الذي يبدو ظاهراً ان المستنقع العراقي افشل المشروع الامريكي بسبب الخسائر الكبيرة المادية والبشرية، ولنموذج الفوضى الذي احدثه التدخل، مما جعل شعوب المنطقة المتطلعة الى الديمقراطية متخوفة من نتائج الفوضى التي جلبها.
وقد ترافق مع ذلك اتساع السخط في الرأي العام الغربي الذي بدأ ينقم ويعاقب انتخابياً قادته الذين تورطوا في حرب العراق، حيث اسقط رئيس الوزراء الاسباني ثم اعقبه الايطالي، فيما قرعت الانتخابات المحلية جرس الخطر للحزب الحاكم البريطاني، واستشعرت الاغلبية الجمهورية الخطر الذي ستواجهه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الامريكي في نوفمبر.
وهذا يعني أن دول المنطقة المستهدفة بالتغيير نجحت في عرقلة هذا المشروع، وجعلته ذا كلف باهظة لاصحابه ومخيفاً لشعوبها التي باتت تفضل الابقاء على دكتاتوريات الفتها على ديمقراطيات لن تجلب لها الا الفوضى.
في حين ان الديمقراطية لم تنتج الا صعود التيارات الاسلامية بشقيها «المعتدل» الذي هيمن على المشهد الانتخابي في الفرص التي اتيحت (العراق، فلسطين، مصر) و«المتشدد» حيث اصبحت ايديولوجية الجهاد اكثر قوة.
والمفارقة ان ذلك تم على حساب انتكاس واضمحلال القوى الليبرالية.
مما تقدم لا يمكن تجنب القفز الى خلاصة اولية، وهي انه كانت هناك استراتيجية لدعم الديمقراطية لكن لم تكن معها او توازيها استراتيجية لافشال مخططات القوى التي تعمل على إعاقتها.
لا شك ان معيار التقييم والحكم يجب ان يرتكز على اعادة النظر الى مبررات التدخل الامريكي، وهي التي تحدد فشله او نجاحه. وبعبارة اخرى فهناك منظومة أسئلة من شاكلة: هل هي انية او ظرفية، وبالتالي اذا ما اصطدمت بعراقيل ومعوقات او حتى مقاومة عنيفة او رفض، ترتد على نفسها.. ام ماذا؟
والى ذلك تعود مبررات التدخل من وجهة نظر الامريكان في منطقتنا الى رؤى جاءت احداث 11 من سبتمبر لكي تجذرها وتجعلها مرتبطة بالامن القومي الامريكي، او ما يصفونه باستقرار العالم الحر وامنه.
وهي هنا ترى أن منطقة الشرق الاوسط الكبير الممتدة من حدود باكستان مروراً بافغانستان وصولاً الى كل العالم العربي، تهيمن على غالبيتها انظمة استبدادية اغلقت افاق التطور لدى شعوبها، او اي مسارب سياسية وممكنات التعبير الحر لهم، والمشاركة الفاعلة في تطوير مجتمعاتهم، بجانب شيوع الفساد في انظمتها مع تركيز في الثروة والتفاوت الصارخ في توزيعها، إضافة الى ازدياد وشيوع مشكلة البطالة وضعف النمو، فدفعت حالة اليأس السياسية والتخلف الاقتصادي والظلم التوزيعي، ابناءها الى محاولة اعاقة الاخرين تعبيراً عن تأخرهم، وبالتالي نشأت وازدهرت الحركات المتطرفة.
حفز ذلك على الجانب الاخر اخطاء ارتكبتها الولايات المتحدة نفسها بتبنيها ومساعدتها للانظمة الاستبدادية والدكتاتورية في العقود الماضية، اعقب ذلك تحالف امريكي مع الحركات الاصولية الاسلامية لتوظيفها في محاربة الوجود الشيوعي في افغانستان، ولاضعاف الاتحاد السوفيتي في نهايات الحرب الباردة.
وزاد على ذلك اختلال مستديم وانحياز في التعاطي مع قضايا العرب والمسلمين المصيرية.
