في ثمانينيات القرن الماضي وفي عام 1989 بالتحديد ذاع صوت شاب يحسن قراءة القرآن في الصلاة في جامع الآداب الإسلامية فأردت أن استمع لهذا الصوت أنصت له فصليت خلفه في صلاة التراويح وذكرتني قراءته بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحسن صوتا من إذا سمعتموه حسبتموه يخشى الله ) ودفعني الفضول أن أتعرف عليه وإذا به يوسف الحسان الطالب في كلية الشريعة المرحلة الرابعة وإذا بأخيه إبراهيم الحسان معه يسلم علي الذي كان معي في الشعبة نفسها في المرحلة الأولى في الكلية نفسها.
بدأت هذه العلاقة من هذا اليوم وتوثقت لما كان يتحلى به من سمت العلماء والصالحين وحفظ أقوالهم مع صغر سنه وإذا به قد تابع دروسه عند علماء العراق ومشايخهم منهم الشيخ مصطفى النقشبندي في شمال العراق يشد له الرحال وهو ابن العشرين سنة كان يحبه الشيخ كثيرا ويقدمه على كثير من أحبابه وتلاميذه ويخصه بلقاء خاص ويبعث به إلى الصالحين من أهل البصرة وغيرهم ليدفعوا به إلى الأمام.حتى أوصى به الشيخ عند موته كما اخبرني هو رحمه الله.
واخبرني يوسف أنه لازم وتلقى العلم على يدي عالم سامراء ومفتيها الشيخ أيوب السامرائي رحمه الله في المدرسة الدينية في سامراء وكان يخصه ويسره بأسراره كما اخبرني الشيخ يوسف في آخر لقاء التقيته به في بغداد.
وكان للشيخ عبد المجيد شقلاوة كما تعارف عليه طلبة العلم في بغداد الأثر الواضح في نضوجه العلمي فكان يلازمه في فترة العطلة الصيفية ويسهر على خدمته وينهل من علومه هو وطلبة العلم معه.
وجاءت مرحلة الشيخ الباليساني رحمه الله وأخي يوسف في كلية الشريعة فنهل من علمه وتبحره وجمعه للكلمة وصلاحه فكان يسكن قريبا منه في تلك الفترة مما ساعده على ملازمته.
وهنا دفعه مشايخه للدرس عند مفتي العراق وعلامته الشيخ المفضال عبد الكريم بيارة فلازمه ودرس عنده وأخذ من علمه وصلاحه الشيء الكثير حتى أجازه الشيخ رحمه الله بالعلوم.
وكان أخي الشيخ يوسف كلما قدم إلى بغداد مع ثلة من طلبته أخذهم إلى الشيخ رحمه الله ليجلسوا معه وينهلوا من علمه وإشراقاته.
كل هذه العناصر لعبت دورا هاما في تكوين شخصية الشيخ يوسف رحمه الله فكان عالما ورعاً أديباً عليه سمت الصالحين جامعا لكلمة المسلمين دونما تفريق بينهم على مختلف مشاربهم وطوائفهم.
رجع أخي يوسف إلى بلدته بعد تخرجه متسلحا بسلاح العلم والتقوى ليقود نهضة علمية في البصرة الفيحاء هو وأخوته فتسنموا مراكز الخطابة والوعظ والتدريس للعلوم الشرعية وهم إبراهيم ونعمة وحبيب وعلي فكان بيت الحسان شعلة وهاجة تنير الدرب في البصرة الفيحاء.
كان أخي يوسف يفخر كثيرا بالانتساب لبلدته ويفاخر فيها ويقول أنا من بلدة الصحابي الجليل أنس بن مالك نحن على نهج إمام التابعين الحسن البصري.
أكمل أخي يوسف مرحلة الماجستير والدكتوراه في بلدته في كلية الآداب قسم اللغة العربية.
كان يحرص كثيرا على فتح مدرسة دينية فيها فتحقق مراده بعد جهود مضنية ففتحت مدرسة التابعي الجليل الحسن البصري فكان مديرها أحب طلبة العلم كثيرا وقضى معهم جل وقته يعلمهم ويدرسهم ويوصل لهم العلم والأدب الذي أخذه من شيوخه.
لم يتوقف أخي يوسف عند هذا الحد فكان معطاءً فجاهد من اجل فتح قسم علمي لكلية الإمام الأعظم في البصرة وتحقق مراده فكان رئيسا لقسم الدعوة والخطابة والفكر فيها.
وكم كان يعجبني ونحن نجلس في مجلس الكلية لمناقشة أمور الطلبة كان يحمل هم طلبته في البصرة ويقول لنا نحن في البصرة في الساتر الأمامي فلا تضيعونا.
جاء الاحتلال البغيض فزاد هما لأخي يوسف مع همه ومسؤولية أكبر فاتصل بي بعد الاحتلال بأيام قليلة ماذا نعمل فدعوته للحضور لأمر هام بداية تشكيل هيئة علماء المسلمين في العراق أفرادا قلائل حملوا همّ العراق فكان شغلهم الشاغل.
وصل يوسف الحسان وتعرف على الهيئة وبرامجها فقال قولته المشهورة: (لا يمثلنا إلا هيئة علماء المسلمين) فكان من روادها وحمل شعارها إلى البصرة حتى كان عضوا بارزا في أمانتها العامة ومسؤولا عن الجنوب كله يجمع الكلمة ولا يفرق وشعاره في الجنوب ((آل بيت النبي وصحبه رواقم الصدر وروافد النصر وشواهد العصر)) على هذا عاش أخي الحبيب ومن أجل هذا قتل .
كم اقترح عليه أحبابه أن يترك البصرة خوفا من يد غادرة لا يرضيها شعاره هذا وكان يقول كما اخبرني قبل استشهاده بيوم واحد إذا لم أبقَ في البصرة فمن للعراق فيها هي بلدتي عليها ولدت وعليها أموت.
كنت كلما التقيته ذكرني بالله ومن عبارته التي ينقلها دائما عن الشيخ الرفاعي رحمه الله : (إذا أردت أن لا تعزل فلا تتول منصبا)) وغيرها الكثير وكان يخصني برؤى يراها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن متابعته للصالحين في زماننا قد التقاهم كم كنا نتدارس موضوع خطبة الجمعة سوية في كل أسبوع فآخذ منه الكثير الكثير.
وفي آخر لقاء لي معه قبل استشهاده كنت قد جلبت له معي هدية جبة يلبسها في خطبة الجمعة ولم أخبره بذلك وعندما شاهدني قال لي -وكنت أرتدي جبة شبيهة بالتي قد جلبتها له- قال لي فهمي هل تصلح لي هذه الجبة فقلت له فرحا لقد جلبت لك واحدة مثلها ففرح كثيرا ولبسها وقال لي ستشاهدني اخطب بها هذا الأسبوع.. ولكن قبل صلاة الجمعة وهو يتوجه إلى الجامع الكبير في البصرة امتدت له يد الغدر والخيانة فأردته شهيدا.
وعندما عدت من صلاة الجمعة وصلني الخبر الشيخ الدكتور يوسف الحسان قتل فقلت بعد ما أمرنا الله به أن نقول هنيئا لك الشهادة يا يوسف أنت تستحق ذلك فلطالما دعوت الله أن تنال هذه المنزلة وشلت يد قتلتك.
وأقول لك أخي الحبيب سلم لنا على ركب الشهداء وأوصل لنا السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبلغه إنا في هيئة علماء المسلمين في العراق على العهد باقون وإن موعدنا الجنة إن شاء الله.
جريدة البصائر
((وا أسفا على يوسف)).. د. فهمي القزاز
