تعد مشكلة النازحين في العراق من كبرى المعضلات الإنسانية وأعقدها التي شهدتها السنة الجارية 2014، التي وعلى الرغم من أنها توشك على نهايتها؛ إلا أن هذه المشكلة
ما تزال تتفاقم بشكل مخيف، حسبما أكّدته ـ مجددًا ـ تقارير بعضها صحفية وأخرى صادرة عن منظمات حقوقية ودولية؛ أشارت إلى أن هذا البلد يعيش أزمة حقيقية بشأن أوضاع النازحين الذين تجاوز عددهم ثلاثة ملايين شخص في غضون أحد عشر شهرًا فقط.
تقارير صحفية وميدانية توضح أن المعارك وعمليات القصف الممنهجة التي يشنها نظاما الحكم في العراق وسورية؛ أجبرت نحو (13 مليون) و(600 ألف) شخص ـ أي ما يعادل سكان لندن ـ على الرحيل من ديارهم، مؤكدة أن غالبتهم تركوا منازلهم دون أي متاع، حتى أصبحوا في أمكان نزوحهم لا يجدون الغذاء أو المأوى مع حلول فصل الشتاء الذي جاء بأمطار غزيرة.
وبحسب التقارير آنفة الذكر؛ فإن مليونًا و(900 ألف) هو الرقم المسجل لعدد النازحين في العراق في الأشهر القليلة الماضية، يُضافون إلى مليون و(190 ألف) آخرين نزحوا في أوقات سابقة من محافظاتهم نتيجة تهديم بيوتهم أو إمكانية تعرّضها لذلك من القصف المتواصل سواء بالبراميل المتفجرة أو الصواريخ الموجهة، فضلاً عن انعدام أسباب الحياة وانقطاع المواد عن مدنهم جرّاء ذلك.
من جهتها؛ تقول مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة إنها أنشأت مخيمًا جديدًا للاجئين في محافظة دهوك شمالي العراق، إلا أنه لا يستوعب أكثر من (1800) شخص، وفيما تقول المفوضية على لسان موظفتها (صوفيا جلازونوفا) إن المساعدة المالية مُهمة جدًا كونها تزيد في الإجمالي على مليوني دولار، لغرض تقديم مساعدات مالية لأربعة آلاف أُسرة، تؤكدّ المفوضية ذاتها أنها تواجه نقصًا في التمويل يبلغ (58 مليون) دولار وهو ما يعني حرمان ما يصل إلى نحو مليون إنسان من المساعدات، ويوضح مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمفوضية؛ أن العالم أصبح لا يبالي بمحنة اللاجئين والنازحين، خاصة مع إعلان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بأنه خَفَض الحصص الغذائية لأربعة ملايين و(250 ألف) شخص، مشيرًا إلى أنه قد يضطر إلى وقفها تمامًا الشهر المقبل بحجة نقص التمويل.
ونتيجة لذلك ومع حلول فصل الشتاء؛ يقول النازح (دخيل عمر إلياس) إنه يسابق الزمن لإنهاء المأوى الجديد ـ الذي يعده بمساعدة أبنائه ـ لأسرتهم قبل أن يشتد برد الشتاء بعد أن فرّوا من أعمال العنف في ديارهم ونزحوا إلى محافظة دهوك، مشيرًا إلى أنه أنفق آخر فلس يملكه لإعداد هذا المأوى المتواضع لأسرته المؤلفة من سبعة أفراد وتغطيته بالبلاستيك ليقيه الأمطار، لافتًا إلى أنه اضطر لصناعة هذا المأوى من خشب مستغنىً عنه وورق مقوى وبقايا البلاستيك جمعها من أماكن مختلفة وغطاها بقطع من البلاستيك (النايلون الزراعي) اشتراه بـ(60 ألف) دينار عراقي أي ما يعادل تقريبًا (51.57 دولار).
ويضيف دخيل قائلاً: "سمعت أننا سنحصل على أغطية للأرض لكننا لم نر شيئًا إلى الآن... أكثر ما نحتاج إليه هو الوقود وملابس ثقيلة وأغطية للأرض" ويمضي والحزن يخيم على وجهه ويبدو الألم واضحًا من خلال نبرة صوته إلى القول: "يجب أن نعد أنفسنا ونبني مأوى أفضل.. هذا قميصي قصير الكمين فهل يقيني هذا البرد؟ مستحيل.. ما من مال عندنا لنشتري لوازم الشتاء، سنكون ممتنين إذا أعطيتمونا مالاً وملابس وإلا فلن نبقى أحياء في الشتاء".
