حاولت الإدارة الأمريكية قبل بداية احتلال قواتها للعراق مطلع عام 2003 أن تقدم الحرب للشعب الأمريكي على أنها ستكون نزهة للجنود الأمريكيين،
و صوّرت الإدارة الأمريكية لجنودها ذهابهم لحرب " تحرير العراق" على أنه أشبه بأن يكون رحلة ترفيهية لهم، فقبل عام كامل من الاجتياح الأمريكي للعراق وتحديدا في ( 13 فبراير 2002 ) قال (كين آدلمان) المساعد السابق لدونالد رامسفيلد في الواشنطن بوست: "أعتقد أن تدمير قوة صدام حسين العسكرية وتحرير العراق سيكون نزهة، و أشبه برقصة زنجية، و سأعرض عليكم أسباب ذلك، أولاً لأنها كانت نزهة في الحرب السابقة، ثانياً لقد أصبحوا أضعف مما قبل، و ثالثاً لقد أصبحنا أكثر قوة، ورابعاً نلعب من أجل الاستمرار".
إلا أنه بمرور الوقت بدأت هذه الصورة تتلاشى شيئاً فشيئاً، و تحوّلت الحرب في عيون الشعب الأمريكي من نزهة ترفيهية إلى مستنقع حقيقي يتعسر النجاة منه!
فبعد خمسة أشهر من بداية الحرب (في أغسطس 2003) نشرت الـ (CNN) تقريراً عن القتلى الأمريكيين في العراق، فذكرت أن عدد الجنود الذين قُتلوا في الفترة من مارس حتى 26 أغسطس حوالي (139) جندياً أمريكياً، و بعد شهر من ذلك في (24 سبتمبر) ارتفع عدد القتلى ليصبح (341) قتيلاً و أكثر من (1600) جريح، و في رمضان الماضي أعلنت الإدارة الأمريكية في (25 أكتوبر 2005) أن عدد القتلى الأمريكيين في العراق قد بلغ الألفين بعد مقتل جنديين لها في الفلوجة على يد المقاومة العراقية، و لاتزال قائمة القتلى في ازدياد مستمر، و لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع أو نقرأ عن وقوع قتلى في صفوف الجيش الأمريكي، و أصبح إعلان الإدارة الأمريكية مقتل بضعة أفراد من قواتها المقاتلة في العراق من الأخبار المعتادة و المألوفة يومياً في وسائل الإعلام.
و الجدير بالذكر أن هذه الأرقام المعلنة لأعداد القتلى هي وفق الروايات الرسمية التي تطلقها الإدارة الأمريكية، و التي يشكك فيها الكثير من المحللين و الراصدين بأنها أقل من الحقيقة الفعلية مما لا يُراد إعلانه.
و قد أجادت الإدارة الأمريكية استغلال الواقع و التاريخ في تدعيم فكرتها عن نزهة الحرب، فقد اعتادت الإدارة الأمريكية في حروبها في العقدين الأخيرين على "الحروب السريعة" التي تقوم على مبدأ "الضرب و الانسحاب" و إعلان النصر بذلك، كما فعلت في حربها الأولى في الخليج، و كما كانت تفعل في غاراتها الجوية على العراق و السودان و أفغانستان طوال سنوات هذه العقود، و كما فعلت في حربها الأولى بعد 11 / 9 على أفغانستان التي انتهت بإسقاط نظام حكم طالبان فيها، كل هذا دعم فرضية "النزهة" على الحروب الأمريكية و تعزيز هذه الفكرة سواء على الصعيد العسكري أو الإعلامي.
و السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تحولت الحرب الأمريكية من نزهة إلى مستنقع؟ أو لماذا تحوّلت من نزهة إلى مستنقع؟ و بغض النظر عن أداة الاستفهام التي يُطرح بها السؤال؛ فهو يمكن طرحه بأي أداة، فمحصلة الإجابة عليه واحدة، و يكاد الجواب عنه أن يكون محصوراً في إجابة مربعة الجوانب.
