أتذكر بجلاء المخاوف والشكوك الأولى التي انتابتني بخصوص أعمال القتل التي تجري في العراق باسمنا، كنت ذات مرة في مشرحة بغداد أحصي الجثث عندما اخبرني احد كبار المسؤولين الأطباء وهو صديق قديم عن مخاوفه،
فقد قال لي: «الجميع يحضرون جثثاً الى هنا، لكن عندما يأتي الأمريكيون ومعهم جثث فإننا نؤمر بعدم تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة بأي حال من الأحوال،
وعلينا ان نفهم ان هذا تم وانتهى الأمر، احياناً تأتينا ورقة كهذه مع الجثة، وهنا أراني الرجل وثيقة تخص الجيش الأمريكي وعليها رسم بخط اليد لجثة رجل ومكتوب عليها «جروح كدمات»، ليس من الجيد ان نقول: بضع تفاحات فاسدة» فكل جيوش الاحتلال فاسدة، لكن هل كلها ترتكب جرائم حرب،
نعم النازيون كانوا اسوأ بكثير وكذلك اليابانيون والكروات، لكن.. هذا نحن، وهذا جيشنا، هؤلاء الجنود الشباب هم ممثلونا في العراق، وعلى أكفهم دماء ابرياء، اشك في ان جزءاً من المشكلة يكمن في أننا لم نهتم حقاً بالعراقيين، وهذا هو سبب رفضنا احصاء قتلاهم،
وما ان انقلب العراقيون على جيش الاحتلال بقنابلهم على جوانب الطرق وسياراتهم المفخخة حتى أصبحوا اولئك «الأشرار» العرب او تلك المخلوقات الشيطانية دون البشر، ونظل نذكر انفسنا بأن أطفال هؤلاء الناس مسلمون ويمكن ان يكونوا يوماً نسخاً من محمد عطا، وهكذا بعد كل عملية قتل لعائلة أو غارة جوية يتم اخبارنا بأنه تم قتل «ارهابيين» لكن يظهر فيما بعد بأن التجمع كان عرساً أو ـ كما حصل في أفغانستان ـ خليطاً من الأطفال و«الإرهابيين» أو نسمع عاجلاً وبلاشك مصطلح «أطفال إرهابيين».
بشكل أو بآخر، فإننا - نحن الصحفيين - ملومون أيضا. فلكوننا لا نجرؤ على الخروج من بغداد إلى مدن أخرى أو إلى محيط العاصمة، فإن هاجس «الإرهابيين» في الأصقاع النائية لبلاد الرافدين يظل ينتابنا.
ولخوفنا من مدية المتمردين، لم نعد نقدم على التحري والتحقيق في حقيقة الأمور.
والأمريكيون يحبذون أن يكون الأمر على هذه الصورة.
أعتقد بأنها أصبحت عادة. كل أهوال أبوغريب تناسيناها، وقد كانت «إساءة معاملة» وليست أعمال تعذيب.
من يهتم بالعراقيين إذا ما ضربوا رؤوسهم بالصخر؟ أليسوا هم من يقتل شبابنا القابعين هناك يحاربون الإرهاب.
وهكذا نحن نلبس لباس الصليبيين ونقول لأولئك الذين نغزو بلادهم، إننا سننعم عليهم بالديمقراطية.
وكالة الاخبار العراقية - الشرق القطرية
الحقيقة المرة عن الاحتلال الأمريكي-روبرت فيسك
