسيفه، ( يعجب الزراع ) قال: هم المؤمنون. " ليغيظ بهم الكفار "، قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم: لا تعبدوا الله سراً بعد اليوم ...
حدثنا أبو حامد بن محمد الشجاعي السرخسي إملاءً، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن أحمد القفال ، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد الفضل السمرقندي ، حدثنا شيخي أبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي ، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد ، حدثنا عبد العزيز بن محمد الداوردي ، عن عبد الرحمن بن حميد ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي ، قال: " أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ".
حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي ، أخبرنا أبو عبد الرحمن بن عثمان بن قاسم ، حدثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي ، حدثنا أحمد بن هاشم الأنطاكي ، حدثنا قطبة بن العلاء ، حدثنا سفيان الثوري ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك، عن النبي قال: " أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ". ورواه معمر عن قتادة مرسلاً وفيه: وأقضاهم علي...
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد العزيز المختار قال خالد الحذاء ، حدثنا عن أبي عثمان قال حدثني عمرو بن العاص أن النبي بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيه فقلت: أي الناس أحب إليك. قال: عائشة، فقلت : من الرجال. فقال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب... فعد رجالاً فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم.
أخبرنا أبو منصور عبد المالك و أبو الفتح نصر ، ابنا علي بن أحمد بن منصور و محمد بن الحسين بن شاذويه الطوسي بها قالا: حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب ، أخبرنا الحسن بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك الأسدي ، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل هو ابن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة عن أبي الزعزاء عن ابن مسعود عن النبي أنه قال: " اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود ".
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد أن أحداً ارتج وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان، فقال النبي : " اثبت أحد ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ".
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، حدثنا أبو سعيد الأشج ، أخبرنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي قال: عهد إلي النبي أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق.
حدثنا أبو المظفر التميمي ، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان ، أخبرنا خيثمة بن سليمان ، حدثنا محمد بن عيسى بن حيان المدائني ، حدثنا محمد بن الفضل بن عطية ، عن عبد الله بن كسلم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي قال: " من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة ".
قوله عز وجل: " ليغيظ بهم الكفار "، أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظاً للكافرين. قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله فقد أصابته هذه الآية.
أخبرنا أبو الطيب طاهر بن محمد بن العلاء البغوي ، حدثنا أبو معمر المفضل بن إسماعيل بن إبراهيم الإسماعيلي ، أخبرنا جدي أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، أخبرني الهيثم بن خلف الدوري ، حدثنا المفضل بن غسان بن المفضل العلائي ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثنا عبيدة بن أبي رابطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله : " الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ".
حدثنا أبو المظفر بن محمد بن أحمد بن حامد التميمي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم ، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار بالكوفة، أخبرنا وكيع بن الجراح، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ".
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين الزعفراني ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عروة ، حدثنا محمد بن الحسين بن محمد بن إشكاب ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي خباب عن أبي سليم الهمذاني، عن أبيه، عن علي قال: قال رسول الله : " إن سَرَّك أن تكون من أهل الجنة فإن قوماً ينتحلون حبك يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، نبزهم الرافضة، فإن أدركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون "، في إسناد هذا الحديث نظر.
قول الله عز وجل: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم "، قال ابن جرير : يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة، ورد الهاء والميم على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك لم يقل: (منه)، " مغفرة وأجراً عظيماً "، يعني الجنة...
((الأدب مـع الصـحـابـة ))
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المتفرد باسمه الأسمى، المختص بالملك الأعز الأحمى، الذي ليس دونه منتهى، ولا وراءه مرمى، الظاهر لا تخيلاً ووهماً، الباطن تقدساً لا عدماً، وسع كل شيء رحمةً وعلماً، وأسبغ على أوليائه نعماً عماً، وبعث فيهم رسولاً من أنفسهم عرباً وعجماً، وأزكاهم محتداً ومنمى، وأرجحهم عقلاً وحلماً، وأوفرهم علماً وفهماً، وأقواهم يقيناً وعزماً، وأشدهم بهم رأفة ورحما، وزكاه روحاً وجسماً، وحاشاه عيباً ووصماً، وآتاه حكمة وحكماً، وفتح به أعيناً عمياً، وقلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، فآمن به وعزره، ونصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسماً، وكذب به وصدف عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتماً، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، - صلى الله عليه وسلم - صلاةً تنمو وتنمى، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً[1].