الجانب الأول: ذهب الجنود الأمريكيون إلى العراق على أنهم محرّرون، و سيجدون ترحيب العراقيين في استقبالهم استقبال المحررين، إلا أنهم وجدوا شعباً يحاربهم، و وجدوا أن الشعب الذي جاؤوا لتحريره من قيود القهر و الطغيان، يحاربهم و يوجه كل ما يمتلكه من سلاح تجاههم.
منذ بداية الحرب تحاول الإدارة الأمريكية أن تلبس هذه الحرب صفة "حرب تحرير"، و تنزع عنها صفة "حرب احتلال"، و جندت وسائل إعلامها لغرس هذه الفكرة في نفوس شعبها و نقلها إلى شعوب العالم، حققت الإدارة الأمريكية اللقطة الأساسية في حرب "تحرير العراق" عندما نقلت في التاسع من أبريل 2003 وسائل الإعلام في العالم أجمع صورة مئات العراقيين- أو هكذا قيل وقتها - وهم يطيحون بتمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في وسط بغداد، و استعان العراقيون بدبابة أمريكية لإسقاطه، و حققت بذلك المشهد الغرض الأساس من الحرب، و بأن ما يرمز إليه من أن القوة العسكرية الأمريكية حررت الشعب العراقي من الطاغية صدام.
لكن هذا الرمز لم يصمد كثيراً؛ فالجنود الذين أُرسلوا على أنهم سيستقبلون كمحررين وجدوا أنفسهم محاطين بشعب يكن لهم العداء بسبب الفظائع الأمريكية بحق أبناء العراق ، و أصبح الخوف و الهلع يسيطر على أغلب الجنود، و أصبحت أصابعهم لا تفارق الزناد، خشية الهجوم المباغت، هذا غير حالات العقد و الانهيار النفسي الذي قد يصل إلى حد الانتحار، و ذابت من نفوس الجنود "الغاية النبيلة" التي أُرسلوا من أجلها، و تبين لهم فيما بعد أنهم ورّطوا في هذه الحرب مما زادهم حنقاً و غضباً على قياداتهم و كراهية لهم.
تحت عنوان "(27) شهراً على الاحتلال الأمريكي. ماذا نفعل في العراق؟" نشرت (لوموند ديبلوماتيك) في عدد (أغسطس 2005) تحقيقاً جاء فيه أن أحد مراسلي شبكة (ABC) قال: إن رقيباً في الجيش قال له سراً: "لدي قائمتي الخاصة بالرجال المطلوبين"، تلميحاً إلى قائمة الحكومة الأمريكية للمطلوبين من نظام صدام، و قال: "الأربعة الأُوَل هم جورج بوش، ديك تشيني، دونالد رامسفيلد، و بول ولفوفيتز".
الجانب الثاني: أن الجيش الأمريكي يقاتل عدواً لا يراه، فالحرب الواقعة بين الجيش الأمريكي و المقاومة العراقية هي من نوع "حرب العصابات" التي لا يحارب فيها الجيش الأمريكي جيشاً نظامياً يسهل نيله أو تعقبه، بل يحارب أعداءً غير مرئيين، مما يصعب مهمته في الوصول لأهدافه، و تزداد الصعوبة حينما يصبح الجنود الأمريكيون أهدافاً سهلة المنال من أعدائه غير المرئيين. فالجيش الأمريكي بجانب أنه يعيش وسط شعب يكن له العداء، فهو محاط أيضاً بأعداء لا يراهم و يجب عليه أن يقاتلهم!
و على الرغم من أن الـ (CIA) حذرت البيت الأبيض قبل بداية الحرب في ( فبراير 2003 ) أن المعارضة المسلحة حتمية بعد الحرب، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تحسب لهذا الأمر حسابه الذي يتوافق مع قدره، مما جعل قواتها تزداد تعثراً في المستنقع!
الجانب الثالث: أن الرأي العام الأمريكي صار غاضباً على الحرب الأمريكية على العراق، كما لم يكن من قبل، ففي بداية الحرب استجاشت الإدارة الأمريكية عواطف الشعب الأمريكي للحرب بحجة القضاء على الإرهاب، و جندت وسائل الإعلام لذلك، و أفلحت في شحذ الرأي العام لصالح تأييد الحرب، و لكن بمرور هذه الأشهر على الاحتلال لم يستطع الرأي العام الأمريكي أن يصمد على ما كان عليه.
