هيئة علماء المسلمين في العراق

الأمان المفقود في العراق الجريح / عبد المنعم البزاز
الأمان المفقود في العراق الجريح / عبد المنعم البزاز الأمان المفقود في العراق الجريح / عبد المنعم البزاز

الأمان المفقود في العراق الجريح / عبد المنعم البزاز

يعتقد الانسان بفطرته أن المسجد أو أي مكان للعبادة بصورة عامة هو من الأماكن الآمنة في كل زمان ومكان؛ لِما له من قدسية في نفوس الناس جميعا والمسلمين على وجه الخصوص، وحتى لو ارتكب الانسان جرما ودخل المسجد ليحتمي به فلا يعتدى عليه طالما أنه ماكث فيه؛ لِما حباه الله تعالى من خصوصية في الأرض. ولكن يبدو أن هذا الأمر لا أثر له في أرض العراق ولا سيما في زمن الديمقراطية الجديدة التي جاء بها المحتلون الغزاة والمتحالفون معه، حيث لم يعد هناك مكان آمن في هذا البلد حتى المساجد التي تأوي بين جنباتها المصلين وهم راكعون أو ساجدون يناجون ربهم ويتضرعون إليه آناء الليل وأطراف النهار.

لقد حدثت بالأمس القريب وفي جامع (مصعب بن عمير) بمنطقة حمرين من محافظة ديالى جريمة وحشية قُتل فيها وبدم بارد أكثر من (70) مصليا، بينهم أطفال ونساء، حيث أُزهقت تلك الأرواح بغير سبب، ولو حدثت هذه الجريمة النكراء في بلد آخر لقامت الدنيا ولم تقعد، لكنه في العراق سيكتفى بتشكيل لجنة تحقيقة ثم يبدأ تسويف القضية كسابقاتها حتى تطوى صفحاتها وتهمل أوراقها على الرفوف.

لم يعد هناك أمان ولا مكان آمن  في العراق كما قلت لا من حيث مدلول الكلمة ولا من حيث واقعها على الأرض فالعراقيون يسمعون بها ولا يرونها، وبات من يخرج من بيته أو مدرسته أو مكان عمله يضع أمام عينيه الخطف والقتل الخ، وبالتالي سيترك وراءه صبية ينتظرون قدومه وربما ينتظرون وينتظرون وينتظرون.
كنا نسمع أو نقرأ قديما عن وحشية بعض الأقوام المتخلفة وهي تتلذذ بالقتل أو بأكل لحوم البشر، أما في القرن الحادي والعشرين فلم يتصور المرء أن يرى بأم عينيه ومن خلال شاشات التلفزة جماعات تنتمي إلى البشر ترتكب أفعال قرون ما قبل التاريخ، فهل يعقل ما وصل إليه البعض من هذه الهمجية وفقدان القيم الانسانية ليتلذذوا بدماء الأبرياء في المساجد والشوارع والأسواق وغيرها ؟ فأي سادية هذه وأي وحشية يحمل هؤلاء القتلة المجرمون.

إن ما ينبغي بحثه الآن أو الوقوف عند حيثياته هو أن نتساءل هل حقا وصل الانسان وهو في القرن الحادي والعشرين إلى أن يتلذذ بالقتل وربما تكون جريمة التلذذ بالقتل لا تقل إثما عن جريمة القتل ذاتها التي باتت أمرا هيّنا عند البعض، فلا تردعهم حرمة الزمان ولا حرمة المكان ولا حرمة الانسان الذي أخبر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن دم المسلم أعظم حرمة من الكعبة الشريفة،

ورغم كل هذه الجراح والمآسي لا زال البعض يعتقد أن الأمور يمكن إصلاحها من خلال العملية السياسية الحالية التي جاءت بكل هذه الشرور والمآسي منذ الاحتلال البغيض وحتى يومنا هذا.

فهل يا ترى سنعي الدرس؟ أم أننا سنفعل مثل كل مرة نناشد وننفعل يوما أو شهرا ثم ننسى أمواتنا ودماءنا وضحايانا وكأن شيئا لم يكن ونعود أدراج الرياح كما فعلنا من قبل، أم أن الأمر مختلف هذه المرة، هذا ما سيظهر في قابل الأيام التي ستكون فيصلا يتميز بها الصادق من الكاذب، والمتاجر من الغيور على أهله وبلده.

لقد كُتب الكثير وربما بحّت الحناجر من الكلمات والنداءات التي باتت لا تُسمن ولا تغني من جوع، وهنا يصدق قول الشاعر       

لقد أسمعت لو ناديت حيا            ولكن لا حياة لمن تنادي
فلو أن نارا نفخت بها            أضاءت  ولكنك تنفخ في الرماد

إن أخطر ما تمر به الشعوب والأمم اليوم هو فقدان الإحساس والضمير ازاء الآخرين وعدم احترام دمائهم وحياتهم وأموالهم وذممهم، إلى الحد الذي أصبحت فيه السادية المظلمة هي المتحكمة بعقول وتصرفات بعض البشر لا يوقفها وازع ديني أو أخلاقي ولا حتى انساني، وفقدت البوصلة التي تتحكم بالعقل والمنطق الذي تستقيم فيه الأمور وقانون الحياة كما أراد الله عزو جل لهذا الانسان الذي كرمه حيا وميتا وجعله خليفة في الأرض.

إن العالم والمجتمع الدولي اليوم على محك حقيقي في تعامله مع دماء الأبرياء العراقيين التي ما زالت تسفك منذ ابتلائهم بالاحتلال السافر وحكوماته الفاشلة، فلا يمكن القبول بسياسة التمييز بين بني البشر، والتعامل بازدواجية المعايير ازاء المشكلات والأزمات التي يمر بها هذا البلد الجريح

أضف تعليق