بسبب مما يعانيه المصطلح من غموض وتفسيرات شتى، يمضي بعضها لكي يتعامل مع مفردات الواقع دون منهج، ويمضي بعضها الآخر لكي يتشبث بالحلم المعلّق في السماء دون أي قدر من الممارسة الواقعية للتحقق بمفرداته في نسيج الحياة الإسلامية .. وبين هذه وتلك يتأرجح الإنسان المسلم بين الإحساس بالإحباط الذي يقود إلى حافات اليأس والاستسلام، وبين الهروب إلى الأماني والأحلام التي لا تكاد تصنع شيئاً ذا قيمة تاريخية أو حضارية.
بسبب من هذا كله يتحتم علينا جميعاً أن نتريث قليلاً لمراجعة حساباتنا والوصول إلى قدر من الثوابت .. من الجزر المشتركة .. من لغة واضحة محدّدة للتعبير عن مطالب المشروع.
لا ريب أن ثمة محاولات تنظيرية قيمة طُرحت في هذا السياق، ومحاولات تطبيقية أخرى شقت طريقها في واقع الحياة الإسلامية.. ومع ذلك فإن علينا أن نمارس المزيد من الصقل والكشف والتحديد وترتيب الأولويات لكي تكون بمثابة برنامج عمل يجعل المشروع حقيقة واضحة المعالم وأمراً واقعاً، قد يبدأ بخطوة واحدة، ولكنها الخطوة التي تقود إلى قطع رحلة الألف ميل بمشيئة الله ..
وفيما يلي بعض المرئيات الأولية بصدد صياغة المشروع والتعامل معه:
أولاً: مستوى الخطاب
إن المشروع الحضاري يستهدف مستوى حضارياً على وجه التحديد، فهو من ثَمّ ليس محاولة روحية أو شعائرية أو سلوكية أو تربوية أو علمية أو فكرية أو ثقافية أو سياسية أو دعوية أو حركية صرفة وإنما هو هذا كله.
قد تغذي حلقات كهذه بنية المشروع أو تزيده قدرة على التحقق هنا وهناك، ولكنها إذا عملت بمعزل عن بعضها البعض فإنها قد لا تأتي بشيء ( كما حدث عبر القرن ونصف القرن الأخير).
إن المخاطب هنا هو "الأمة" الإسلامية ـ والمشروع يعني إعادة صياغة أمة
بكاملها ـ تعديل وقفتها الجانحة، وبث روح الإبداع والحركة في مواتها لكي تمضي على الطريق الصحيح .. "الصراط" الذي أراده لها كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وممارسات الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
المخاطب هو الأمة التي يُراد لها التحقق بمقاصد الشريعة .. والشهادة على الناس والتاريخ .. وتحويل حياتها إلى تعبير أكثر مقاربة لما يريده الله ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام. وهي ـ بالضرورة ـ مهمة شمولية تنطوي على بعد حضاري، بل إن المشروع الإسلامي منذ لحظات تأسيسه الأولى زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشروع حضاري يستهدف الخروج بالناس من الظلمات إلى النور، وابتعاثهم من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .. ويضع بين أيديهم، بمبادئ الاستخلاف والتسخير والاستعمار، وتحفيز آليات العمل العقلية والحسية والروحية: مفاتيح الإبداع والقوة والفاعلية الحضارية في نهاية الأمر.
على ذلك فإن المشروع الحضاري يتوجه صوب فضاء واسع هو فضاء الأمة الإسلامية على امتدادها في الزمن والمكان .. في التاريخ والجغرافيا .. ويضع نصب عينيه أنه ليس مجرد سعي مرحلي أو حركة متموضعة في بيئة محددة أو لحظة زمنية (وإن كان يبدأ منها) .. وإنما هو نشاط موصول لتحقيق هدف قد يستغرق أجيالاً بكاملها .. لاسيما إذا تذكرنا أن إصلاح حالة خاطئة شديدة التعقيد، أكثر استعصاءً بما لا يُقاس من التأسيس ابتداءً.
