حقاً إنها مرحلة حاسمة من تأريخ العراق يؤرخ فيها للجميع، مصلحين ومفسدين، مخلصين لقضية وطنهم وخائنين لها، مخدوعين بألاعيب السياسة وخادعين لأنفسهم، صابرين ومحتسبين ومرجفين هلعين خائفين لا يتركون حجراً إلا قلبوه ولا مجلساً إلا غشوه بخيلهم ورجلهم:
أن هلمّوا إلى ساح الخضوع والخنوع وكفانا إباءً وشموخاً ورفعة وعزة، وحسبنا أن (نلقم) صباحاً وظهراً وعشياً، ونسهر مساءً على ما يسره المحتل من خنىً وعُهر سياسي..
وهكذا يؤرخ التأريخ بمداد الدم هذه المرة لا بمداد القلم.. فيسقط مضرجاً بدمه من أدمى يديه في خدمة المحتل وأفنى جهده في (التمكين) له في أرض آبائه وأجداده التي دفعوا في سبيل طهرها ونقائها وعفتها دماءً زكية لا زالت أرض (الشعيبة) في البصرة الفيحاء تذكرها حتى هذه الساعة وتذكِّر بها المحتل البريطاني نفسه، فيؤَرخ لهذا (المضرج) بالعار (دنيا) والخزي (آخرة).
وهنا يأتي فيصل الموقف، فيؤرخ التأريخ بالدم نفسه (الأحمر القاني) لرجال أبوا أن تراق نقطة عرق واحدة من جباههم خجلاً أمام الله تعالى من موقف (تهاون) أو (خضوع) أو (تذلل) أو (تصاغر) أمام المحتل ومصائده التي نصبها فسقط فيها من سقط.. فيذهبون إلى حيث أراد الله لهم من عز في (دنيا الناس) وكرامة عند (رب الناس).
وهكذا يؤرخ دم الشيخ الشهيد سليل مدرسة الحسن البصري الدكتور يوسف الحسان لهذه المرحلة الحساسة من تأريخ البصرة وأهلها بل العراق كله، ويسجل موقف شرف (له) و(لعائلته) و(لعشيرته) و(لمدرسته) و(لكليته) و(لهيئته) و(لمدينته) و(لبلده) فيفخر بها جميع هؤلاء وينزوي في جحور التأريخ وزواياه الخربة من تجرأ عليه وأطلق الرصاصات الغادرة نحوه، فمهما جنى هذا (النكرة) ومن (خلفه) من مصالح زائلة يتوهمونها، فان (أخي) يوسف قد جنى كنزاً لو علموا مدى فرحه به ورضاه عنه لما أقدموا على فعلتهم الجبانة الغادرة هذه.
وعهدنا بالبصرة الفيحاء أنها لن تبخل علينا (بيوسف) و(إخوانه) وستردهم إلينا رداً جميلاً وما ذلك على الله بعزيز.
عندما يؤرخ دم (يوسف) للمرحلة.. كلمة البصائر
