هيئة علماء المسلمين في العراق

لماذا أرسلت اليابان قواتها للعراق ولماذا تسحبهم؟- د. عبد العظيم محمود حنفي
لماذا أرسلت اليابان قواتها للعراق ولماذا تسحبهم؟- د. عبد العظيم محمود حنفي لماذا أرسلت اليابان قواتها للعراق ولماذا تسحبهم؟- د. عبد العظيم محمود حنفي

لماذا أرسلت اليابان قواتها للعراق ولماذا تسحبهم؟- د. عبد العظيم محمود حنفي

أمرت اليابان قواتها البالغ عددها 600 عنصر بمغادرة العراق منهية بذلك أول انتشار عسكري لها في ميدان حرب منذ الحرب العالمية الثانية عام 1945. ويأتي الانسحاب ليغلق ملفا لم يكن يحظي بتأييد شعبي حيث أن عاملين أساسيين يحددان موقف اليابان من العالم منذ العام 1945: الالتزام السلمي الذي حل مكان التوسع العسكري طوال نصف قرن (1894 ـ 1945) عبر توسع تجاري ومالي واسع النطاق، والتحالف مع الولايات المتحدة، الحامي العسكري لليابان. فلماذا أرسلت اليابان قواتها ولماذا تسحبهم الآن؟

كان قرار الحكومة اليابانية ـ غير المسبوق ـ بإرسال 600 جندي إلي العراق أثار موجة معارضة واسعة من الجمهور الياباني لإرسال الجنود اليابانيين إلي منطقة حرب.

القرار الياباني استمد أهميته من عدة زوايا:

الزاوية الأولي: تنبع من أن القرار الياباني دشن مرحلة جديدة من الدبلوماسية اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي، وللمسلك الياباني في حرب الخليج عام 1991 حيث أصيب اليابانيون بصدمة من جراء وصفها بأنها دافع الأموال النقدية بسبب سياسة دفتر الشيكات التي أسهمت بها في تلك الحرب، ولعل اليابان تعلمت من ذلك الدرس ان دفع الأموال النقدية لا يشتري الاحترام لليابان. فقد رفضت إرسال قواتها لمنطقة الخليج وقالت إن دستورها لا يسمح لها بذلك، ومع أنها دفعت مبالغ سخية لتمويل الحرب فإنها لا تزال تشعر بالمهانة من القول بأنها مجرد دافع أموال سخي. هذه المرة لم تكتف اليابان بالتعهد بدفع 5 مليارات دولار لصالح إعادة أعمار العراق بل قررت إرسال قواتها إلي العراق وهو يعني إنهاء العمل بدستور اليابان السلمي في محاولة يابانية لتجنب إحساس مماثل بالعجز الذي أحسته بعد حرب الخليج عام 1991.

الزاوية الثانية: تثير موضوع الولاء للولايات الأمريكية من جانب رئيس الوزراء الياباني جونيشيرو كويزومي الذي يعتبرونه أول زعيم ياباني أنجلو سكسوني، يظهر في اليابان المعاصرة منذ شيجيرو يو شيدا الذي دفع بنظريته بعد الحرب العالمية الثانية اليابان بكل قوة لتقف وراء الموقف الامني الامريكي

، ويري كثير من المحللين اليابانيين، انه رغم تشابه الرجلين في تاثرهما بالتعليم البريطاني والتراث الثقافي الغربي فانه توجد اختلافات بينهما. ففي سعيه الحماسي لنظرية الولاء لأمريكا ظل يو شيدا يقاوم الضغوط الأمريكية لإعادة تسليح اليابان وحافظ علي مباديء الدستور الياباني السلمي خاصة المادة التاسعة وهي المادة الأساسية فيه، ويقول أنصار كويزومي انه لم يرضخ للضغوط الأمريكية بل العكس فهو الذي تطوع بإرسال القوات اليابانية إلي منطقة حرب رغم التطمينات بأنهم

سيقومون بمهمة إنسانية وليس مهمة قتالية. ولكن الواقع يقول ان يابان كويزومي قد استجابت للاستدراج الامريكي ـ الذي تفاداه يو شيدا ـ بإعادة تسليح قواتها حيث أعلنت طوكيو عزمها علي تطوير قدراتها الدفاعية الصاروخية بتنفيذ نظام متقدم للدفاع الصاروخي الذي يعتمد علي تكنولوجيا الصواريخ الأمريكية وعلي الامكانات الدفاعية اليابانية وهو الأمر الذي يعني استدراج اليابان لسباق التسلح مع الصين والكوريتين.

