وجود حكومة منوعة الأطياف والمذاهب والقوميات قد لا يعني بالضرورة وجود اتجاه نحو مدنية الدولة لمواجهة المشاريع التشرذمية العفنة التي لا تزال تسري رائحتها وجراثيمها في الاوساط العراقية لاسيما السياسية منها بفعل سيطرة المليشيات والمشاريع التي تقف وراءها وهي تتقاطع بالضد مع مفهوم الدولة المدنية وتكرس مفاهيم مضطربة للدول والاقطاعيات داخل الدولةالواحدة.
وسبب ذلك يرجع الى الاستمرار المنظم والمدعوم خارجياً في استغلال الدين في السياسة واحتماء سياسيين متدهوري المستوى ومنقوصي الأهلية بمراجع دينية تحظى باحترام شرائح في المجتمع لصنع جو من القناعات الايجابية ازاء خط سير السياسي الذي هو خط عكسي ضد مدنية الدولة لأنه يفهم المدنية بالبدلة وربطات العنق الحريرية المستوردة من باريس وروما ولندن.
التنوع الجاري غالباً ما يكون ديكوراً يقتضيه العرض المسرحي، بغض النظر عن وجود ممثلين بارعين كأشخاص،لأنهم في النهاية يخدمون العرض الذي يتلقاه الجمهور ويراد منه أن يقتنع بأداء العرض.
من السابق لأوانه جداً، الحديث عن دولة مدنية في الواقع العراقي الآن، ذلك ان هناك تنظيمات تعمل وتنشط وتقاتل تحت شعارات ولاية الفقيه المعمول بها في ايران علناً وما يترتب عليها من استحقاقات على سير الحياة العراقية التي ما عرفت هذا النوع الغريب من التفكير.
راجع حديث السيد جابر رجبي ممثل مليشيا عصائب اهل الحق في ايران من خلال وكالة انباء فارس الايرانية حيث يعلن صراحة العمل والالتزام الكامل بولاية الفقيه ويقول هذا الامر ينطبق على مليشيات اخرى كبدر وكتائب حزب الله. ويؤكد رجبي اهمية عدم الالتفات الى اختلاف الأسامي فالمحتوى واحد وهو نصرة ولاية الفقيه.
ما حال العراق بعد ذلك ،أي مستقبل ينتظره تحت ولاية فقيه فعلية تسري في مفاصل الحياة برغم عدم الاعتراف بها رسميا وحكوميا، هل تلتفت مليشيات ترى نفسها أكبر من الدولة وحامية لكراسي الحكومة الى اعتراف سياسيين أو عدم اعترافهم بها، في ظل وضع رسمي يبشر بعلامات علو مكانة الفقيه في السياسة والحكم بالعراق ، ولا تخفى دلالات زيارات رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الى مراجع النجف قبل ساعة من التوجه الى زيارة عمل في السعودية.
كيف نفهم الفصل بين الدين والسياسة هنا؟ وما شكل ولاية الفقيه إذا لم يكن هذا شكلها، والسبب ليس المراجع وانما من السياسيين أنفسهم.
ترسيخ ولاية الفقيه / فاتح عبدالسلام
