تتواصل معاناة العراقيين يومًا بعد يوم، نتيجة ما يقاسونه من شظف العيش والفقر والحرمان والافتقار للحدود الدنيا من مقومات الحياة المدنية؛ جرّاء تبعات مشاريع الاحتلال والعملية السياسية التي نجمت عنها حكومات أهلكت الحرث والنسل، في بلد يُعد من ذوي المراكز الأولى عالميًا على صعيد الثروات والموارد.
ومن صور هذه المأساة؛ ما يعانيه النازحون والمهجّرون من ديارهم ومدنهم إمّا بسبب القصف الجوي والمدفعي الذي يطالهم من قبل القوّات الحكومية؛ أو بسبب حملات التهجير الطائفي التي تمارسها الميليشات المرتبطة بالأحزاب السياسية التي تشكلت منها الحكومة الحالية أو الحكومات التي سبقتها؛ فقد أكّدت تقارير إخبارية استندت إلى معلومات مصادر مطلعة؛ أن القوّات الحكومية والميليشيات المرتبطة بها تلاحق النازحين والمهجّرين في المدن التي آووا إليها وخاصة العاصمة بغداد، وتضيق عليهم لأسباب تتوارى خلفها دوافع طائفية.
ويشير استطلاع أجراه الصحفي (مصطفى العبيدي) ونشرته مؤخرًا صحيفة (القدس العربي)؛ إلى أن النازحين الذين انتهى بهم المطاف في العاصمة بغداد يواجهون مشكلة معقدة في إيجاد سكن أو مأوى بسبب التضييق الذي تمارسه عليهم الأجهزة الحكومية والميليشيات، واستشهد التقرير بروايات عديدة من أصحاب البيوت ومكاتب تأجير العقارات في بغداد أكّدوا فيها أن الميليشيات الطائفية وأفراد ما تسمّى "الشرطة الاتحادية"؛ أبلغوهم بعدم تأجير الدور الشاغرة للنازحين الهاربين من مناطق القتال.
وفي هذا السياق يقول المواطن (علي الحلي) وهو من سكان (حي الرسالة) ببغداد؛ إن الميليشيات المنتشرة في منطقتهم جاءته الى بيته وأبلغته بعدم السماح له بتأجير البيت الشاغر العائد له في المنطقة إلى العائلات النازحة، مؤكدًا أن أفراد هذه الميليشيات شدّدوا في منع إيواء النازحين من محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين على وجه الخصوص، مُهدّدين إيّاه في حال عدم الامتثال لهذا الأمر بالطرد من المنطقة أو القتل إذا لزم ذلك.
وفي منطقة (العامرية) غربي العاصمة، يقول المواطن (عامر السعدي)؛ إن الشرطة الحكومية وجهاز الاستخبارات العائد لها، تواصل عمليات التفتيش والتدقيق في جميع بيوت المنطقة، مشيرًا إلى أن هذه الحملات تضمنت السؤال عن أفراد العائلات وتدقيق أوراقهم الثبوتية للتأكد مما إذا كان بينهم نازحون من المحافظات المذكورة آنفًا.. ويؤكد السعدي أن دوريات القوّات الحكومية تطالب بشكل دائم بسند الدار وبطاقات هويّات الأحوال المدنية للعائلة وإجراء مقارنات مطوّلة بين الأسماء الموجودة في الهويات والأشخاص الذين يقطنون المنزل، ويذكر في هذا الصدد أنه وقع في مشكلة مع الأجهزة الحكومية لأنه يستضيف في منزله عائلة شقيقه النازحة من محافظة ديالى بسبب المشاكل الطائفية والمعارك هناك، مبينًا أن أفراد القوّات الحكومية رفضوا وجودهم في المنطقة وأجروا تحقيقات مطولة مع أخيه بعد الاطلاع على أوراقه الرسمية، ومن مظاهر هذه التحقيقات؛ سؤالهم عن أسباب وجوده في بغداد وعن عمله وطائفته ومدة بقائه معه.
وعلى ما يبدو فإن هذا الأمر يتعدى كونه إجراءً احترازيًا كما تزعم مصادر الأجهزة الحكومية؛ فقد أكّد السعدي أنه تلقى تبليغات من هذه القوّات بأنه يتعين عليه إبلاغها عن وجود أي نازحين في بيته مع تحمله للمسؤولية عن أي تصرف "يثير الشك" يصدر عن شقيقه؛ حسب تعبيرها، الأمر الذي جعل أخاه يضطر إلى الذهاب للسكن مع عائلة أخرى من الأقارب.
