حوار: عبد الرحمن أبو عوف
أكد المهندس محمد يوسف هاجر الأمين العام للمنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي أن المسلمين في أمريكا اللاتينية أسّسوا حضارة إسلامية راقية، وانتشروا في معظم بلدان القارة، وحقّقوا نجاحات،
ووصلوا إلى أعلى المناصب السياسية في القارة على الرغم من تنامي النفوذ الصهيوني في القارة، وتابع يوسف هاجر في حواره مع (الإسلام اليوم) أن المسلمين في الأرجنتين يعانون مشاكل عديدة أهمها: افتقادهم التواصل مع العالم الإسلامي لمدد طويلة، وهو ما نحاول مواجهته في السنوات الأخيرة، كما أن انقطاع الهجرات الإسلامية إلى الأرجنتين قد ساهم في تراجع الوعي الديني مطالباً العالم الإسلامي بالعمل على إيجاد الصلات مع مسلمي أمريكا عبر إنشاء قناة فضائية تكون بمثابة همزة وصل بين العالم الإسلامي والمسلمين هناك، ونبّه هاجر إلى أن اللوبي الصهيوني في الأرجنتين لم ينجح في استعداء المجتمع الأرجنتيني على المسلمين بل أخفق إخفاقاً ذريعاً في هذا الأمر، وهو ما ألجأه إلى فتح قنوات الاتصال مع المسلمين، والدخول في حوار معهم .. وأشار الأمين العام للمنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية إلى أن المسلمين قد تعاطوا بإيجابية مع أزمة الرسوم المسيئة للنبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- عبر مظاهرات احتجاج، والدعوة إلى مقاطعة البضائع الدنمركية وتوجيه برقيات اعتراض إلى الحكومة الدنمركية، ونجحوا في حشد تأييد يهوديّي ومسيحيّي القارة اللاتينية في الوقوف بجانبهم في هذه الأزمة ..
قضايا عديدة نناقشها مع الأمين العام للمنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية في السطور التالية:
دخول الإسلام
* في البداية نرجو أن تشرح لنا كيف دخل الإسلام إلى أمريكا اللاتينية عموماً والأرجنتين خصوصاً؟
يُعتقد على نطاق واسع أن الإسلام قد وصل هذه البقعة من العالم منذ الأيام الأولى لاكتشافها في 12 أكتوبر 1492م، وربما يكون قبل ذلك؛ إذ تم اكتشاف مخطوطات إسلامية في البرازيل وكوبا وهايتي تشير إلى أن المسلمين قد استقروا في هذه الأراضي قبل أن تتوجّه إليها الكشوف الجغرافية التي بدأها البحارة الإيطالي كريستوفر كلومبس، وقد أسس المسلمون في هذه المنطقة حضارة إسلامية راقية، كما نشروا الإسلام بين الهنود السكان الأصليين الذين تجاوبوا مع دعوة الإسلام، فكانت لهم حضارات إسلامية متنوعة مثل: الماياس والأزنيكار والأنكاس والأوناس، ولها انتشار واسع في معظم دول القارة، وتؤكد الدراسات والبحوث بأنه عند اكتشاف القارة الأمريكية عام 1492 كان بين طاقم السفينة التي قادها كريستوفر كولومبس بحارة مسلمون نظراً لتفوقهم في علم الفلك، وتخصصهم في الملاحة وصناعة السفن آنذاك.
