لا تسأل عن السفارة الأمريكية فى بغداد.. فذلك سر من الأسرار، بصورة رسمية.
ولكن من العسير إخفاء المجمع الذى يجرى بناؤه على مساحة 104 فدادين،
والذى يرتفع الآن على ضفاف نهر دجلة. وكل من يحرص على معرفة ما يجري، يمكنه أن يشاهد دون مشقة رافعات البناء الأربع العملاقة، التى تشمخ فوق النهر فى أضخم مشروع من نوعه تنفذه الولايات المتحدة - كرمز للحضور الأمريكى الذى سوف يستمر موغلا فى الآتى من الزمن.
وعندما يستكمل بناء المجمع فى شهر يونيو-حزيران 2007 - وهو التاريخ المقرر حسب روزنامة ثابتة ومقررة سلفا -خلافا لمعظم مشاريع البناء الأخرى فى العراق التى تخطط وتنفق عليها الأموال ولا تنفذ- فإنه سوف يصبح عبارة عن واحة أمريكية فى "المنطقة الخضراء" الشديدة التحصين، بعيدا عن الخوف وفقدان الخدمات اللذين تعانى منهما بقية العاصمة بغداد. ومن ضمن الإحدى وعشرين بناية، سوف يكون هناك مركز للاستجمام ينافس أيا من أمثاله فى الولايات المتحدة، وتتوفر فيه، من بين مرافق أخري، حوض للسباحة، وساحة لرياضة الجمباز، وفناء واسع لمقاصف الطعام، وصالون للتجميل، وفضاء فسيح للترفيه يطلق عليه اسم النادى الأمريكي.
وبغداد لا يمكنها الحصول يوميا إلا على القليل من الماء الصالح للشراب، وبضع ساعات فقط من النور الكهربائي؛ ولكن مجمّع السفارة سوف يتوفر على مرافقه الخاصة لمعالجة المياه، ومولّده الخاص للكهرباء... وهذا ما جاء على لسان آندى فيشر، وهو ملحق صحافى بمكتب السيناتور ريتشارد لوغر، -جمهورى من ولاية إنديانا- - ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس.
وقد منح عقد البناء للشركة الكويتية العامة للتجارة والمقاولات، وهى الأولى فى مجال المناولة مع شركة كيلوغ هاليبرتن، ومع براون آند روت، وذلك بقيمة 592 مليون دولار. وفى ديسمبر-كانون الأول، كانت "الشركة الكويتية" قد تسلمت مبلغ 483 مليونا منها.
ولا تزال الشركة حديثة العهد نسبيا بعالم البناء، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بتشييد سفارة كهذه؛ وقد وجهت إليها انتقادات بشأن معاملتها للعمال الآسيويين، وينصب الانتقاد على أنه جرى استقدامهم من أجل انخفاض أجورهم، وقبولهم العمل فى ظروف قاسية. ويعيش 900 منهم فى موقع البناء، وفقا لتقرير أعدته لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، والتى تتولى مسؤولية الإشراف على المشروع باسم الكونغرس.
ولكن أشياء أخرى قليلة يمكن جمعها حول المجمع الفسيح الأرجاء، والذى سيظل قائما على أحد العقارات الأثيرة فى وسط بغداد، وسيشد إليه، عند الانتهاء من إنجازه - نظر كل من يقف على الضفة الأخرى من النهر.
والمسؤولون الأمريكيون فى العراق يتقبلون الأسئلة عن الموقع بشيء من الاقتضاب، يقرب من التأفف والامتعاض. وتجرى إحالة الصحافيين إلى وزارة الخارجية فى واشنطن، والتى لا تزال تمتنع عن الجواب لأسباب أمنية.
أما القيام بجولة فى الموقع، فيبدو أمرا غير وارد، ولم يتلق أى أحد ممن طلبوا ذلك، أى رد رسمى فى الغرض.
أما المصورون، فإنهم تعبوا وأصابهم القرف جراء عجزهم عن الوصول إلى الموقع والتقاط صور مباشرة له، واضطروا إلى القيام بذلك عن بعد من بنايات أخري، وحتى من داخل سيارات.