إننا هنا إزاء ركام القرون الطوال.. وفي الوقت نفسه إزاء الفراغ المفاجئ، والانكسارات الدرامية التي شهدتها عبر نصف القرن الأخير جلّ المذاهب والمحاولات الوضعية أو الدينية المنحرفة في الساحة الإسلامية وخارجها على السواء.
لكن كيف يتأتى تحويل مطالب المشروع من مستوياته التنظيرية إلى واقع الحياة اليومية الإسلامية لكي ينسج خيوطها بمقاصد شريعة الله ومفرداتها؟
لمّا كان الخطاب يحمل رؤية حضارية فسيكون كل جهد مبذول في الساحة الإسلامية بمثابة رافد سيصب مهما دقّ وضؤل، في المجرى الكبير الذي يمكن أن يتأكد حضوره واتساعه يوماً بعد يوم بقدر ما يصب فيه من جهود، وطاقات، ومحاولات .. شرط أن تتمحور هذه كلها عند هدف واضح محدد هو: أن تستعيد هذه الأمة هويتها الحضارية الضائعة ..
الفعل قائم منذ زمن بعيد قد يمتد لأكثر من قرنين، لكن توظيفه في سياق خطاب حضاري يستهدف مشروعاً يخرج بالأمة من تخلّفها ومعاناتها، ويكسر حلقة السوء المفرغة .. هو المطلوب ..
وهذا هو المطلوب: تجاوز بعثرة الطاقات والخبرات والمعطيات وارتطامها ونفي بعضها البعض الآخر، إلى برنامج عمل يستهدف لمّها وإضافة بعضها إلى بعض وتحقيق أقصى حالات الوفاق بين مفرداتها، وتوجيهها لكي تصب في البؤرة الواحدة أو المجرى الواحد الذي يمضي لتحقيق مطالب المشروع الحضاري، وبالتالي فإن الأولوية التي تفرضها المعادلة تقتضي جهداً مركباً ذا طبقتين:
أولاهما: رسم خارطة عمل قديرة على احتواء كل نشاط إسلامي على مدى عالم الإسلام كلّه، والتنسيق بين مفرداته وجعلها تمضي صوب البؤرة الواحدة.
وثانيهما: تحفيز إرادة العمل والعطاء والإبداع على كل المستويات لإنضاج المزيد من الثمار وإغناء المشروع على مستوى الكم والنوع على السواء.
بمعنى أن أي جهد روحي أو تربوي أو سياسي أو دعوي أو حركي .. أي إضافة علمية أو فكرية أو ثقافية.. أي بحث ينجز أو كتاب يؤلف .. أي مؤسسة تقوم، وأي تجربة أو خبرة تستمد مقوماتها من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يمكن أن تقود جميعها
إلى المطلوب، شرط توفر قيادة فكرية ذات نمط عالٍ من الكفاءة والمرونة والتحرّر من وقر الماضي .. تأخذ على عاتقها مهمة تجميع الطاقات والتنسيق بينها للتحقق بأقصى حالات الوفاق في المعطيات الإسلامية على مدى جغرافية الإسلام.
قد يكون هذا مطلباً صعباً قبالة تحديات التمزّق الفكري والسياسي، وضغوط العزلة والقطيعة، بل الخصومة والعداء التي تحكم علاقات الإسلاميين في العالم.
والجواب يكمن هنا بالذات: إن المشروع البديل بصفته خطاباً حضارياً يهم الأمة كلها، لن يكون بأكثر من حركة في الفراغ ما لم تُحرث الأرض جيداً، وتُنقّى من الدغل والأعشاب الضارة، وتهيأ للزرع الجديد الذي يمكن بما أُتيح له من شروط أن يستوي على سوقه لكي يعجب الزراع.
وعلى ذلك فإن المشروع يقتضي جهداً مزدوجاً ـ ها هنا أيضاً ـ يقوم أولهما على الهدم والنفي ويمضي ثانيهما للبناء والتأكيد.