* يتميز الإسلام في أمريكا اللاتينية بأنه شهد عديداً من الهجرات المتتابعة .. هل لكم أن توضّحوا لنا هذه النقطة؟
الهجرة الأولى كانت في عام 1492، أما الثانية فربما كان ما بين عامي 1850 ـ 1860 وتوالت الهجرات من سوريا ولبنان وفلسطين، وشهدت أمريكا الجنوبية أكبر الهجرات في أوائل القرن الماضي، وعلى إثر الحرب العالمية الأولى والثانية، ولقد كانت هذه الهجرات قسراً أو هرباً من ظلم الحكم أو بحثاً عن مصادر جديدة للرزق في العالم الجديد الذي كانت أخباره تصل بأنه منطقة كنوز الذهب، وقد تميز المهاجرون المسلمون إلى أمريكا اللاتينية بقدرتهم على التكيف مع الأوضاع والبيئة التي هاجروا إليها مع الاحتفاظ بشخصيتهم وهويتهم الثقافية والحضارية، وشارك أبناء المهاجرين المسلمين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم ينسوا بأن لهم جذوراً عميقة تشدهم للوطن والحنين له والانتماء إليه، فكانوا خير رسل للدين الإسلامي والثقافة العربية، وكانوا سفراء التربية والتعليم والإبداع والفن، وقاموا بترجمة القرآن الكريم للغة الإسبانية أكثر من مرة، مما ساهم في اعتناق آلاف من مواطني القارة للإسلام.
المنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية
* تشغلون منصب الأمين العام للمنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية وبحر الكاريبي نرجو أن تلقي لنا الضوء على عمل هذه المنظمة؟
لقد تأسست هذه المنظمة من عشر سنوات بعد اجتماع ضم رؤساء إحدى عشرة دولة مع القيادات الإسلامية في القارة اللاتينية بعد أن لمسنا ضعف الاتصال فيما بين التجمعات الإسلامية وعدم وجود أي تنسيق، إلا أننا وخلال السنوات الماضية استطعنا أن نقفز قفزات عالية، وننشئ فروعاً للمنظمة في أكثر من (31) دولة في القارة اللاتينية، والبحر الكاريبي وجزرغوينا، وتعمل المنظمة على تنمية الوعي الديني لمسلمي هذه المناطق وعقد مؤتمرات تساعد في توطيد العلاقات، والحمد لله في كل يوم ننطلق إلى آفاق أرحب بدعم من حكومات الدول، لدرجة أن جميع اجتماعاتنا يحضرها مسؤولون رسميون رفيعو المستوى، يوفرون الدعم لعمل المنظمة، وأحبّ هنا أن أبشرك بأننا في طريقنا لإنشاء فرع للمنظمة في كوبا التي بدأت تخفف كثيراً من القيود على المسلمين، وسيقوم وفد من المنظمة بزيارتها قريباً لبحث مشاكل المسلمين، والبحث عن حلول لها، كما أن المنظمة قد نجحت في إيجاد أطر العلاقات مع منظمات إسلامية ودول عربية وإسلامية لدرجة أن المركز الثقافي للملك فهد في العاصمة الأرجنتينية بيونس إيرس قد تحوّل إلى مزار دائم لجميع مسلمي أمريكا اللاتينية لتعلم اللغة العربية ومبادئ الإسلام، ناهيك عن أن وزارة الأوقاف الكويتية لديها برنامج قوي لطباعة المصاحف المترجمة للأسبانية وكتب التراث الإسلامي، وتعمل المنظمة كذلك على تفعيل التعاون مع الأزهر الشريف لدرجة أن هناك أكثر من (50) داعية ومقيم شعائر ينتشرون في دول أمريكا اللاتينية.
* لكن هذا التواجد الإسلامي لا يُقارن بالدور الكبير الذي تلعبه الكنيسة الكاثوليكية في القارة اللاتينية؟
أكيد، فقد زار البابا القارة اللاتينية أكثر من ست مرات في الأعوام الأخيرة بعد أن ترسخ شعور عام بأن الكنائس قد هُجرت نتيجة الخواء والفراغ الديني الذي يعاني منه النصارى؛ في المقابل لا يوجد أدنى اهتمام من جانب القيادات والرموز الإسلامية التي لم تقم بزيارة واحدة مقابل ست زيارات لرأس الكنيسة الكاثوليكية، ولكن أحب أن أشير هنا إلى أن هذه الزيارات والوجود المتنامي لمنظمات التنصير لم تفلح في تهديد الوجود الإسلامي أو اجتذاب أتباع مسلمين على الرغم من الأموال الوفيرة التي تُنفق على هذا الغرض.
