الأمة أو الوطن أو المجتمع يتمثل بمجموع الجهود المشتركة من المواطنين ابتداءً من عمال الوطن (عمال النظافة) وانتهاءً بأعلى هرم في الدولة؛ لأن الجهود الفردية – مهما كانت عظيمة وكبيرة - لا يمكنها أن تبني أمة أو حضارة.
والأمة العراقية واحدة من الأمم التي بُنيت بجماجم رجالها قبل عقولهم وجهودهم وحرياتهم، والعراقيون - في كل لحظة - يفقدون أعز رجال وطنهم من أجل إشباع رغبات هذا الزعيم أو ذاك، أو هذه التنظيمات الإرهابية أو تلك، وبالمحصلة فإن العراق – كأمة وكحضارة – هو الخاسر الأكبر من هذه الرغبات الشريرة، التي تنحرر جسد الوطن قبل رقاب أبنائه.
وفي زمن الظلم نجد أن انتشار المآسي يصل إلى حدود تُذبح فيها حتى القيم الإنسانية النبيلة، وهذه معضلة ينبغي التوقف عندها حتى لا تكون سبباً لنحر الأمة من أقصاها إلى أقصاها؛ لأن الحياة بلا قيم إنسانية غابة لا يمكن تحمل ظلمها وظلمتها.
المفارقات والأفعال والمواقف المختلف عليها في أماكن أخرى صارت في الساحة العراقية من المألوف؛ لأن عموم المشهد عبارة عن مركبة مخطوفة لا يعرف الكثير من العراقيين إلى أين تتجه، وإلى أي مرسى يريد الخاطفون أن يبحروا بهم؟!
ورغم ذلك فهنالك بعض المفارقات لا يمكن تجاوزها دون الحديث عنها أو حتى محاولة تفهمها، ومن بينها نكران الجهود العظيمة لرجال الدولة بسبب مواقف سياسية، أو عقد فكرية قاصرة.
لا يمكن أن نتفهم كيف أن من أفنى عمره في الدفاع عن حياض الوطن وحرمة ترابه لا يجد له متراً واحداً في أرض العراق ليُدفن فيه، بينما تُقام مراسيم التشييع والدفن الرسمية للخونة والعملاء؛ بحجة أنهم مناضلون خدموا العراق، وضحوا من أجله؟!
قبل يومين توفي في العاصمة الأردنية عمان الفريق الأول الركن عبد الجبار شنشل وزير الدفاع الأسبق، والرجل رمز من رموز الحركة العسكرية العراقية والعربية، وشامة في جبين السياسات العسكرية في مرحلة الحرب العراقية - الإيرانية.
والفقيد - رحمه الله - ضابط عراقي سابق، من مواليد محافظة نينوى مدينة الموصل، خدم في السلك العسكري لأكثر من ستين عاماً، وتسنم العديد من المناصب منها أنه أصبح رئيساً لأركان الجيش، ثم وزيراً للدفاع، ثم وزير الدولة للشؤون العسكرية.
شارك في كافة الحروب التي خاضها العراق. في حرب العرب عام 1948 وحرب 1967، وحرب 1973 مع الكيان الصهيوني، وحرب 1980 مع إيران، وحرب 1991 مع دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى تأليفه عدة كتب تناولت التدريب والقيادة والسيطرة.
فقيد العراق عرف بأنه من رجال العراق المشهود لهم بالنزاهة والانضباط والصراحة طيلة أكثر من ستة عقود أمضاها في الخدمة العسكرية، وجندياً مقاتلاً في الثكنات والمعسكرات، ولم يسجل عليه أنه تهاون في واجباته، أو تخلى عن مسؤولياته.
وفي نهاية عام 2011، كتب يوسف شنشل نجل الفقيد أن والده البالغ من العمر (88) سنة، قد تعرض إلى جلطة دماغية قبل أشهر، وهو مقيم في عمان عند ابنته، التي تتكفل برعايته بشكل تام، وذلك منذ احتلال العراق عام 2003.
ويضيف ابن الفقيد " لقد تم إخراجه من الخدمة العسكرية بعد أكثر من (65) عاماً خدمة فعلية من دون أن يتم تخصيص أي تعويض أو راتب تقاعدي، أما عن داره التي كان يسكن بها فقد تمت مصادرتها من قبل أحد أبرز شيوخ الصحوات عنوة وبدون أي وجه حق وبدون دفع أي إيجار، وأما منزله الثاني في مدينة الموصل في حي البعث فقد تم التجاوز عليه من قبل أحد الأشخاص المتنفذين في الحكومة اليوم!"
وأضاف: " أكتب هذه الأسطر حتى تصل هذه الصورة المأساوية لكل العراقيين والعرب، حتى يتعرفوا على نوع الطبقة التي تحكم اليوم في بلاد الرافدين، هذه المجموعة التي تحارب كل شريف خدم ودافع عن العراق".
مات شنشل ودفن في مقبرة الجيش العراقي في المملكة الأردنية الهاشمية، التي أقامت جنازة عسكرية رسمية للفقيد باعتباره قائداً عربياً، وليس عراقياً فقط، وبالمقابل لم تحرك حكومة المنطقة الخضراء ساكناً، ولم تطلب من عائلة الفقيد نقل جثمانه إلى العراق ليدفن هناك، وهذه أبسط حقوق الإنسان على وطنه!
رحل شنشل، لكنه رحل وهو مرفوع الرأس، والتاريخ العراقي الحديث سيبقى يذكر هذه الشخصية الوطنية الأصيلة بكل فخر واعتزاز، وسيبقى الخونة والعملاء أذلاء رغم غناهم المادي، ورغم سيطرتهم المدعومة من الغرب على مجريات الأمور في بلاد الرافدين؛ لأن الخيانة لم تكن في يوم من الأيام سبباً للعز والشرف، بل هي وصمة عار في جبين كل من استسهل طريق الخزي والعار، طريق الخيانة والذل.
وأحسن صديقي الشاعر مكي نزال في عزاء الفقيد شنشل رحمه الله إذ أنشد قائلاً:
مشيتُ وئيد الخطو بين الشواهدِ وأُسمِعتُ همسًا من شهيدٍ وشاهدِ
دفنتُ كبيرًا لم يكن غير آبهٍ بل اختار أن يحيا بجلباب عابدِ
مضى (شنشلٌ) في موكب العزّ شامخًا وفاض لجند الحق إغداق والدِ
عففتَ عن الدنيا فجاءت مطيعةً وما نلتَ مجدًا كان أغلى الفوائدِ.
السؤال الأخير الذي يمكن طرحه هنا: هل هكذا يكافئ رجال الأمة العراقية في زمن الظلم المتفشي كتفشي الفساد والخراب والمحسوبية في عموم المشهد السياسي العراقي الحالي.
حقاً انه زمن الغرائب!
Dr.jasemj1967_(at)_yahoo.com
هكذا يكافئ المخلصين العراقيين! / د. جاسم الشمري