ثانياً: مطالب اللحظة التاريخية
إن مشروعاً حضارياً يُصاغ في القرن الحادي والعشرين هو غيره في قرن مضى، وأن المعادلة الصعبة تكمن ها هنا: التحقق بالشخصية الإسلامية في مستواها الحضاري قبالة شبكة معقدة من المتغيرات والتأثيرات وعوامل الشد والتحديات؛ وأيضاً قبالة سيل لا ينقطع من المعطيات المتجددة المزدحمة التي تتطلب جواباً "فقهياً" يحفظ على هذه الشخصية ملامحها المتفردة ويعينها على الإخلاص لثوابتها "الشرعية".
إننا عبر لحظتنا التاريخية الراهنة، مدعوون ـ مثلاً ـ لتقديم جواب محدد إزاء جل المفردات القادمة من حضارة الغرب المتفوقة، والتي اقتحمت علينا حياتنا وخبراتنا حتى أبعد نقطة فيها. بمعنى أن صياغة المشروع الإسلامي يتطلب جهداً مزدوجاً ها هنا أيضاً: بناء المعطيات الإسلامية ابتداءً، وقبول أو رفض أو انتقاء مفردات الآخر في ضوء معايير شرعية مرنة وصارمة في الوقت نفسه.
إننا مرغمون على أن ندخل حواراً مع حضارة الآخر. والهروب من المواجهة سيقودنا إلى العزلة والضمور .. كما أن قبول مفردات الآخر سيفقدنا خصائصنا، ولابد من تجاوز الحدّين المذكورين باتجاه صيغة عمل تسعى إلى أكبر قدر من توظيف المعطى الغربي المناسب لمشروعنا الحضاري.
إن أسلمة المعرفة ـ مثلاً ـ هي واحدة من هذه المحاولات: التعامل مع العلم الغربي، أو جوانب منه، بصيغة تضعه في نهاية الأمر في مكانه المناسب من خارطة المنظور الإسلامي للحقائق والنواميس والأشياء.
والاستجابة لمطالب اللحظة التاريخية ضرورية على مستوى آخر، فإن جغرافية عالم الإسلام في أخريات القرن العشرين وبدايات القرن الذي يليه ليست سواء ـ وظروفها التاريخية ليست سواء هي الأخرى ـ والتاريخ كما هو معروف لا يُقاس بالمسطرة والبركال، ولابد إذن من البحث عن مشروع ذي مفاصل مرنة ومتغيرات شتى، تقوم على ثوابت مشتركة .. نعم وبكل تأكيد، ولكنها تقر بالتغاير الذي يسمح لكل بيئة إسلامية أن تختار أسلوب العمل المناسب الذي يخدم قضية النهوض الحضاري، وينسج خيوط المشروع البديل.
فهنالك بيئات قد تصلح للنشاط العلمي أو الفكري ـ أو الثقافي عموماً ـ ولكنها لا تتقبل النشاط التربوي أو الدعوي أو الحركي أو السياسي .. وبيئات أخرى قد تكون مهيئة للعمل المؤسسي وتتأبى على أي نشاط يخرج عن هذا النطاق .. وهكذا.
فإذا استطعنا أن نتقبل هذه الحقيقة التي قد تبدو للوهلة الأولى نقيضة لوحدة المشروع، وأن نحوّلها إلى أداة بناء وإغناء، بمفردات متغايرة تتحرك باتجاه هدف واحد، ووفق
ثوابت موحدة، كنا قد وظفنا ضرورات الاختلاف للتحقق بوحدة (موزاييكية) متناسقة تنطوي في الوقت نفسه على تنوّعها الذي يصعب تجاوزه أو القفز عليه، وتعطيه الفرصة للتحقق في إطار الإسلام، تماماً كما حدث عبر تاريخنا الإسلامي الذي شهد أممية مرنة استطاعت الجماعات والأقوام والشعوب خلالها أن تعبّر عن نفسها وأن تتحقق ذاتياً على المستوى الثقافي، ولكنها ظلت ـ في الوقت نفسه ـ إلا في حالات استثنائية ـ مخلصة في ممارساتها إلى حد كبير، لوحدة الهدف والمصير.