الزاوية الثالثة: تتعلق بسياسات اليابان التنافسية مع الصين، تجعل اليابان مضطرة لتنشيط سياساتها، في الوقت الذي تتحول فيه الصين إلي قوة إقليمية ودولية جبارة، فان مرارات الموروث التاريخي المؤلمة بين الدولتين تحول دون تحقيق مصالحة كاملة بينهما. مثلا أدت زيارات رئيس الوزراء الياباني كويزومي لمعبد باسوكوني إلي إثارة حفيظة الصين وقالت الصين ان 14 من مجرمي الحرب من الدرجة الأولي ومنهم رئيس وزراء حقبة الحرب هيدكي توجو يكرمون في ضريح ياسوكوني في طوكيو، وهم مشهورون بارتكاب أفظع الجرائم في حرب العدوان اليابانية، وأيديهم ملطخة بدماء الشعب الصيني وشعوب بعض الدول الآسيوية الأخري.

الزاوية الرابعة: دور اليابان العالمي عبر الأمم المتحدة. رغم المساهمات السخية التي تقدمها اليابان للأمم المتحدة فان جهود اليابان لزيادة دورها، يشعر اليابانيون انه يتم الاستخفاف به ويدللون علي ذلك بنص المادة 53 من ميثاق الأمم المتحدة الذي ما زال ينص علي مصطلح العدو السابق بالنسبة لليابان وحلفائها في الحرب العالمية الثانية ومن هنا تأتي الخطوة اليابانية لزيادة دورها العالمي عبر البوابة الأمريكية الفسيحة.

الزاوية الخامسة: تتعلق بشعور بعض اليابانيين، ان اليابان تستطيع ان تثبت جدارتها في العراق كدولة بناء، لان اليابان مثل العراق عاني الدمار ومشاعر الهزيمة الكاملة والاحتلال الامريكي ومر بتجربة إعادة البناء فهو اقدر علي التقرب للشعب العراقي. فاليابان تفخر بكونها من الدول السلمية الأولي في العالم ولكنها تطمح إلي لعب دور عالمي يتناسب مع قوتها الاقتصادية العملاقة وتطمع أن تسقط قوتها الاقتصادية إلي واقع سياسي ملموس.

ولكن كان لا بد من اتخاذ القرار بعودة الجنود اليابانيين لعدة أسباب أهمها:

ـ قرار الحكومة اليابانية ـ غير المسبوق ـ بإرسال 600 جندي إلي العراق أثار موجة معارضة واسعة من الجمهور الياباني لإرسال الجنود اليابانيين إلي منطقة حرب.

ـ قرار كويزومي بعدم البقاء في منصب رئيس الوزراء عندما تنتهي فترة ولايته الحالية كرئيس للحزب الديمقراطي الحر في ايلول (سبتمبر) 2006.

ـ الوضع السيئ للغاية في العراق. فعلي سبيل المثال للدلالة فان صحيفة الاندبندنت نشرت مقالا تحت عنوان الحقيقة البشعة حول الحياة اليومية في بغداد (من السفير الامريكي) ، تنشر فيه مقتطفات من مذكرة بعث بها السفير الأمريكي في بغداد زلماي خليل زاد الي وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس وتم تسريبها الي الصحافة.

وتنقل الاندبندنت عن خليل زاد قوله في المذكرة التي بعثت بتاريخ 6 حزيران (يونيو) ان العراق في طور التحلل، حيث أصبحت السلطة الحقيقية في يد المليشيات، والحكومة لا حول لها ولا قوة .

ويقول السفير في المذكرة المتنافية تماما مع الخطابات المتفائلة للرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير إن العاملين في السفارة الأمريكية يتوجسون خيفة من ان يكتشف لحساب من يعملون، ويعملون علي تدمير كل المطبوعات التي من شأنها إظهار ذلك.
وتنشر الصحيفة النقاط الـ23 التي لخص فيها السفير الأمريكي الوضع في العراق.

كما ان معظم الدول قد سحبت قواتها من العراق ولم يتبق سوي القوات البريطانية وحتي القوات الايطالية سوف يتم سحبها في نهاية العام الحالي مما سبب حرجا بالغا للحكومة اليابانية.

وهكذا لم تجد اليابان التي تلاحظ وتتابع الانتقادات الحادة للرئيس بوش من مجمل الجمهور الامريكي والمطالبة بسحب القوات الأمريكية من العراق، بداً من اتخاذ قرار سحب قواتها من العراق.

الخبير في الدراسات الإستراتيجية مدير مركز الكنانة للبحوث والدراسات القاهرة

القدس العربي

أضف تعليق