“نحن شاكرون للرئيس بوش لأنه خلّصنا من صدام حسين. نشكره أيضاً شكراً جزيلاً لأنه مهّد الطريق أمامنا في العراق وأفغانستان، وفي لبنان أيضاً حيث ازداد نفوذنا بفعل مغادرة السوريين”.
“الأمريكيون رفعوا أسعار النفط وساعدونا على بناء هوية مشتركة في المنطقة. ونتيجة لذلك، باتت إيران أقرب إلى مصر والدول العربية الأخرى لأنها تتشاطر معها جميعاً عدواً مشتركاً. العرب والمسلمون لم يكونوا موحدين، لكن الولايات المتحدة وحدتهم. لقد فعلوا (الأمريكيون) الكثير من أجلنا”!
علي أكبر رضائي، الدبلوماسي الإيراني البارز، لم يكن يمزح حين أدلى بهذه الملاحظات قبل يومين لصحيفة بريطانية (“الجارديان” - 30 يونيو/ حزيران). كان جاداً كل الجد. وهو لم يكن مخطئاً.
فأينما يممنا وجهنا، نجد أن السياسات الأمريكية منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2003 لم تزرع سوى الفوضى غير الخلاقة، ولم تحصد سوى المزيد من العداء والتمرد ضدها. وهذا واضح في كل مكان من الشرق الأوسط الكبير: في أفغانستان، حيث الرئيس حامد قرضاي، الموظف السابق في “هاليبورتون”، بات يجد نفسه أقرب إلى طهران منه إلى واشنطن، بعد أن دفعته هذه الأخيرة إلى “الكفر” بتوجهاتها.
في آسيا الوسطى، التي اكتشفت جمهورياتها السوفييتية السابقة أن إدارة بوش حليف خطر لا يعتد به، فبدأت تطرده تباعاً من أراضيها لتحل مكانه الروس والصينيين.
في العراق، التي بات الاحتلال الأمريكي فيه بحاجة يومية إلى موافقة الإيرانيين على كل/ وأي قرار تتخذه الحكومة العراقية. وأخيراً، في فلسطين - حماس ولبنان وسوريا، التي دفعها الخوف من واشنطن إلى الارتماء الكامل في أحضان طهران.
كيف يمكن أن تتحول الأمور على هذا النحو، فينقلب كل نصر عسكري أو أمني أمريكي إلى إنجاز سياسي وإيديولوجي لإيران؟ أين مكامن الخطأ في سياسات واشنطن؟
بسيطة: فتش عن عنجهية القوة، أما يسميه الأمريكيون أنفسهم (Hubris) (“هوبرة” التكبر والعجرفة)، المقرونة بعمى ألوان المصالح. فجمهوريو بوش، وبرغم كل اللغو الفصيح حول نشر الديمقراطية والحداثة، لا يرون في الشرق الأوسط الكبير سوى مشروع حرب يجب أن تنتج عنه ثلاث محصلات كبرى: الهيمنة المطلقة للآلة العسكرية الأمريكية في المنطقة، هيمنة أمريكية مطلقة أخرى على النفط، وتمهيد الطريق أمام تحول “إسرائيل” إلى قوة امبراطورية فرعية.
هذه الإطلالة تفسر إلى حد بعيد أسباب غياب السياسة عن المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط. فحيث تسود ذهنية الحلول الأمنية، لا يعود ثمة مجال للحلول السياسية. وحيث تطبق سياسة التدمير، تصبح عملية البناء شبه مستحيلة. حدث هذا في أفغانستان، حين تم تدمير نظام طالبان من دون وجود أي خطة فعلية لبناء دولة - امة جديدة مكانه. وتكرر في العراق حيث نسفت مقومات الدولة (الجيش والإدارات) من دون توفير “الخطة - ب” لإحلال دولة جديدة مكانها. ثم هو يطبق الآن في فلسطين، عبر تدمير كل مقومات السلطة الفلسطينية وإغراق الأراضي الفلسطينية في الفوضى. في كل هذه التطورات، لم تحرك إيران اصبعاً واحداً. كل ما فعلته هو انتظار انتهاء الثور الأمريكي الجامح من تحطيم كل الأواني الخزفية في المتجر الشرق أوسطي، ثم التقدم لتطرح نفسها كجزء من الحل لا من المشكلة. وفي مثل هذه الظروف، ألا يحق لطهران أن تشكر واشنطن؟ أليس هذا أضعف الإيمان؟ ثم: من كان له أعداء من هذا الطراز، ما حاجته للأصدقاء؟
الدار العراقية
واشنطن: شكراً طهران: مبروك... سعد محيو