ثالثاً: الأنا والآخر
إننا لا نستطيع أن نقنع الآخر بمشروعنا ما لم نحوّل هذا المشروع من مستوياته التنظيرية إلى واقع نعيشه نحن، ونقتنع بجدواه وضرورته. بمعنى أن علينا لمديات زمنية قد تطول كثيراً ألاّ نتحدث عن تقديم مشروعنا للغربي الحائر قبالة انهيار مذاهبه الشمولية ونظمه وأنساقه الفكرية وفلسفاته وأديانه المحرفة.
إن محاولة كهذه أشبه بقفزة في الفضاء، ولابد أولاً من أن نتقدم بهذا المشروع لذوات أنفسنا قبل أن نتحدث عن مآزق الآخر وحاجته إلى البديل.
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتوجه بخطابه إلى حكام العالم قبل أن يقيم دولة الإسلام، ويمكّن لعقيدتها وشريعتها في الأرض .. ومن ثم فإن رسائله إلى الأباطرة والملوك والأمراء ما كان يمكن أن تمضي إلى هدفها في العصر المكي، إذ لم يكن المشروع الإسلامي قد حقق فرصته التاريخية، بصيغة دولة ذات شريعة تملك القدرة على دعوة الشعوب والحكام خارج جزيرة العرب.
إن عدداً من المتحدثين عن المشروع الحضاري يخلطون الأوراق ويتخيلون وهم يتحدثون عن المشروع أن مهمتهم تقديم مشروعهم هذا ناجزاً للآخرين .. وينسون أنهم هم أنفسهم
لا يعرفون الكثير من مطالب المشروع؛ فضلاً عن كونه لم يدخل مرحلة التنفيذ الشامل بعد ـ وأنه ـ بدلاً من ذلك يتحتم استدعاء كل الطاقات الإسلامية، في شتى مستوياتها، لجعل معطياتها تصب، وفق تصميم مرن مرسوم بعناية، في الهدف المرتجى من أجل البدء بنسج المشروع الذي ينتظره المسلمون أنفسهم، والذي يمثل بالنسبة إليهم، الفرصة أو الخيار الوحيد لأن يجدوا ذاتهم على خارطة العالم.
باختصار .. فإننا لا نستطيع ان نقنع الآخر بمصداقيتنا الحضارية، بل أن نفلت من فلك جاذبيته القاهرة، ما لم نضع لأنفسنا النسق الحضاري الذي يستمد مقوماته من الأسس الإسلامية ويستجيب لمطالب اللحظة التاريخية.
هذه هي مهمتنا الآن، ولربما لفترة زمنية قد تمتد عشرات السنين قبل أن نفكر بتقديم رؤيتنا للآخر الذي تعزله عنا آلاف الجدران، وليس أقلها ثقلاً غياب المشروع نفسه من ساحات الجغرافية والتاريخ، إن تأكيد الذات كان دائماً البداية الصحيحة للحوار مع الآخر.
رابعاً: تأشيرات على منهج العمل
الملاحظات أو المرئيات السابقة كلها قد لا تعني شيئاً على الإطلاق ما لم تتحدد أمام المسلم المعاصر خطط العمل والفرص الواقعية لتحويل مفردات المشروع إلى خبرة متحققة في الزمن والمكان .. إلى حياة تنبض وتنمو وتواصل تجذّرها في الأرض وامتدادها في الآفاق.
إنها عملية نسيج من نوع فريد تسهم في حبك خيوطه أقطاب شتى: الفرد، الجماعة، الشعب، المؤسسة، الدولة، النشاط المعرفي، الفكر والثقافة، فإذا استطاع النسّاجون توظيف هذه الأقطاب جميعاً، أو الجوانب القابلة للأسلمة منها، وهي بالتأكيد كبيرة المساحة غزيرة العطاء، إذا استطاعوا لمّ الجهود المبعثرة وتوجيه الأشعة المنبعثة من هنا وهناك، صوب البؤرة الواحدة، لخدمة المشروع الواحد، فإنهم يكونون قد وضعوا خطواتهم على الطريق الصحيح.