أما بعد:
الصحابة[2] -رضي الله عنهم- هم أفضل الأمة، وخير الناس، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فآمنوا به ونصروه وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله من الصدود والإعراض والمشقة والأذى، فبلغوا الدين وجاهدوا المعاندين فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأثنى عليهم في كتابه العزيز
فقال سبحانه:
(وَالسّابِقونَ الأَوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعوهُم بِإِحسانٍ رضي الله عنهم وَرَضوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري تَحتَهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ) (100)[3]
وقال سبحانه:
(وَالَّذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَّـهِ وَالَّذينَ آوَوا وَنَصَروا أُولـئِكَ هُمُ المُؤمِنونَ حَقًّا لَهُم مَغفِرَةٌ وَرِزقٌ كَريمٌ) (74)[4] وقال سبحانه:
(لـكِنِ الرَّسولُ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ جاهَدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم وَأُولـئِكَ لَهُمُ الخَيراتُ وَأُولـئِكَ هُمُ المُفلِحونَ) (88)[5]
وقال سبحانه:
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (29)[6].
فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم، ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، فلا بد من البحث، وهذا مردود، فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم -رضي الله عنهم- ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: (مغفرة وأجراً عظيماً) «وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك، وذلك غير مُسقط من مرتبتهم وفضلهم[7].
وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن خيريتهم وفضلهم في أحاديث كثيرة، منها ما جاء عن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))[8] وفي الحديث الآخر يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون))[9].
وكما دلت النصوص الشرعية على فضلهم، فإن الواقع قد شهد بذلك أيضاً، وهذا ظاهر لمن نظر في أحوالهم وقرأ أخبارهم، فهم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كالنجوم الزهراء يقتدى بهم في الفضل والإحسان من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله، اختارهم الله تعالى لتحمل رسالة الإسلام فصاروا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.
وللتعامل مع الصحابة - رضي الله عنهم - آداب يجب على كل مسلم مراعاتها، نذكر منها:
الأدب الأول: اعتقاد عدالتهم: فالصحابة كلهم عدول ثقات صادقون في كل ما أخبروا به عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو عن بعضهم البعض أو عن غيرهم.
الأدب الثاني: محبتهم والترضي عنهم، لأن الله تعالى أحبهم ورضي عنهم ووعدهم الجنة كما في الآيات التي سبق ذكرها.
الأدب الثالث: تعظيمهم وتوقيرهم: فأهل السنة يعظمون جيمع الصحابة ويترضون عنهم ويوقرونهم.
الأدب الرابع: اعتقاد خيريتهم وفضلهم، كما في الأحاديث السابقة.
الأدب الخامس: الابتعاد عن سبهم أو تنقيصهم أو مساواتهم بغيرهم أو الحقد عليهم: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) [10].
الأدب السادس: سلامة الصدور تجاههم، والكف عن الخوض فيما حصل بينهم من الفتن.
الأدب السابع: عدم الإفراط وتجاوز الحد والغلو في حب أحدهم، أو رفع أحدهم إلى منزلة فوق منزلته.
الأدب الثامن: محبة أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والاعتراف بفضلهن.
الأدب التاسع: معرفة قدرهم من صحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنهم الذين حملوا هذا الدين وبلغوه لمن بعدهم حتى وصل إلينا وأنهم السابقون إلى الإسلام والمجاهدون في سبيله أثنى الله - تعالى -عليهم في كتابه، وأثنى عليهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما هم أهله لما اتصفوا به من صفات حميدة ومنزلة سامقة رفيعة.
الأدب العاشر: محبة أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - تجب محبتهم وموالاتهم، ورعاية وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم، لما اتصفوا به من حق القرابة وغيرها، فإن كانوا من الصحابة فلهم ثلاثة حقوق:
1- حق الإيمان
2- حق الصحبة
3- حق القرابة
وإن لم يكونوا من الصحابة فلهم حقان:
1- حق الإيمان
2- حق القرابة
وأما من لم يكن من المؤمنين -كأبي لهب- فإنهم لا يحبون، لأن الله تعالى لا يحب الكافرين، فيجب عدم محبة من لا يحبه الله تعالى.
اللهم اجعلنا ممن يحب صحابة رسولك -صلى الله عليه وسلم-، ويدافع عنهم ويثني عليهم ويتبع منهجهم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
----------
[1] -من مقدمة كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى: القاضي عياض -رحمه الله -.
[2] - الصحابي: هو من لقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به، ومات على ذلك.
[3] -سورة التوبة، الآية: 100.
[4] -سورة الأنفال، الآية: 74.
[5] -سورة التوبة، الآية: 88.
[6] -سورة الفتح، الآية: 29.
[7] -انظر تفسير القرطبي: سورة الفتح الآية: 29.
[8] -البخاري: 2652.
[9] -مسلم: 2531.
[10] -البخاري: 3470.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمع وترتيب
محمد صادق امين
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ...