لذلك فإن التدخل في المنطقة هو موقف استراتيجي اميركي يقوم على فرضية بأنه لا يمكن ان يكون عالم مستقر وامن بحد معقول بدون جلب الديمقراطية والنجاح الاقتصادي الى منطقة الشرق الاوسط الكبير او غرب اسيا، مستدلين بأن اوروبا كانت طيلة تاريخها قارة موبوءة بالحروب والاقتتال حتى الحرب العالمية الثانية، الى أن دخل الامريكان وبالتعاون مع حلفائهم ففرضوا الاستقرار وعملوا على دعم الرفاه والتطور الاقتصادي الذي ساعد فيه مشروع مارشال، فأصبحت المانيا واليابان مركزا للرفاه الاقتصادي وحليفا ديمقراطيا ساعد بشكل فعال في الحرب الباردة.
كذلك فإن جنوب شرقي اسيا ظلت ايضاً في عدم استقرار واقتتال حتى فرض الامريكان السلام هناك بتدخلهم في كوريا في مطلع الخمسينات حيث ان اعادة اعمار كوريا الجنوبية مكنها من ان تصبح دولة رائدة في اسيا.
وبهذا المنطق يدللون على صحة هذه الفرضية وعلى ضرورة تبنيها بمثال قارة امريكا اللاتينية التي ظلت على العكس من ذلك، حيث ظلت انظمتها غير مستقرة سياسياً ولا ناجحة اقتصادياً وتجاربها الديمقراطية هشة، وبقيت كقارة بعمومها تحظى بقدر كبير من الاضطرابات والصراعات البينية، كونها لم تتوافر لها نفس الاستراتيجية التي توافرت لاوروبا وجنوب شرقي اسيا، اي المرتكزة على ركيزتي التواجد العسكري الفاعل والدائم لدعم الامن وضمان تواتر ورسوخ الانتقالات السياسية مع مشروع انقاذ انهاضي اقتصادي.
لذلك كانت، ووفقاً لهذه الرؤى، ضرورة الدخول الى المنطقة كضمان لتغييرها ودفع الاصلاح السياسي والاقتصادي فيها، كما تم وبنجاح في اوروبا وفي جنوب شرقي اسيا. ولكن الطريف هنا هو ان ما تستهدفه هذه الاستراتيجية، يكون في الوقت ذاته المعيق المحتمل لها، والإشارة هنا الى الانظمة الشمولية والاصوليات الاسلامية، واللتان وان تقاطعتا ايديولوجياً، الا ان ذلك لا يمنعهما من ان تتوحدا في مواجهة العدو المشترك، مثلما اقترب صدام من هذه الاصوليات.
وهذا الصراع طويل، فالمعوقان وان نجحا في تحقيق اعاقة المشروع مرحلياً وتكبيده الخسائر الا ان متبنو استراتيجية التغيير يدركون، بل أنهم قد وطنوا نفوسهم، ان دعم التغيير السياسي ليس سهلاً او غير مكلف.
وكذلك فإن مناصريهم المحليين، والمفترض بأنهم ايضاً يدركون ويتقبلون التبعات على اساس ان كل خروج من مرحلة الجمود الاجتماعي ـ السياسي الى حالة السيولة، لا بد من ان يقترب في مراحل المشروع الاولى من الفوضى، ولكون ان لكل تحول كبير ثمنا لا بد ان يدفع، ومن هنا فالسلام الاجتماعي المزعوم والمصطنع بالقسر سيكون اول هذه الضحايا.
وفي المقابل، فهناك رؤى اخرى، ونتيجة لليأس من امكان تغيير المنطقة الاكثر عصية على الديمقراطية، وبسبب من الخوف من ان البديل الوحيد للانظمة القائمة سيكون القوى الاسلامية، التي يخشى من انها ستسحب السلم من ورائها عندما تصل الى الحكم، لذلك بدأت تقول، أي تلك الرؤى بأنه يتوجب علينا التخلي عن خطاب الديمقراطية للشرق الاوسط، لإيجاد حل اقليمي لحالة الفوضى التي جلبها التغيير.
الدار العراقية
العراق: المشروع الأمريكي بين الفشل والإفشال-جابر حبيب جابر