وفي سياق متصل، قالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (فاليري آموس): إن الكارثة الإنسانية المحدقة في العراق وسورية حاليًا، هي كارثة اقليمية، وأوضحت في كلمة ألقتها أثناء جلسة مشاورات مغلقة لمجلس الأمن الدولي للأوضاع في سورية والعراق: "نحن لدينا الآن كارثتان إنسانيتان في هذين البلدين، وهذه كارثة إنسانية للإقليم بأسره" وبينما أشارت إلى أن (700) طفل عراقي قتلوا وشوّهوا، نتيجة الأوضاع المأساوية التي يعيشها العراق بشكل عام، أكّدت أن نسبة الأطفال من بين النازحين تبلغ قرابة (50%).
واتهمت آموس الميليشيات الطائفية الموالية للحكومة الحالية في العراق بعرقلة إيصال المساعدات للمدنيين، وأكّدت للصحفيين عقب انتهاء الجلسة المذكورة وجود نواجه عراقيل تحول دون الوصول إلى المدنيين المحتاجين، موجهة أصابع الاتهام إلى من وصفتهم بـ"جماعات مسلحة موالية للحكومة في بغداد"، بالوقوف وراء هذه العراقيل، التي ذكرت بعض صورها تقارير محليّة أشارت إلى أن الميليشيات في كل من محافظات صلاح الدين وديالى والعاصمة بغداد لها بصمات واضحة في تفاقم وتدهور أوضاع النازحين والمهجرين، سواء بمصادرة المساعدات الموجهة لهم أو بحرمانهم من إيجار مساكن وبيوت للمأوى.
إلى ذلك؛ ذكرت مصادر مطّلعة وتقارير إخبارية بمحافظة الأنبار غربي العراق؛ أن (18) طفلاً توفوا الأسبوع الماضي غرب مدينة (الرمادي) مركز المحافظة، وجميعهم من أسر اضطرت إلى النزوح هربًا من القصف المتواصل الذي تشنه أسلحة الجو التابعة لقوّات الاحتلال الدولي وطيران الجيش الحكومي إلى جانب القصف المتواصل براجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة.
وتوضح المصادر أن نحو (2000) عائلة من القرى التابعة لمنطقة (زويّة) غربي الرمادي اضطروا للهرب من بيوتهم سيرًا على الأقدام باتجاه قضاء (حديثة)، خوفًا من استهداف سيّاراتهم من قبل الطيران المسيّر والمروحي الذي يجوب سماء المنطقة، مبينة أن هذه العائلات كانت تسير لساعات طويلة في العراء دون مأكل أو مشرب، فضلاً عن البرد الشديد وخاصة خلال الليل، ما تسبب بوفاة الأطفال الثمانية عشر وإصابة عشرات آخرين بحالات من الإعياء والإغماء، لافتة إلى أن النساء وكبار السنّ من هذه الأسر ليسوا بحال أفضل من الأطفال.
إن مأساة النازحين لا تقتصر على المأوى والطعام فحسب، بل تشمل أمورًا أخرى كالتعليم والصحة، والأهم من ذلك كله؛ الأمن الذي بات معدومًا بالنسبة للغالبية العظمى من العراقيين وهم داخل بيوتهم وفي مدنهم، فضلاً عمّن اضطر إلى النزوح عنها، وفي ظل هذه التطورات التي تنبئ عن مستقبل مظلم يهدد الأجيال القادمة من العراقيين؛ لم يبق لهذا الشعب المضطهد سوى الانتفاضة الحقيقة والالتحاق بالثورة ودعمها بكل وسيلة ممكنة، ليطهر بلاده من أدران العملية السياسية وبقايا الاحتلال الذي ما يزال حتى اللحظة يعوّل على عملائه في تنفيذ مخططاته التدميرية.
وكالات + الهيئة نت
ج
بين مطرقة النزوح وسندان المجهول.. عراقيون يصارعون الشتاء دون مأوى ولا ما يسد رمقهم