ففي استطلاع للرأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في(17 يونيو 2005) بالتعاون مع شبكة (CBS)، جاء فيه أن 51% من الأمريكيين باتوا يعتقدون أن بلادهم قد تورطت في الحرب على العراق، و أنه لم يكن على الولايات المتحدة اجتياح العراق، و أن 59% من الأمريكيين غير موافقين على إدارة بوش للوضع في العراق.
الجانب الرابع: أن الإدارة الأمريكية أخفقت إخفاقاً ذريعاً – بشهادة معظم الخبراء و المحللين من الأمريكيين و غيرهم – في تقدير الأوضاع في العراق أو إصلاحها و تحسينها بعد احتلال بغداد و إسقاط صدام، فالنموذج الديمقراطي التي وعدت أمريكا به لم يتحقق، و الانتخابات العراقية نالت حظها من التزييف و التزوير، و الوضع الاقتصادي المتردي للشعب العراقي الذي وعدت أمريكا بإصلاحه لم يتحسن، بل ازداد سوءاً، و الحكم القهري الذي مارسه النظام على الشعب لعقود، و وعدت الإدارة الأمريكية "بتحريره" منه و من كل آثاره لم يتغير، بل ازداد بصورة أكثر همجية و وحشية عما كان عليه أيام صدام، و لاتزال صور تعذيب المعتقلين في سجن أبي غريب و الاعتقالات التعسفية للعراقيين و مشاهد اقتحام البيوت و الاعتداء على الأهالي و الأعراض و القتل العشوائي تطارد خيالات العراقيين، و الأمان الذي كان يحلم به الشعب العراقي و الذي وعده به الأمريكيون بمجرد إسقاط نظام صدام لم يتحقق، بل أصبح العراقي لا يأمن على نفسه و لا أهله و أصبح ينتظر الموت يأتيه من كل مكان، و يرتقب الموت من عبوة ناسفة أو قنبلة موقوتة أو رصاصات طائشة أو جسد فدائي!
و الخلاصة أن الولايات المتحدة أخفقت في إيجاد " الجنة " التي وعدت بها العراقيين بعد صدام، بل تحوّل العراق على أيديهم إلى جحيم أشد من جحيم صدام، و كان هذا الجحيم بمثابة الدافع الذي ملأ قلوب العراقيين بالمزيد من مشاعر الحقد و الكراهية و الرغبة في الانتقام، فكان ما كان!
و هكذا تحولت الحرب الأمريكية من نزهة إلى مستنقع!، هكذا كلفت الإدارة الأمريكية شعبها آلاف الضحايا، و من بينهم حوالي 3 آلاف جندي قتيل ( حسب آخر تقرير رسمي أمريكي ) في حرب شنتها لدواعي واهية و مستهلكة، و لا تعدو كونها مجرد (أكاذيب سياسية)، كأسلحة الدمار الشامل، و الأسلحة الكيماوية و البيولوجية، و ارتباط صدام بالقاعدة، و إيجاد نموذج عراقي ديمقراطي حر متحضر.
أخيراً، قد يكون عدد الضحايا الأمريكيين في الحرب قليلاً إذا ما قورن بالجانب العراقي، لكن حجم الخسارة الحقيقية هو بلا شك في الجانب الأمريكي، فالعراقيون مستعدون أن يقدموا عشرات الآلاف في سبيل غاية و قضية و هي تحرير بلادهم، و يحتسبون من يفقدونهم شهداء، و لا يعبؤون بالكم المفقود في سبيل هذه الغاية، أما الأمريكيون فمع قلة عدد قتلاهم نسبياً، فالخسارة فادحة، فكل جندي واحد يموت، فقد هلك بلا هدف و بلا قضية يقاتل من أجلها، و بلا غاية نبيلة أو غير نبيلة ... هذا إن لم تكن خسيسة
الاسلام اليوم
أحلام بوش .. ونزهة الحرب الأمريكية !-هاني عبد الله