وإجراءات الأمن أصبحت بالفعل مشددة فى المنطقة بسبب الساسة العراقيين من التابعين لقوات الاحتلال والدبلوماسيين الذين تؤويهم المنطقة الخضراء، وهى قطعة من أرض بغداد لا تزيد مساحتها على 5.6 أميال مربعة، وتحيط بها أسوار ملغمة ويحرسها جنود من القناصة والرماة المهرة. وقد صار العراقيون يخشون حتى من النظر طويلا إلى الموقع ولو عبر النهر، لما قد ينجر عنه من عواقب غير محمودة.
وقد كان فيشر، الملحق الصحافى للسيناتور لوغر، هو الشخص الوحيد الذى بوسعه الحديث عن السفارة التى يجرى بناؤها الآن على قدم وساق.
فتعليقا على ضخامة حجم المركّب، قال فيشر: "كانت الفكرة المسبقة دائما هى أن يكون للولايات المتحدة حضور دبلوماسى كبير فى العراق".
وبالنسبة للاعتمادات المالية للمشروع، فإنه تمت المصادقة عليها كجزء من موازنة طوارئ خصصت لأمن السفارة وبنائها وصيانتها، وليس كبند فى المخصصات المرصودة لإعادة إعمار العراق، والبالغة 18.4 مليار دولار...
ومشروع البناء يظل اكبر من أى مشروع لبناء سفارة أمريكية تقام على أرض أجنبية.
وفى 2004، ذكر "مكتب عمليات البناء فيما وراء البحار"، أن السفارة الأمريكية فى الصين كانت هى المشروع الأضخم لبناء سفارة، ولكن بمساحة 10 فدادين وخمس بنايات فقط، ولا يجوز أى نوع من المقارنة بينه وبين ما يجرى هنا -فى بغداد-.
والشيء نفسه يمكن أن يقال عما تم إنجازه مؤخرا فى ييريفان بأرمينيا، بتكلفة بلغت 80 مليون دولار، ويمسح 22 فدانا، ولكنه يشتمل على ثلاثة مبان لا غير.
وفضلا عن المسائل الأمنية، فإنه ليس سرا أن تكون هناك حاجة لسفارة فخمة باذخة فى بغداد. وتلقى وزارة الخارجية صعوبة متزايدة فى إقناع الناس بالعمل كموظفين بالسفارة هنا، مثلما يذكر تقرير لجنة العلاقات الخارجية.
فالمنصب يحتاج إلى أشخاص من ذوى المعرفة باللغات والخبرة، وهو ما يصعب العثور عليه؛ والأمريكيون لا يستطيعون جلب عائلاتهم إلى هنا. فأعمال الاختطاف والعنف من شأنها جعل الأمريكيين محشورين داخل مجمع السفارة الذى يظل أى ابتعاد عنه، من قبيل المجازفة غير المأمونة العواقب.
أما الموظفون العاملون حاليا بالسفارة، وعددهم زهاء 1000 أمريكى - فإنهم يقيمون فى بيوت من نوع العربات المجرورة بالمنطقة الخضراء، ويعملون مؤقتا بمكاتب تابعة للقصر الجمهوري، الذى كان صدام حسين شيده لنفسه؛ وقد أضاف إليه الأمريكيون جناحا هو عبارة عن مقهى أشبه ما يكون بمقاهى "ستاربيك" الشهيرة بالولايات المتحدة. وعند الانتهاء من إنجاز المركّب، فإن الأمريكيين سوف يقيمون فى شقق مساحة كل منها 700 قدم مربعة، تستحوذ على ست من البنايات الجديدة، ثم يعاد تسليم القصر الجمهورى إلى العراقيين، وينتقل الأمريكيون إلى قصر من صنع أيديهم هذه المرة.
* صحافية امريكية ، عراقية الاصل
العرب اونلاين
بغداد ناد للغزاة (السفارة... سر الاحتلال المعلن)-ليلى فاضل