كل صيغ العمل الشعائري، أو التعبدي، أو التربوي، أو الدعوي، أو الحركي، أو السياسي أو الجهادي، أو الفكري، أو الثقافي، أو المعرفي، أو الاجتماعي.. إذا أحسن التعامل معها، وتمّ قبولها بصفتها مفردات صالحة لتغذية المشروع، يمكن أن تعين على الهدف، وأن تسهم في النسيج الشامل.
إن التغاير ها هنا أيضاً يتحتم ألاّ يكون سلاحاً نشهره ضد أنفسنا، بل فرصة جيدة للتوظيف وفق أنساق تكاملية تجعل التعبدي والتربوي والاجتماعي والدعوي والسياسي والجهادي والفكري والمعرفي .. الخ .. تلتقي على صعيد واحد مع تغاير زاوية الرؤية والفعل والانطلاق.
والآن فإن بمقدور المرء في ضوء الملاحظات السابقة أن يضع يديه على منظومة من الممارسات "العملية" التي يمكن أن تعين على نسج الخيوط الأولى في مشروع النهوض أو البديل الحضاري .. ولنتذكر دائماً أنه ليس بديلاً لحضارة الآخر، بغض النظر عن مساوئها وتناقضاتها، وإنمّا لتخلّفنا نحن وحاجتنا الملحة إلى المشروع الذي يضعنا في المكان المناسب من خارطة العالم.
إن الجهد المطلوب ـ وبإيجاز شديد ـ يكمن في المعادلة التالية:
"اختراق الحياة شبه الإسلامية بمفردات إسلامية " وهذا ما حدث ـ بالفعل ـ منذ عقود عديدة، بل ربما منذ اللحظات المبكرة للصدمة الاستعمارية في منتصف القرن الماضي. لكن الجهد ـ في معظم الأحيان ـ كان مرتجلاً مجزوءاً لا يملك منهج عمل محدد ولا بوصلة توجيه تعرف كيف تحدد الهدف وفق مطالب اللحظة التاريخية، ولا يملك كذلك رؤية شمولية تلّم المفردات في أنساق محكمة لكي تكون أكثر قدرة على الفاعلية.
والبداية الصحيحة للاختراق هي بالضرورة بداية فكرية تنطوي على جهد مركب: يمضي أحدهما باتجاه الإصلاح والتقويم وإعادة تعديل الوقفة التاريخية الجانحة، ويسعى الآخر إلى إبداع أو تصميم صيغ جديدة تستجيب للمتغيرات، وتتعامل معها بأقصى درجات المرونة والوعي ..
وسيكون ما يصطلح عليه بعبارة "إعادة فتح باب الاجتهاد" حلقة أساسية في هذا الجهد، بل هي جوهره وحجر الزاوية فيه إذا أردنا الدقة، وما لم يتحقق هذا وفق شروطه المحددة، فإن أي محاولة لإصلاح منهج الفكر لن تأتي بنتيجة.. إن قدرة قياداتنا الإسلامية وهي تنسج الخيوط الأولى لمشروعها الحضاري، هي أن تكون قيادات مجتهدة قديرة على تحكيم "الفقه" في مواجهة المعطيات المتجددة والمتغيرات المزدحمة في الزمن والمكان.
والمشروع والحالة هذه، يتطلب فقهاء مفكرين أو مفكرين متفقهين؛ إذ لا يكفي أن يكون هناك مفكرون لا يملكون آليات الاجتهاد، ولا مجتهدون لا يملكون خبرات العصر المعرفية.
الخندق العميق الذي حفرته قرون الانفصام النكد يجب أن يُردم، والبداية الحقيقية للنهوض لن تكون ما لم يتم اللقاء ثانية بين القطبين.
