هيئة علماء المسلمين في العراق

البصرة : التطهير العرقي ومقدمات التقسيم - ياسر الزعاترة
البصرة : التطهير العرقي ومقدمات التقسيم - ياسر الزعاترة البصرة : التطهير العرقي ومقدمات التقسيم - ياسر الزعاترة

البصرة : التطهير العرقي ومقدمات التقسيم - ياسر الزعاترة

حين يضطر العلامة الدكتور يوسف القرضاوي إلى رفع الصوت بشأن ما يجري في مدينة البصرة، ففي ذلك ما يعبر عن حجم السخط من الواقع الذي تعيشه المدينة، لاسيما العرب السنة الذين يتعرضون لأبشع حملة قتل وتهجير عرفتها المدينة وضواحيها منذ مجيء الاحتلال.
لم يحدث في تاريخ العراق أن أقفلت المساجد في وجه مرتاديها كما وقع في البصرة خوفاً من عمليات القتل اليومي في المدينة، ولم يحدث في تاريخ العراق أن استبيحت المساجد بأهلها ومقتنياتها كما يحدث في البصرة وكما حدث في بغداد بعد تفجير القبتين في سامراء.
في البصرة، يحدث ذلك وما هو أسوأ منه تحت سمع وبصر قوات الاحتلال البريطاني التي ترى في اشتباك العراقيين فيما بينهم ما يحول دون اشتباكهم معها، فضلاً عما ينطوي عليه ذلك من تعزيز لنفوذها في المدينة من خلال سياسة فرق تسد الإنجليزية المعروفة.
لعل أكثر ما يلفت الانتباه في المشهد السياسي والأمني في مدينة البصرة هو الحضور الإيراني الواسع، والذي يتحكم في أكثر مفاصلها، ليس لجهة السياسة والأمن فقط، بل فيما يخص الاقتصاد أيضاً، أعني ما يتعلق بلعبة تهريب النفط التي غدت موضع تنافس مليشيات الأحزاب الشيعية وحروبها الداخلية.
عندما يصرخ العرب السنة وممثليهم في العراق اليوم منتقدين التدخلات الإيرانية في العراق، فهم لا يتجاهلون وجود مصالح إيرانية لا بد من الحفاظ عليها، بقدر ما يتألمون من سياسات طائفية واضحة تصب في خانة الاقتتال الأهلي ولا تقيم حرمة لدماء العراقيين في سياق تحقيق أهدافها السياسية والأمنية.
صحيح أن لإيران وجود فاعل على كل الجبهات، لكن حضورها الواضح على جبهة الموت والتطهير العرقي بحق العرب السنة لا يبدو منطقياً بحال من الأحوال، بدليل ما يجري في البصرة، ولو أرادت كف يد العابثين لما أعجزها ذلك.
ربما قيل إن الشيعة يقتلون بعضهم بعضاً في المدينة أيضاً، فيما يقوم بعضهم باستهداف البريطانيين، وهو قول صحيح إلى حد كبير، لكن ذلك لا يحدث بعيداً عن الأيدي الإيرانية أيضاً، فطهران معنية بتصفية الحساب مع لندن وتحذيرها من تداعيات التشدد في الموقف من الملف النووي الإيراني على مصير قواتها في الجنوب العراقي، أما الشيعة العراقيون فليسوا سواءً في ولائهم لإيران، ما يعني أن الموقف منهم خاضع لذات التصنيف، وحيث لا تغيب حكاية العرب والفرس عن دائرة الصراع، ونتذكر أن عرب الأهواز شيعة أيضاً لكنهم يحملون السلاح ويطالبون بالانفصال عن إيران. وفي كل الأحوال فإن استباحة دماء العراقيين بصرف النظر عن انتمائهم من أجل مغالبات سياسية في مدينة لها خصوصيتها لا يبدو صائباً بحال، بصرف النظر عن هوية الضحايا.
لعل أسوأ ما في المشهد السياسي في هذه المدينة المنكوبة هو أن تكون عمليات القتل والتهجير للعرب السنة مقصودة بهدف تنقية المدينة منهم، وذلك مقدمة للتقسيم الذي ينادي به الحكيم وأنصاره تحت مسمى الفيدرالية، وهو تقسيم لا يمكن أن يتم من دون نقاء طائفي في مدن الجنوب، وبخاصة البصرة التي يشكل العرب السنة ثلث سكانها. وإذا صح ذلك فإن ذات السيناريو سيتكرر في مدن أخرى في الجنوب مثل الحلة والكوت، كما سيتكرر في الشمال والوسط، في حين تعيش بغداد ذات المعادلة على مستوى الأحياء والمناطق التي أخذت تفرز طائفياً على نحو واضح.

ليس في العراق نقاء عرقي في مناطقه يسمح بالتقسيم، فلا الجنوب شيعي تماماً، ولا الوسط والشمال عربي سني تماماً، فضلاً عن معادلة كركوك وتنوعها العرقي. والنتيجة أنه لا تقسيم من دون حرب طائفية تأكل الأخضر واليابس، فيما تكون مقدمة لحروب داخل الطوائف نفسها، بدليل الاقتتال الشيعي في مدينة البصرة في سياق التنافس على المكاسب والتنازع على الولاء.
ما يجري بالغ الخطورة، ليس لجهة القتل والتهجير اليومي والمعاناة فقط، بل لجهة المستقبل أيضاً، والأمريكان لن يكونوا معنيين بوقف النزيف اليومي بين العراقيين ما دام استمراره يقلل خسائرهم، فيما يدفع جميع الفرقاء إلى خطب ودهم ومطالبتهم بالبقاء، والنتيجة هي خسارة لجميع العراقيين، ومن بعدهم العرب والإيرانيون، ما يحتم حواراً عربياً إيرانياً يفتح جميع هذه الملفات ويضع النقاط على الحروف بشأن أسئلة الحاضر والمستقبل للعراق وأهله.
لعل أسوأ ما في هذا المشهد برمته هو غياب الوضع العربي الرسمي الذي تراوح محاوره بين الخوف من واشنطن، وبين استجداء رضاها على مساعي التوريث، ما يبشر بتواصل نزيف الدم والموت في العراق إلى أمد غير معلوم، وإلى جانبه مقاومة رائعة للاحتلال عينها على السيادة والاستقلال الحقيقي بعيداً عن ألعاب ملوك الطوائف الواقفين بباب " ملك الإفرنج" زلماي خليل زاد!!

الاسلام اليوم

أضف تعليق