ولا تقتصر تلك المضايقات والإجراءات التعسفية على العوائل النازحة أو الأفراد، بل يشمل أيضًا مكاتب العقارات؛ إذا يؤكد (محمود الدليمي) وهو صاحب مكتب في منطقة (الغزالية) غربي بغداد؛ وجود عدة بيوت شاغرة للإيجار في مكتبه ويراجعه كل يوم العديد من العائلات الهاربة من المناطق الساخنة بحثًا عن بيوت يستأجرونها لتؤويهم، ولكنه لا يستطيع تأجيرها لهم رغم حالتهم الإنسانية الصعبة وحاجتهم الماسة لها، بسبب تهديد الأجهزة الحكومية والميليشيات له من سوء العاقبة في حال سمح لهم باستئجار منزل.
ويضرب الدليمي في هذا السياق مثالاً بحالة عائلة نازحة من مدينة الموصل مكونة من رجل مسن وزوجته وثلاث بنات، ويؤكد أنهم بعدما جاءوا إليه بحثًا عن بيت؛ جلسوا على الأرض إعياءً من التعب، حتّى أنهم بقوا على هذه الحالة حتى مجيء الليل دون أن يجدوا مسكنًا للإيجار حتّى لو كان هيكلاً غير مكتمل البناء، مشيرًا إلى أنه تأثر لحالهم وأخذهم للسكن في أحد البيوت الشاغرة للبقاء في تلك الليلة فقط، واضطر أن يشترط عليهم المغادرة في اليوم التالي الذي ما أن طلع نهاره حتى توارت هذه العائلة دون معرفة مصيرها.
كما تحدث التقرير عن شهادات أخرى تبين حجم المعاناة والحالة المأساوية التي تعصف بالنازحين والمهجرين؛ إذ ينقل شهادة أحدهم وهو من محافظة صلاح الدين ـ دون أن يذكر اسمه ـ أنه هرب مع عائلته من قضاء (بيجي)الذي يتعرض لقصف يومي بالطائرات؛ وحاول الذهاب الى مدينة (كركوك) مركز محافظة التأميم؛ لكن السلطات الحكومية في المدينة رفضوا السماح له بدخولها، ما اضطره وأسرته إلى التوجه نحو بغداد في رحلة شاقة وطويلة نظرًا لانقطاع الطرق الرئيسة بين المحافظات، ويؤكد أنه راجع جمعية الهلال الأحمر ووزارة الهجرة الحالية، ولكن دون فائدة، ما دفعه الى البحث عن سكن للإيجار فواجه صعوبات بالغة قبل أن يجد غرفة على سطح بيت، أقنع صاحبها وبصعوبة لكي يسكن معه بعد إبلاغ الجهات الحكومية في المنقطة وتقديم تعهد بتحمل المسؤولية.
وحيث أن مشهد مآسي المهجرين لا ينحصر بالنماذج المذكورة آنفًا؛ فإن مئات العائلات تسكن في خيم ضمن مجمعات على مشارف مدينة أربيل شمالي العراق، وقد كشفت التقارير أن هذه المجمعات غير صالحة للسكن، كونها تفتقر للحد الأدنى من معايير العيش ولوازمه، وقد كشف هطول الأمطار عليها عن معاناة إضافية تزيد من أوجاع هذا الكم الهائل من الناس الذين يتحدث واقع حالهم عن أن حقوق الإنسان وأسس الدولة المدنية ما هي إلا أكذوبة تلوكها الحكومة والجهات المسؤولة الأخرى المرتبطة بها.
وهكذا باتت حياة المواطن العراقي على شفا الموت، نتيجة تفاقم المعاناة وتكالب المآسي المتلاحقة عليه، منذ أن دنس الاحتلال أرضه قبل إحدى عشرة سنة وحتى الآن، وزاد من ذلك حجم الفساد المالي والإداري والمهني الذي يحيط بكافة المؤسسات الحكومية ما جعل مفاصل الدولة العراقية وبناها التحتية تعاني من دمار وخراب، وفوق ذلك؛ صار الشعب العراقي في غياهب النسيان بعدما صمت العالم كله عن النطق للمطالبة بحقوقه وتكاثرت الغشاوة على أعين المنظمات الأممية وتلك التي تدّعي رعايتها لحقوق الإنسان.
وكالات + الهيئة نت
ج
في إطار مآسيهم المستمرة.. النازحون والمهجرون يعانون من ملاحقة القوّات الحكومية والميليشيات الطائفية
