في الوقت الذي تكاثرت وثائق وتقارير المنظمات الإنسانية ولاسيما الدولية منها والمرتبطة بالأمم المتحدة بشأن المعاناة التي يعيشها معظم العراقيين عمومًا والمهجرين والنازحين على وجه الخصوص؛ إلا أن ساكنًا لم يتحرك باتجاه وضع الحلول لهذه المأساة التي نشأت منذ سطوة الاحتلال الغاشم في 2003 واستمرت إلى الآن بعدما تفاقمت بشكل لم يشهد له تاريخ العراق مثيلاً.
ورغم التجاهل الحاصل من قبل الجهات المعنية بوضع الحلول؛ إلا أن التوثيق وتسليط الأضواء على التقارير والدراسات التي تتناول القضية العراقية؛ مهم وضروري، ويعد بمثابة رصيد قانوني يمكن الاستفادة منه في المستقبل، وبالأخص حينما يكون صادرًا من جهة عليا على مستوى منظمة الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق؛ نشر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في العراق التابع للأمم المتحدة الذي يرمز له اختصارًا "أوتشا"؛ نشر وثيقة بعنوان (نظرة عامة عن الاحتياجات الانسانية في العراق) يوم الثلاثاء الموافق للـ30 من شهر أيلول 2014، وقد أبرزت هذه الوثيقة جملة من صور المعاناة التي تطغى على حياة ملايين العراقيين وهم يرزحون تحت نير التهجير والنزوح.
وبموجب الوثيقة الأممية هذه؛ فإنه على الرغم من ادّعاء المنظمات الإنسانية أنها تمكنت من الوصول إلى نحو مليون و(600 ألف) شخص ممن هجروا قسرًا من مدنهم ونواحيهم، إلا أن مجموع السكان الذين هم بحاجة ماسة إلى المساعدة يتجاوز خمسة ملايين و(200 ألف) عراقي.
تقول الوثيقة ـ في إطار هذا الموضوع ـ إن (850 ألف) نازح من مختلف مناطق العراق يعيشون حاليًا في ما يُسمّى "إقليم كردستان"، مبينة أن هذا الرقم هو من أصل مليون و(800 ألف) شخص نزحوا من مناطق سكناهم في العراق منذ شهر كانون الثاني 2014 فقط، دون النظر إلى ملايين العراقيين الذين تركوا مدنهم قبل هذا التاريخ.
وبحسب الوثيقة؛ فإن محافظة الأنبار تعد ثاني أكبر تجمع للمهجرين الذي يوصفون بأنهم أكثر احتياجًا للمؤمن والأغذية والأدوية، مشيرة إلى أنها ـ الأنبار ـ إلى جانب محافظة دهوك في شمال العراق؛ تعدان الأكثر ضعفًا من بين محافظات العراق في توفير الأمن الغذائي والحماية والصحة والمأوى وغيرها من ضروريات الحياة والمعيشة، فضلاً عن افتقارهما للحد الأدنى من الشروط الواجب توافرها لإغاثة وعون النازحين من مناطق سكناهم بسبب المعارك الدائرة في مساحات واسعة من العراق.
إلى ذلك؛ مضت الوثيقة في تصنيف المحافظات التي تلي دهوك والأنبار من حيث ضعف الإمكانيات، مبينة أن محافظات ديالى، وأربيل، والتأميم، ونينوى، وصلاح الدين؛ على الترتيب هي الأكثر ضعفًا في قضية تقديم الخدمات للنازحين، لافتة إلى أن محافظات أخرى بدت وكأنها أقل تأثرًا بهذه الأزمة؛ وهي ميسان والمثنى وذي قار جنوبي العراق؛ لكن الوثيقة ـ على ما يبدو ـ غفلت عن أن المحافظات السابقة تضم أعدادًا من النازحين يفوق بأضعاف أعداهم في المحافظات الثلاثة الأخيرة؛ التي تظهر الإحصاءات المحلية والمتابعات الميدانية أن نسبة المهجرين فيها شبه معدومة.
وعلى صعيد متصل؛ أكّد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في العراق التابع للأمم المتحدة (أوتشا) أن تسجيل عمليات نزوح إضافية ما تزال جارية بشكل يومي؛ متحدثًا ـ على سبيل المثال ـ عن ناحية (العلم) القريبة من مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين؛ والتي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في عدد العوائل النازحة من جرّاء المعارك الجارية هناك؛ مبينًا أن عدد هذه العائلات بلغ حتى ساعة إعداد هذا التقرير (13 ألف) وخمسمائة أسرة، بعدما كان الرقم قريبًا من (7 آلاف) عائلة، في بداية شهر أيلول المنصرم، أي في غضون ثلاثين يومًا أو أقل ارتفع عدد المهجرين من هذه الناحية إلى ما نسبته (50%) .