وبموازاة الجهد الفكري يتحتم ممارسة وتنفيذ شبكة من الأنشطة العملية على مستوى الأفراد والجماعات والمؤسسات والنظم والحكومات، وكلما ازدادت مفردات هذه الأنشطة في النوع والكم أتيح للنسيج أن يزداد مساحة وتجذّراً.
ها هنا أيضاً كان العديد من الحلقات الإسلامية قد بدأ يعمل منذ زمن بعيد، لكنهم في معظم الأحيان ما كانوا يصلون إلى الهدف الذي وضعوه نصب أعينهم، الأمر الذي قاد بعضهم إلى الكف عن العمل، وساق الآخرين إلى حافات اليأس والإحباط، ومضت فئة ثالثة تضرب على غير هدى.
وما كان يعوزهم ـ ببساطة ـ سوى اثنتين:
أولاهما: أن يعطوا لأنشطتهم العملية بطانات فكرية مرسومة بعناية في ضوء الثوابت الشرعية من جهة، ومطالب اللحظة التاريخية وتحدّياتها من جهة أخرى، أي أن يبدؤوا من إصلاح المنهج الفكري، ثم يمضوا في تنفيذ مطالبه على أرض الواقع، وهذا ما لم يتحقق بالشكل المطلوب.
أما ثانيتهما: فهي أن يعملوا مع الحلقات الأخرى على مدى جغرافية عالم الإسلام بمنطق التنسيق والتعاضد والتعاون والتكامل، وهي أمور بدهية طالما أكد عليها كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك فقد أدير لها الظهر، ليس هذا فحسب بل ترك المجال لبدائلها السلبية، كالارتجال والجهد الانفرادي والعزلة والنفي والاصطراع أن تحل محلها .. إن تاريخنا المعاصر هو ـ باختصار ـ تاريخ تفتيت للقوى وهدر للطاقات ما شهدته أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات.
ولحسن الحظ فإن مهندسي المشروع النهضوي أخذوا يدركون، منذ أكثر من عقدين من الزمن، المطالب المشار إليها جيداً، ويدركون معها عوامل التعويق التي وضعت الأمة أو الجماعة في الحلقة المفرغة، فإذا استطاعوا أن يجعلوا هذه الرؤية بقطبيها الفكري والعملي واضحة تماماً قبالة الوعي الإسلامي المعاصر، متحققة بأكبر قدر من الكفاءة في نسيج الحياة اليومية، فإنهم يكونون قد بدأوا البداية الصحيحة التي لابد وأن تصل بهم إلى الهدف المرتجى.
خطوة خطوة وحلقة حلقة، قد يستغرق قطعها أو تنفيذها زمناً طويلاً، لكنها لن تكون ـ بأي حال ـ قفزة في الفضاء، أو دعوة فضفاضة لا تقود إلى شيء .. "بطيء لكنه مؤكد المفعول" كما يقول المثل الإنكليزي.
والسؤال الآن: هو أن الأمة الإسلامية ليست ـ دائماً ـ في حالة تقبل لهذا الجهد الثنائي في أحد جانبيه أو كليهما معاً: الفكر والعمل، بل قد تكون مهيأة ابتداء لوضع العوائق
أمام المحاولة وإحباطها، وهذا صحيح .. وصحيح كذلك أن الحياة الإسلامية على امتدادها في الجغرافيا، وعلى استعدادها الطبيعي لقبول الخبرات الأصيلة وطرد المزيف والدخيل، تنطوي دائماً على مفاصل أو مساحات تسمح بشكل أو آخر في تنفيذ هذه الحلقة أو تلك من حلقات المشروع، ويبقى على القيادات الفكرية أن تكتشف حجم الفرصة المتاحة هنا أو هناك، لتوسيع مساحة النسيج وإحكام حبكه، وهي مهمة ليست هينة، كما أنها ـ مرة أخرى ـ تتطلب أقصى قدر من التنسيق والشمولية وتجاوز الارتجال أو بعثرة الطاقات.
