ربما قيل ما سأقول ولكني أريد اليوم إضافة وصف جديد وتحليل مستوحى من ورائيات القرارات ودوافع التحركات لكلا الطرفين الرئيسيين واللاعبين الفعليين، طهران وادارة الاحتلال الأمريكي على أرض العراق وبمقدرات أبنائه.
بداية هل فعلا انتهى الاحتلال وهل يمكن تسمية الحكومات المتعاقبة انها ذات سيادة وصاحبة قرار؟ وإلام يستند القرار الحكومي في الرفض والقبول لهذا القرار أو ذاك؟ هل فعلا ان حكومة مثل حكومة العبادي التي ولدت بعد مخاض عسير وبتدخل فعلي من قابلتين متمرستين هما ايران والولايات المتحدة قادرة على رفض تسليح العشائر التي تدعي أمريكا السعي لتسريعه؟
هذه الأسئلة وغيرها كثير يمكن الإجابة عليها إذا استطعنا الانسلاخ من تفاصيل المتاهة التي يحرص الطرفان على تعقيدها، وبنظرة للمشهد الميداني والسياسي في العراق يتبين لنا ان ليس كل ما يدور في الإعلام هو انعكاس حقيقي لما يدور في أروقة الميدانين السياسي والعسكري، فلا الحكومات ذات سيادة ولا الاحتلال بسحب جنوده يعني انتهاءه.
استطاعت أمريكا المحافظة على خارطة البناء السياسي للعملية السياسية الجارية في العراق منذ مجيء بريمر سيء الصيت وحتى اليوم فالمحاصصة بنكهتها المزدوجة (الطائفية والعرقية)سيدة الاتفاقات ناهيك عن فسح مجال المزاحمة والتدافع في هذه الساحة لأسباب منها أنها توحي كذبا أن عملية حقيقية تجري على الأرض ومنها أنها تعطي الحافز للمتصارعين لمزيد من التفاعل مع مخططات الطرفين المتقاسمين مشهد الصراع في العراق.
أما إيران التي لعبت على كل الحبال فهي التي تنادي بعداء أمريكا لكنها كانت أول من اعترف بمجلس الحكم وهو الذي لايكاد يصلح أن يكون مسرحا للدمى لكنها اعترفت به وقدمت له الدعم فهل كان ذلك من أجل العراق؟ أم انها استراتيجية ايرانية تريد استثماره فيما بعد.
وقد كان لها ذلك بالتراضي مع أمريكا حيث دعمت أزلامها ومن يمثل مخططها بقوة السلاح والرجال والمال لتثمر أشواكها هذه ثمرات مسمومة قادرة على التفريخ بحسب معطيات الساحة، فهي المسؤولة عن إغتيال الكفاءات العراقية لتفريغ العراق من العقول ولفسح المجال للفتنة الطائفية التي ترقص على أنغامها وهي تصدر ثورتها لتتمدد هنا وهناك ، وهذا ما تحقق لها بعد هذه الخطوة بأن جعلت العراق في عهد المالكي منصة للانطلاق الإقليمي فاقت بقدرتها ماكانت تأمله في حضانتها ورعايتها لحزب الله في لبنان بل وما كانت تعد له عبر عقود في التغلغل بالجسد السوري؛ ومن هنا فان كلا اللاعبين أمريكا وطهران يتدافعان ويتزاحمان في إطار الخطوط المرسومة بعناية لايتجاوزها أحد.
لكن من بين زوايا المشهد يطل الدور الكردي الذي ينتمي بكلياته للأمريكان لكن خيطا يوشح هذا الثوب الكردي من صناعة إيرانية عصي على الانسلات ومن هنا نتبين عمق التداخل في ثياب اللاعبين على الساحة ويعطي تصورا للمراقب ان نسيج المخطط مشترك بين طرفين ربما غير متكافئين لكن المرحلة تقتضي ذلك.
