يعيش نحو ثلاثة ملايين و (500) ألف طفل عراقي منذ الغزو الهمجي والاحتلال الغاشم الذي قادته الادارة الامريكية عام 2003، في فقر وفاقة كما يتحملون عبء نظام الرعاية الصحية المتعثر، نتيجة
سوء إدارة حكومات الاحتلال المتعاقبة، كما يبدو المستقبل قاتمًا لملايين الاطفال المحرومين من حقهم في صحة جيدة وطفولة آمنة، مع استمرار الاضطرابات السياسية التي يعيشها هذا البلد الجريح.
واوضحت منظمة دولية غير حكومية ان تراجع العراق في مجال الطفولة بدأ مع الحرب العبثية التي قادتها الادارة الامريكية عام 1991 وما تلاها من حصار جائر دام اكثر من (12) عاما، عانى العراقيين خلالها من نقص حاد في المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية والكهرباء، ولم يتمكن الأطباء من الوصول إلى التطورات الطبية الدولية المتسارعة.
ونسبت الانباء الصحفية التي سلطت الاضواء على هذه المعضلة الكبيرة الى (جوان بيكر) المنسقة لدى منظمة (الأطفال ضحايا الحرب) غير الحكومية قولها في تقرير نشر مؤخرا: "مع مرور الوقت الذي غزت فيه القوات التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق عام 2003، بدا نظام الرعاية الصحية الذي كان رائدا قبل الغزو، يتداعى بالفعل، وكان الأطفال على وجه الخصوص يعانون العواقب الوخيمة للانهيار.
واشارت (بيكر) الى ان أكثر من (35) ألف طفل عراقي يموتون كل عام، وان واحدًا من كل أربعة اطفال دون الخامسة من العمر يعاني إعاقة في التطور الجسدي والذهني بسبب سوء التغذية المزمن، كما وصل معدل وفيات الاطفال الرضع خلال السنوات التي تلت الاحتلال الى (28) حالة لكل ألف مولود حي، ومعدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة (34) لكل ألف طفل.
واكد التقرير ان هجرة الأطباء الجماعية كانت من أكثر التركات الكارثية للحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق بين عامي (2003 و 2011)، حيث دفعت مغادرة الاف الاطباء ولا سيما المتخصصون منهم، نظام الرعاية الصحية المتداعي إلى حافة الانهيار.
ونسب التقرير الى (نبيل الخالصي) ـ الذي كان يبحث في هجرة العقول الطبية العراقية وآثارها منذ فراره من بغداد إلى امريكا عام 2010 ـ قوله: ان ممارسة الطبيب لعمله في الظروف الصعبة التي كان وما زال يعيشها العراق تعني المخاطرة بحياته، بعد ان أصبحت التهديدات والاعتداءات وعمليات الخطف والقتل مألوفة" .. مشيرا الى انه تم اغتيال الفي طبيب واختطاف (250)، وفرار نحو (20) ألف منذ عام 2003، في الوقت الذي لا يزال فيه العديد من الأطباء يتلقون تهديدات وسط استمرار العنف الطائفي الذي يشهده العراق.
واضاف (الخالصي): "لقد خسر العراق 50% من قواه الطبية العاملة خلال الفترة الواقعة بين عامي (2007 و2008)، ولا يزال يفتقر إلى العدد الكافي من الأطباءالذين يغادرونه فور تخرجهم إلى دول الجوار أو الغرب؛ بسبب انعدام الأمن وحجم أعباء العمل الذي لا يصدق" .. مؤكدا إن العراق يدفع الأطباء بعيدًا عنه في الوقت الذي يجذبهم العالم إليه.
واشار التقرير الى ان أطفال العراق هم الذين دفعوا ثمن نقص الأطباء؛ حيث انخفضت معدلات تحصين الأطفال بنسبة 20%، كما لا يتلقى سوى نصف الأطفال ـ الذين تتراوح اعمارهم بين (18 و29 ) شهرًا ـ التطعيمات التي يُفترض أن يتلقوها، ما أدى ذلك إلى عودة الامراض التي يمكن الوقاية منها، كشلل الأطفال ـ الذي اعلن العراق عام 2000 خلوه من هذا المرض الخطير تماما ـ والتهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال اللذين يُعدان من أكبر الأمراض القاتلة للأطفال في هذا البلد.
من جهتها كشفت الدكتورة (سعاد العزاوي) - الأستاذ المشارك في جامعة المأمون الخاصة للعلوم والتكنولوجيا - في البحث الذي أجرته بهذا المجال، النقاب عن ان استخدام اليورانيوم المنضب (DU) في العراق، ساهم بشكل كبير في زيادة العيوب الخلقية لدى حديثي الولادة، ولوكيميا الأطفال والأورام الخبيثة، اضافة الى بعض أنواع السرطان التي لم تكن موجودة في العراق قبل عام 1991 .. مؤكدة ان الأطفال بشكل خاص معرضون لمخاطر اليورانيوم المنضب، الذي يترسب في العظام، وأعضاء الجسم وخلاياه؛ وذلك لأن خلاياهم تنقسم بسرعة أثناء النمو.
ونقل التقرير عن منظمة الطفولة (اليونسيف) قولها: "ان الألغام الأرضية والذخائر والقنابل العنقودية غير المنفجرة المنتشرة في العراق ـ الذي يُعد واحدا من اكثر بلدان العالم يحتوي على الألغام الأرضية ـ ما زالت تشكل تهديدًا مباشرا للأطفال الذين قتل المئات منهم نتيجة تعرضهم لهذه الانفجارات التي اصبحت تؤثر على عمل ومهام نحو مليون عراقي، كما جعلت حياتهم اليومية محفوفة بالمخاطر.
واشارت (اليونيسف) إلى أن نصف النازحين داخل العرق بسبب الاوضاع الامنية المتردية ولا سيما في المحافظات الساخنة والبالغ عددهم نحو مليونين و (300) ألف شخص، هم من الأطفال الذين يعيشون ظروفا معيشية صعبة للغاية بسبب النقص الحاد في التغذية وقلة فرص الحصول على خدمات الرعاية الصحية من انتشار الأمراض وتفاقم الحالات الصحية المزمنة، كما ادى شُح المياه الصالحة للشرب إلى ارتفاع معدلات الأمراض المعوية والجلدية بين الأطفال النازحين.
وازاء ما تقدم، فإن العراق لن يتسنى له اللاحاق بركب دول العالم من حيث التعليم الطبي، وسيظل أطفاله يعانون من تردي نظام الرعاية الصحية الذي يفتقر الى المهارات والموارد، اضافة الى الاستراتيجية الصحية الضعيفة، لان وزارة الصحة في الحكومات المتعاقبة لم تلحق حتى الآن بركب التغيرات الوبائية والديموغرافية الرئيسية التي مربها هذا البلد الجريح، ولذلك سيبقى مستقبل أطفاله في خطر ما دام المسؤولون في حكومات الاحتلال المقيت لا يعيرون أدنى اهتمام للرعاية الصحية، ولا يهمهم سوى تحقيق مصالحهم الخاصة وملء جيبوبهم من السحت الحرام على حساب معاناة الشعب العراقي المظلوم الذي يكابد شظف العيش في بلد ما زال يمتلك ثاني اكبر احتياطي نفطي بالعالم.
وكالات + الهيئة نت
ح
بسبب سوء ادارة حكومات الاحتلال المتعاقبة .. أطفال العراق يكابدون نظامًا صحيًّا فاشلا