أوضاع مسلمي الأرجنتين
* بوصفك حاملاًِ للجنسية الأرجنتينية .. هل لسيادتكم أن تلقي لنا نبذة عن أوضاع المسلمين في الأرجنتين؟
الوجود الإسلامي في الأرجنتين بدأ من (140) عاماً؛ إذ بدأت الهجرات الإسلامية إليها من سوريا ولبنان وفلسطين، ولكن هذه الهجرة ما لبثت أن انقطعت عن الأرجنتين لمدة طويلة حتى تفوّق المسلمون من غير الأصول الغربية من باكستان وبنجلاديش والهند، حتى وصلت نسبتهم إلى 55 % من أعداد المسلمين هناك، يقابلهم وجود عربي بنسبة 45 %، ويعيش المسلمون في الأرجنتين والذين يبلغ تعدادهم أكثر من (700) ألف مسلم في وئام تام وكامل مع شعبها الذي يعشق العروبة، ويبدي ارتياحاً شديداً للمسلمين، وقد استفاد المسلمون هنالك من هذه الأجواء في انتزاع حقوق عديدة حتى إن الأرجنتين الدولة الوحيدة في أمريكا اللاتينية التي تعطي أجازة رسمية لمسلميها في أعياد الأضحى والفطر، وكما خصصت مصلى كبير في مطار بيونس أيرس ويمارس المسلمون شعائرهم في حرية تامة، ويشارك كبار المسؤولين في البلاد في أعيادهم، ولا توجد أي قيود على بناء مؤسسات إسلامية من مساجد ومراكز ثقافية، وقد كرّست هذه الحرية وأنجحت اندماج المسلمين في المجتمع الأرجنتيني.
* لكن هذه النبرة المتفائلة لا تلقي بالاً حول النفوذ المتنامي للوبي الصهيوني في الأرجنتين؟
قد لا يعلم الكثيرون أن اللوبي الصهيوني في الأرجنتين يُعدّ ثاني أكبر لوبي في العالم بعد اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، لكن هذا اللوبي لم ينجح في إثارة قلق مسلمي الأرجنتين لسبب قوة الجالية المسلمة هناك؛ حيث يعمل أغلب المسلمين في مؤسسات قوية كالجامعات والمراكز الاقتصادية، ويلعبون دوراً كبيراً في مجال التجارة، من ثم فاللوبي الصهيوني على الرغم من قوته لم يفلح في استعداء الدولة والشعب عليهم، ولصعوبة هذه المسألة لجأ إلى إقامة الصلات مع مسلمي الأرجنتين، وهو ما حدث أثناء أزمة الرسوم المسيئة؛ إذ صدر بيان أدان فيه مسلك الجريدة الدانمركية وإعلان وقوفه التام إلى جانب مسلمي الأرجنتين في هذه الأزمة، وأقول: إن ذلك عائد لقوة المسلمين في المجتمع الأرجنتيني واندماجهم فيه بقوة.