الأحزاب الشيعية في غالبها ذات هوى ايراني ولا ترى بأسا في وصمها بذلك، بل هي تدافع وتنافح بكل قوة عن وجهتها لا تتوارى خلف طروحات وطنية أو مايبرر دفاعها، فالجعفري وفالح الفياض والأديب وعمار الحكيم وغيرهم مما يمكن ان يعدوا من دعائم المشروع الايراني في العراق يطرحون وجهة النظر الايرانية ولايلتفتون الى من يعارض ذلك من شركائهم ممن ينتمون للساحة الأمريكية التي تتصف بطروحات استحكام الأمر للأمريكان، وان تغول إيران عارض سرعان ما يزول بعد استبباب ما أطلقوا عليه الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
وهذا متناقض مع أساسيات الديمقراطية في العالم كله فضلا عن رفضها في الداخل الأمريكي الراعي الرسمي لهذه الديمقراطية الشوهاء فالمحاصصة الطائفية والتجمعات العرقية وابتعاث الأقليات والتغني بمظلومياتها لايتناسب مع طروحات الدولة الديمقراطية ولا الدولة المدنية التي يلهجون بذكرها ليل نهار.
تناطح المخططات وتقاطعاتها على الأرض العراقية ينعكس على المواطن العراقي حصرا دون غيره بتوزيع للظلم يختلف من مكون لآخر في سبيل إدامة الزخم الطائفي يعاونهم في ذلك جهلة مارقون يرددون ما يبثه السياسي المنتمي لأحد الفريقين دون أن يكون له انجاز يذكر، فهو يعيش شظف العيش بلا سكن بلا أمن بلا مستشفيات بلا طرق معبدة بلا مدارس لأولاده شغله الشاغل تشجيع أحدهما وكأنه في ملعب لمصارعة الثيران والفارق هنا في هذه اللعبة أن حركة الثيران تستهدف جمهور المؤيدين والرافضين على حد سواء ومما تؤديه تدمير كامل لأرض الملعب،وهذا ما يحدث في العراق تماما مصارعة بين متناطحين والمتضرر العراق بكامل تفاصيله أرضا وشعبا.
ليس لي أن أحجب من المشهد مسارا رافضا لكل ما يجري على الساحة من مخططات نادى بها منذ أكثر من عقد بان الاحتلال لن يبني بلدا وان من جاء مع المحتل لن يكون حريصا على حفظ أمنه وموارده ،رفض هذا المسار العملية السياسية برمتها لانها بنيت كما رأى ورأينا على أساس غير عراقي يفضي الى التقسيم والتجزئة وهذا ما نشهده من خلال التحركات المرصودة لجميع اللاعبين المنتمين الى هذا المعسكر أو ذاك؛.
هذه الطروحات ولدت بتراكم الفشل الذي انتجته العملية السياسية في جميع ميادينها حركة رافضة يراد لها اليوم من خلال التحالف الدولي بهدفه المعلن بمحاربة الارهاب ان تضمحل وتتلاشى باستهداف المدنيين الامنين قتلا بالبراميل المتفجرة وقصفا بالطائرات وتهجيرا الى مناطق غير مناطقهم بل وملاحقتهم بالفساد المستشري في أركان هذه المؤسسات بسرقة الأموال المخصصة لابقائهم على قيد الحياة.
ولكي لا تكون الصورة معتمة فان ثمة وعيا لدى العراقيين جميعا، يمثل الضوء في نهاية النفق ويقضي بنفض اليد من هؤلاء الساسة وان بتفاوت الرؤية في الخلاص من هذا الواقع المرير.
لكن الناظر المتفحص للساحة العراقية يؤشر بوضوح على اللاعبين بمقدرات العراق من جماعة ايران وجماعة أمريكا وما بينهما من لاعبين يتناوبون بحسب المصالح لكنهم جميعا في النهاية أدوات المشروع الأمريكي في المنطقة الذي يتخلله تفاهمات إقليمية وتنازع دولي لإعادة رسم المنطقة بما يراد لها؛ وان كل ماحدث خلال أكثر من عقد من سفك للدماء وتدمير للبلاد ونهب للأموال وتخريب للعراق على وجه الخصوص ما هو إلا مقدمة لمشروع تقسيمي تهديمي أكبر يستهدف المنطقة وبأموال أهلها ومساندة بعض أبنائها بالاستناد الى قوى الشر في الشرق والغرب لكن المؤلم هو من يؤيدهم ويعد ذلك نضالا.
المصارعة المقيدة بين واشنطن وطهران على أرض العراق / حارث الأزدي
