هيئة علماء المسلمين في العراق

التعارض بين السماع والقياس في النحو العربي / د. عمر مكي
التعارض بين السماع والقياس في النحو العربي / د. عمر مكي التعارض بين السماع والقياس في النحو العربي / د. عمر مكي

التعارض بين السماع والقياس في النحو العربي / د. عمر مكي

يخطئ من يظن أن هنالك توافقا كليا في كل مسائل العربية بين أدلة السماع والقياس ، وهذا التعارض كان له الأثر الظاهر في قواعد النحو العربي بين المجيزين والمانعين، ولم يقتصر هذا الأمر على النحو العربي والشواهد المسموعة عن العرب شعرا أو نثرا فقد تخطاه الى القراءات القرانية المتواترة بله الشاذة، ويبدو أن هذا الأمر دعا الامام القاسم بن فهيره الشهير بالشاطبي الى التحذير من ذلك، فقد قال في حرز الأماني : وما لقياس في القراءة مدخل فدونك ما فيه الرضى متكفلا (1) والحق يقال: ان موقف بعض النحاة الكبار كان جيدا لذكرهم التصريح بأهمية مراعاة أدلة السماع وتقديمها على الأقيسة، فقد قال سيبويه – رحمه الله تعالى: ((لو أن هذا القياس لم تكن العرب الموثوق بعربيتها تقوله لم يلتفت اليه . )) (2)
وسال أبو الفتح بن جني شيخه أبا علي الفارسي عن اثبات حرف النون بعد (أن) في قول الشاعر:
أن تقرآن على أسماء ويحكما        مني السلام والا تعلما أحدا

فقال أبو علي مجيبا تلميذه :
ان مخففة من الثقيلة , وأولاها الشاعر الفعل بلا فصل بينهما للضرورة الشعرية , وهذا من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعا الا أن الاستعمال اذا ورد بشي أخذ به , وترك القياس , لأن السماع يبطل القياس , ولأن الغرض فيما تدونه من هذه الدواوين ونشبة من هذه القوانين , انما ليلحق من ليس أهل اللغة باهلها , ويستوي من ليس بفصيح ومن هو فصيح , فاذا ورد السماع بشيء لم يبق غرض مطلوب وعدل عن القياس الى السماع.(3)
ومع هذا ظهر قسم اخر من النحاة وقدموا الأقيسة على أدلة السماع , ويعد أبو الحسن سعيد بن مسعدة الشهير بالأخفش من أوائل الموغلين في اظهار التعارض بين السماع والقياس في كتابه معاني القران , فقد رد السماع الصحيح في مقابل قياسه النحوي , وتجاوز فيه على القراءات القرانية المتواترة فضلا عن الشاذة التي لا تتفق مع ارائه وأقيسته , وكذلك تعرض الفراء في معاني القران لرد بعض القراءات المتواترة من أجل قياسه النحوي، فقال في قراءة أبي عمرو بن العلاء لقوله تعالى : ( ان هذين لساحران )(طه 63) .

فقال الفراء : ((ولست اجترئ على ذلك )) (4) , ولم يكن المبرد بمعزل عما تقدم فقد أفرط في رده قراءة الإمام حمزة بن حبيب الزيات في قوله تعالى : ((واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ))( النساء :1) بجر كلمة الأرحام , فقال المبرد : (( لاتحل القراءة بها )) (5).  , وقال أيضا كما نقله عن الحريري : (( لو أني صليت خلف إمام فقرأ بها لقطعت صلاتي )) (6) وكل هذا الإفراط  من أجل تقديم القياس على السماع، وعدم رد الأول إلى الثاني عند المزاحمة والمعارضة.

ومن الأمثلة أيضا على رد السماع الصحيح بآراء النحاة وأقيستهم القراءة المتواترة للإمام  حمزة بن حبيب الزيات في قوله -جل وعلا - : (( وما أنتم بمصرخي )) ( إبراهيم :22)) بكسر ياء المتكلم المدغمة في الياء الأخرى , وأصل ( مصرخي ) مصرخيني فحذفت النون للإضافة فالتقت ياء علامة الجر مع ياء الإضافة، ولا تكون إلا مفتوحة , وممن مال الى هذا الزمخشري في كشافه (7) علما بأن شواهد الشعر الواردة عن العرب قد ورد فيها كسر الياء المدغمة , ومنها قول النابغة الذبياني:
علي لعمرو نعمة بعد نعمة      لوالده ليست بذات عقارب (8)
والشاهد فيه هو كسر الياء المدغمة في الياء من كلمة (على ) الجارة , ومنها أيضا قول الأغلب العجلي:
  قال لها هل لك  ياتا  في      قالت له ما أنت بالمرضي (9)
والشاهد فيه كسر الياء المدغمة في كلمة (في).
ومما يؤكد جواز ذلك أن كبار النحاة ذكروا أنها لغة لقبيلة يربوع  العربية, فقد نقل ذلك عنهم قطرب، والفراء، وأبو عمرو بن العلاء، ونظمها الشاطبي – رحمه الله تعالى – في الحرز فقال:
كها وصل أو للساكنين وقطرب    حكاها مع الفراء مع ولد العلا (10)

وقال أبو حيان الأندلسي: ان هذه اللغة لم تزل باقية في كلام الناس فيقول أحدهم ( مافي – بكسر الياء – أفعل ) (11) فرجحان القراءة المتواترة على القياس أمر محتم ’ لأن النقل مقدم على الفعل وخاصة القران العظيم في مقابلة اجتهادات النحاة وأقيستهم ، ومن ضعف هذه القراءة أيضا الأخفش (12) والزجاج (13) والعكبري (14) ووجه الأشموني  هذه القراءة على مجيئها على اللغة القليلة , فقال : (( وإما ياء المتكلم المدغم فيها فالفصيح الشائع فيها الفتح ’ وكسرها لغة قليلة )) (15) وتوجيهه هذا أهون وأفضل من توجيه النحاة الآخرين الذين استضعفوها، وقد أحسن أبو حيان الأندلسي حين قال :
(( وما ذهب إليه من ذكرنا من النحاة لا ينبغي أن يلفت إليه واقتضى اثارهم فيها الخلف , فلا يجوز أن يقال فيها : انها خطأ أو قبيحة أو رديئة، وقد نقل جماعة من أهل اللغة أنها لغة ولكن قل استعمالها ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع )) (16).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر : متن الشاطبية :31
(2)  ينظر : الكتاب لسيبوية :2/20
(3)  ينظر المنصف لابن جني : 1/278-279.
(4)  ينظر :معاني القران : 2/293.
(5)  ينظر : شرح المفصل لابن يعيش : 3/78
(6)  ينظر : درة الغواص للحريري : 82
(7)  ينظر : الكشاف : 2/551
(8)  ينظر : ديوان النابغة الذيباني :42.
(9)  ينظر : معاني القران للفراء : 2/76.
(10)  ينظر : متن الشاطبية :65
(11)  ينظر : البحر المحيط : 5/ 419
(12)  المصدر نفسه
(13)  المصدر نفسه
(14)  ينظر : املاء ما من به الرحمن : 2/37
(15)  شرح الاشموني على الالفية 2/ 197
(16)  البحر المحيط : 5/ 419.

أضف تعليق