إقبال وشغف
* لكن هناك تقارير تشكو من ضعف الثقافة الدينية لمسلمي الأرجنتين وذوبانهم في المجتمع؟
قد يكون ذلك صحيحاً في الأجيال السابقة، لكن الأجيال الناشئة والشابة حالياً تتمتع بثقافة إسلامية واسعة، وهناك إقبال نسبي على تعلم اللغة العربية، وارتياد المراكز الإسلامية لتعلّم أحكام تلاوة القرآن، لكن المشكلة هنا أننا نفتقد لدعاة إسلاميين يجيدون اللغة الإسبانية، وأعداد كبيرة من المصاحف المترجمة لنفس اللغة، وهو أمر نحاول علاجه حالياً بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (أسيسكو) برئاسة د. عبد العزيز التويجري لعلاج هذا الأمر، كما أن (الأسيسكو) ستعقد مؤتمراً بالتعاون مع المنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية لتفعيل الوجود الإسلامي في القارة، وإنشاء المزيد من المؤسسات والمنظمات الدعوية الإسلامية في ذلك حل واقعي للمشاكل الدعوية التي تواجه مسلمي الأرجنتين خصوصاً، ومسلمي أمريكا اللاتينية عموماً، كما سيكون للمؤتمر أهداف أخرى أهمها العمل على تأهيل مديري رؤساء الجمعيات والمراكز اللاتينية للقيام بدورهم في تحسين العلاقات مع مفاتيح المجتمع وتطويرها، كما سيكون لها صدى مؤثر في وسائل الإعلام، وتعاطيها مع القضايا الإسلامية، وبث الرسالة والصورة الصحيحة عن الإسلام، ونشر الثقافة الإسلامية، والتحالف بين الحضارات.
انقطاع الصلات مع العالم الإسلامي
* وما المشكلة الأساسية –برأيك- التي يعاني منها المسلمون هناك؟
هناك مشكلة كبيرة، وتتمثل في انقطاع الصلات مع العالم الإسلامي، وعدم وجود قناة فضائية إسلامية ناطقة باللغة الإسبانية تتواصل مع مسلمي الأرجنتين وأمريكا اللاتينية، ويجد الغالبية العظمى من المسلمين صعوبة في شراء أطباق لاقطة حيث يصل سعر الواحد منها لـ (2500) دولار، هذا بالإضافة إلى أن انقطاع الهجرة العربية والإسلامية إلى الأرجنتين منذ عقود عديدة، مما أوجد نوعاً من القطيعة بين الجالية المسلمة هناك والعالم الإسلامي، من ثم فأعتقد أن وجود قناة فضائية إسلامية أصبح أمراً ضرورياً بالنسبة لمسلمي أمريكا اللاتينية.
* كيف تعاطى مسلمو القارة مع أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم؟
لقد أخذ التحرك الإسلامي إزاء هذه الأزمة بُعدين إيجابيين: الأول اندلاع المظاهرات في العشرات من دول أمريكا اللاتينية ودعوة الكثير من الفعاليات إلى نصرة النبي بمقاطعة السلع والمنتجات الدانمركية والنرويجية، وعقدت المنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية والتي تضم (31) دولة برقيات إلى وزارة الخارجية تحتج فيها بشدة على هذه الجريمة، ونجح المسلمون هناك في اجتذاب تأييد عديد من الطوائف المسيحية واليهودية التي شاركت في هذه التظاهرات، وأعربت عن تضامنها الشديد مع المسلمين.
* عانت الأرجنتين في السنوات الأخيرة من أزمة اقتصادية .. هل أثّر ذلك على الجالية المسلمة؟
بالطبع نعم، لكن هذا التأثير لم يكن بالحجم الذي عانى منه الأرجنتينيون العاديون، بسبب الوضع الاقتصادي المتعافي الذي يتميز به أبناء الجالية الإسلامية، وقد تسبّبت البيروقراطية والفساد الذي حكم عمل حكومات أرجنتينية متعاقبة في إيصال البلاد إلى هذا الوضع على الرغم من أن البلاد غنية، وتمتلك ثروة لا بأس بها من نفط ويورانيوم وثروة حيوانية، ولكن من فضل الله أن البلاد قد تعافت من هذه المشكلة، وقامت بتسديد ديونها بالكامل، ولعب المسلمون دوراً كبيراً في هذا التعافي، مما ساهم في تحسين صورتهم في المجتمع الأرجنتيني.
الاسلام اليوم
مسلمو الأرجنتين .. والتفاعل الناجح مع المجتمع