قد يكون من بين الفرص المتاحة: التعاون مع قيادات الطرف الآخر، أو وضعه أمام الأمر الواقع وإرغامه على القبول.. أو العمل بمعزل عنه في الهامش المتاح، وهو بالتأكيد هامش واسع يسمح كما هو ملاحظ عبر العقود الأخيرة، بتنفيذ العديد من المحاولات على المستويين الفكري والعملي.
وعلى الرغم من أن بعض هذه المحاولات تعرّض للوأد بسبب عدم قدرة مهندسيها على الاستمرار حيناً، واستحالة تجاوز العوائق حيناً آخر، وقيام الطرف المضادّ بإحباط المحاولة حيناً ثالثاً .. إلاّ أن حلقات عديدة أخرى مضت تشق طريقها وتزداد تجذّراً وعطاء .. وهي بمجموعها ـ إذا أحسن توظيفها ـ تعين على نسج خيوط المشروع وتأكيده.
علينا دائماً أن نفكر بإعداد البدائل المناسبة لكي تحل محل خبرات لم تعد صالحة لمطالب الزمن أو المكان .. وخبرات أخرى تعرضت للحصار والمصادرة والوأد لهذا السبب أو ذاك.
بدائل تكون جاهزة تماماً للنزول إلى الميدان وملء الفراغ الذي قد تترتب عليه انكسارات واقعية ونفسية، كانت السبب في كثير من الأحيان للتداعيات التي شهدتها الجماعات الإسلامية عبر القرن الأخير.
إن بمقدور المرء أن يتذكر ـ في ختام هذه التأشيرات ـ نقاط الارتكاز التي يمكن الوقوف عليها لتنفيذ بعض حلقات المشروع، والتي أخذت عبر العقدين الأخيرين بوجه الخصوص تتلقى ـ فعلاً ـ روافد العطاء فتزداد بفضل الله تدفقاً، ولكن، مرة ثالثة ورابعة، تبقى الحاجة قائمة إلى اعتماد الصيغ التي تجعل هذه الروافد تتجمع إلى بعضها لكي تصب في الهدف الواحد .. الذي هو في نهاية الأمر هدف حضاري.
هناك ـ على سبيل المثال ـ الأداء الفكري (على مستوى الدورية، الكتاب، العمل الموسوعي، المدرسة، الجامعة، المعهد، الندوة، الملتقى، المؤتمر ..).
الأداء العلمي (على مستوى البحث، الدراسة، الكشف والاختراع ..). الأداء الاجتماعي (على مستوى المنظمة الخيرية، المؤسسات الخدمية أو المالية أو الاقتصادية ..).
الأداء الإعلامي (على مستوى الصحيفة، المسرح، السينما، الإذاعة، التلفاز، الفيديو، الكاسيت ..).
هناك أيضاً الأداء التربوي أو الدعوي أو السياسي بحلقاته وآلياته كافة. هناك ـ فضلاً عن هذا كله ـ إمكان توظيف الفرص والإمكانات التي وضعها هذا الدين بين يدي المنتمين إليه فيما لم يضعه دين أو مذهب آخر في الأرض: ( المسجد .. المنبر .. الحج .. الزكاة .. الصدقات .. الأوقاف .. الخ ). وهي جميعاً ـ إذا أُحسن التعامل معها لتحفيز عطائها ولو في حدوده المتاحة ـ وليست القصوى، فإن بمقدورها أن تفعل الأفاعيل، وأن تعين على نسج حلقات المشروع النهضوي، شرط أن تتهيأ قيادات كفؤة تعرف كيف توظف الفرص جميعاً بأكبر قدر من التناغم والانسجام بين مقاصد الشريعة ومطالب اللحظة التاريخية .. قيادات يصير فيها الفقيه مفكراً والمفكر فقيهاً، وتتلقى الحياة الإسلامية الضائعة على أيديها ما يعينها على المضيّ إلى هدفها بأكبر قدر ممكن من ضمانات المسير.
في المشروع الحضاري الإسلامي - أ. د. عماد الدين خليل
