يحذف الفاعل في علم النحو لأغراض لفظية ومعنوية، وينوب عنه واحد من أربعة أمور عند جمهور النحاة، وهي:
المفعول به وهو أولى الأنواع في نيابة الفاعل، نحو قوله تعالى: ((وخلق الإنسان ضعيفاً)) (النساء:28)، ونحو قريء الكتاب، أو المصدر المختص المتصرف، نحو قوله تعالى: ((فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة)) (الحاقة: 13) ونحو: ضُرِبَ ضربٌ شديدٌ.
ويشترط عند النحاة في المصدر أن يكون مختصاً في حالة نيابته عن الفاعل، ومن أجل ذلك منعوا نيابة المصدر إذا كان مؤكداً، وكذا لا يجوز في علم العربية أن يكون المصدر أو اسمه نائباً عن الفاعل، وهو ملازم للمصدرية، نحو (سبحان) و (معاذ)، فلا يقال: (يسبَّحُ سبحانُ الله)، ولا يجوز أيضاً (يعاذُ معاذُ الله)، ومما يصلح في نيابة الفاعل الظرف بنوعيه الزماني والمكاني إذا كانا مختصين ومتصرفين أيضاً، نحو (قيمَ يوم الجمعة) و (صيم زمنٌ طويل) (واعتكف مكان واسعٌ)، ومن أجل ذلك منع النحاة نيابة الظرف الزماني والمكاني غير المتصرف نحو (إذا)، و (قطُ)، و (لدى)، و(عند)؛ لأن هذه الألفاظ ملازمة للظرفية، ولذا يمتنع أن يقال: (يُجاءُ إذا جاء أخوك)، ونقل عن أبي الحسن سعيد بن مسعدة الشهير بالأخفش الأوسط جواز إقامة الظرف غير المتصرف، فيجوز عنده أن يقال: (أقيمَ عندك)، و (جُلِسَ ثَمَّ –بفتح الثاء-)، ومذهب الأخفش هذا ضعفه ابن مالك. (ينظر: المقاصد الشافية: 3/36).
وأما نيابة الجار والمجرور عن الفاعل فالصالح من ذلك بشروط، ومنها ان يكون حرف الجر فيه مما لا يلزم وجهاً واحداً في الاستعمال النحوي، وذلك نحو (الباء)، و (اللام)، و(من)، و(إلى)، و(عن)، و(على)، و(في)، ولا يجوز ما يلزم فيه حرف الجر وجهاً نحوياً واحداً كحرف الجر (مذ)، و(منذ) الملازمين للمجرور الزماني، و(رُبَّ) الملازمة للنكرات الموصوفة، و(الكاف) الملازمة للمجرور الاسمي الظاهر، أو كان حرف الجر خاصاً بالقسم، أو الاستثناء، نحو: (خلا)، و(عدا)، و(حاشا). (ينظر: شرح الكافية الشافية: 2/608).
ومما ينبغي التنبيه إليه أن جمهور النحاة يذهبون إلى جواز مجيء الجار والمجرور في نيابته عن الفاعل، ولم يخالف في ذلك سوى ابن درستويه، والسهيلي، وتلميذه أبي علي الرندي، وقدروا نائب الفاعل ضميراً مستتراً للمصدر المفهوم من الفعل. (ينظر: شرح التصريح: 1/287).
واستدل المانعون على عدم إقامة الجار والمجرور في نيابة الفاعل بالأدلة الآتية:
الأول: أن نائب الفاعل إذا تقدم كان إعرابه مبتدأ كما أن الفاعل في حالة تقدمه على فعله يعرب مبتدأ، والقائلون بجواز ذلك لا يجيزون إعرابه مبتدأ في نحو: (بزيدٍ سِيرَ).
والثاني: أن النائب عن الفاعل من الجار والمجرور لا يتبع على المحل، فلا يقال: (سير بزيدٍ العاقل).
والثالث: أن الفعل المبني للمجهول لا يؤنث لتأنيث فاعله في نحو قولنا: (سير بهندٍ)، ولا نحو: (جُلِستْ في الدار).
وردَّ النحاة على هذه الاستدلالات المتقدمة بالمسموع عن العرب؛ وذلك أن العرب قال: (سير بزيدٍ سيراً)، فدلّ ذلك على أن القائم مقام الفاعل إذا قدّم كان إعرابه مبتدأ، فيقال في الجواب عنه: إن المبتدأ هو المجرد عن العوامل اللفظية ومثال (بزيدٍ) في (بزيد سير) ليس كذلك إذ وجود الباء الجارة يمنع إعرابه مبتدأ لهذا السبب تحديداً وتعييناً.
وأما الاستدلال بالمنع بسبب كونه لا يتبع على المحل فالجواب عنه أن المانع من الاتباع له على المحل هو لأن هذا الموضع لا يجوز أن يلفظ به أصلاً، فلا يقال: (سير زيد)، وما كان كذلك لا يراعى محله، وقد نصّ النحاة على أنه لا يجوز أن يقال: (مررتُ بزيدٍ الظريفَ)؛ لأنه لا يجوز أن يقال: (مررتُ زيداً). (ينظر: التمهيد: 3/1621).
وأما الاستدلال بأن الفعل المبني للمفعول لا يؤنث لتأنيث فاعله في جملة (سير بهندٍ)، فالجواب عنه أن هذا ليس السبب في المنع؛ لأنه يمتنع أيضاً في جملة (كفى بهندٍ فاضلةً) فهند فاعل للفعل كفى، والباء زائدة، ولم يؤنث بذلك الفعل فما كان جواباً عن هذا يكون جواباً عن ذاك. (ينظر: التمهيد: 4/1622).
وذهب بعض النحويين في باب نيابة الجار والمجرور عن الفاعل إلى اشتراط عدم جواز كون حرف الجر مفيداً للتعليل، نحو: (اللام) و(من) و(في)، فلا يقال عندئذٍ جيء للسمن.
وذهب آخرون إلى جواز ذلك محتجين على ذلك بقول الشاعر الفرزدق في مدح زين العابدين –رحمه الله تعالى-:
يُفضي حياءً ويُفضى من مهابته *********** فلا يُكلَّمُ إلا حينَ يبتسمُ
(ينظر: ديوان الفرزدق: 2/197).
ومن يمنع ذلك يقدر في البيت النائب عن الفاعل ضميراً مستتراً عائداً على مصدر الفعل المفهوم، وهو الإغضاء، ولا ريب أن الإعراب الذي يخلو من التقدير هو أرجح ممن يحتاج إليه.
نيابة الجار والمجرور عن الفاعل في العربية / د. عمر مكي