وليس بعيدًا عن ذلك؛ فإن مدينة (خانقين) بمحافظة ديالى، تشهد تواصل وفود النازحين الى مخيم (علي آوا) الجديد بمعدل (10 عوائل) يوميًا، مند منتصف شهر آب الماضي، حسب ما ثبتته الوثيقة نقلاً عن تقارير ذات صلة بهذا الموضوع، والتي أكّدت استمرار حركة النازحين نحو "إقليم كردستان" بشكل متزايد، مشيرة إلى أنهم يقدمون من مناطق عديدة العراق، لكن محافظة نينوى وما حولها لها النصيب الأكبر.
كما رصدت وثيقة مكتب (أوتشا) اصعوبات الكبيرة التي يواجهها المهجرون أثناء محاولتهم اللجوء إلى محافظات ما يُسمّى "إقليم كردستان"، قائلة: "إن الدخول إلى إقليم كردستان العراق أصبح صعبًا، حيث فرضت قيودٌ على حركة النازحين من خلال الإجراءات البيروقراطية والأمنية"، لافتة إلى أنها سجّلت جرّاء ذلك؛ عمليات نزوح عالية وثانوية في بعض المواقع.
ومع تفاقم أزمة النازحين العراقيين، وعدم حصولهم على أماكن أثر استقرارًا؛ تبرز مشكلة جديدة تزيد الوضع سوءًا، تتمثل بمطالبة السلطات الحكومية في المناطق التي تؤوي المهجرين؛ إخلاء المدارس التي اضطر هؤلاء إلى السكن فيها؛ وذلك استعدادًا لبدء العام الدراسي الجديد 2014/2015 الذي تأخر هذه السنة بسبب الأحداث، وتؤكد الوثيقة أنه في الوقت الذي تجري عمليات نقل النازحين من المدارس؛ إلا أنه في أغلب الحالات لا يتم تأمين مساكن بديلة للعوائل التي يتم إخراجها من البنايات ، ما يضر بعض المهجرين إلى ما وصفه مكتب (أوتشا) إلى "العودة الخجولة" إلى مدنهم الأصلية ما يجعلهم في عرضة لخطر محدق، لافتًا إلى أن بعض أسباب عودة قلة من المهجرين إلى مدنهم تعود إلى جملة أمر منها "تصاعد التوترات الاجتماعية في المجتمعات المضيفة والفرص المحدودة في الحصول على المساعدة في أماكن النزوح" حسب تعبير الوثيقة.
وبشأن جهود الإغاثة وتقديم المعونات يقول (أوتشا)؛ إن العقبات البيروقراطية تؤثر أيضًا على هذه الجهود، واستشهد بمثال تضمنته الوثيقة؛ يتحدث عن قافلة مكونة من (12 شاحنة) محملة بـ (200 ألف) جرعة من لقاح شلل الأطفال، فضلاً عن العقاقير وعلاج السل وغيرها من الإمدادات الطبيّة، منعتها السلطات الحكومية في محافظة التأميم من العبور الى محافظة نينوى، مؤكد ـ في مثال آخر ـ أن المساعدات الخاصة بالمدنيين تأخرت في المناطق المتضررة من المعارك في محافظة صلاح الدين لبضعة أسابيع بسبب تأخر منح السلطات الحكومية الإذن لعبور الخط الأمامي، لافتًا إلى أن بعض الشركاء اضطروا أيضًا إلى تأخير توفير الأنشطة الانسانية في محافظة الأنبار وسط تجدد المخاوف الامنية من قبل الموظفين.
وفيما تتواصل في العراق عواصف الأزمات وقلة أو ندرة توفير المساعدات اللازمة للمهجرين الذين تتجاوز نسبة الأطفال والنساء فيهم الـ(80%) ـ حسب المصادر الميدانية وتقارير النشطاء ـ يستمر دم المواطن العراقي في الجريان، نتيجة الخلافات الحادة بين أحزاب العملية السياسية والتي تترجم عن طريق ميليشيات هذه الأحزاب المتصارعة إلى تفجيرات تضرب المناطق الآهلة بالمدنيين بغية تأجيج الصراع الطائفي؛ وسط تخل تام من قبل سياسيي المحافظات التي تعيش أوضاعًا مأساوية سواء على الصعيد الأمني أو على صعيد التهجير والنزوح؛ عن وعودهم التي كانوا يجمّلون بها خطبهم ودعاياتهم قبل الانتخابات.
وكالات + الهيئة نت
ج
في وثيقة جديدة.. أكثر من خمسة ملايين عراقي بحاجة إلى مساعدات عاجلة والسلطات الحكومية تحول دون ذلك
