حلقة اخرى من من مسلسل التدمير اليومي الذي يتعرض له بلدنا العراق وهذه المرة يكون التدمير ليس من النوع الذي يطال البنى التحتية للدولة العراقية من مؤسسات ومنشآت ومنازل واسواق بسبب الاعمال الحربية التي تقوم بها قوات
الاحتلال في مدن العراق . بل هو من نوع التدمير الذي يطال ثقافة العراق وعقول ابنائه .
لقد دمر المحتل منذ دخوله العراق مؤسسات الدولة العراقية منها المدنية والعسكرية ، فحل مؤسسات الجيش العراقي وتمت تصفية افراده ثم هيمن على مقاليد القضاء وعطل فعاليته ثم قام بتفريغ المؤسسات العلمية من عقول الابداع مابين تصفية او ابعاد وليس الكهرباء والماء والطاقة بعيدة عن هذا التدمير .
وما مسلسل استهداف الاطباء في العراق ومنهم اطباء الموصل الحدباء بمنأى عن هذا التدمير اذ يعاني الاطباء في مدينة الموصل وكذلك الصيادلة من ظاهرة التصفية الجسدية والتهديد لهم لدفعهم الى ترك المدينة ومغادرتها الى مناطق اخرى ولالقاء المزيد من الضوء على هذه الظاهرة الخطيرة التقينا الدكتور محمود الحاج قاسم رئيس نقابة الاطباء فرع نينوى.
*البصائر : دكتور بوصفكم رئيسا لنقابة الاطباء في نينوى هل يمكن ان تكشف عن اسباب تفشي هذه الظاهرة الخطيرة وماهي الاجراءات التي ترونها مناسبة للحد من هذه الظاهرة؟
- كثرت في الآونة الاخيرة حالات اختطاف واغتيال الاطباء واطباء الاسنان والصيادلة ، كان اخرها اغتيال طبيبين وصيدلانيا خلال الاسبوعين الماضيين ، ففي الوقت الذي يبذل الاطباء والصيادلة قصارى جهدهم ويسهرون الليالي من اجل راحة المرضى ، تقوم العصابات بارهابهم لغايات مختلفة . بدءاً بالابتزاز وانتهاء بالخطف او بالقتل او اجبارهم على مغادرة البلد الى اماكن اخرى في العراق او خارج العراق.
وحسب الاحصائية التي قمنا بها مع الزملاء كان مجموع الاطباء الذين هاجروا من الموصل خلال 3 سنوات فقط (منذ اذار 2003 ولغاية اذار 2006) (من ملاك الصحة وملاك الكلية) بعد الاحتلال هو (66 طبيبا وطبيبة) ، أي بمعدل (22 طبيباً وطبيبة في السنة) . عدا الاطباء الجدد (وهم كثر) الذين هاجروا قبل ان يداوموا حيث لم يدخلوا في الاحصاء.
اما في الفترة التي تلت ذلك فقد زاد عدد الذين غادروا الموصل بشكل مذهل حيث يقدر عددهم خلال الشهرين الماضيين اكثر من ثلاثين طبيبا من اختصاصات نادرة.
وهذا يعني ان مجموع من تركوا الموصل من الاطباء فاق المائة ، ويقرب من هذا الرقم اطباء الاسنان والصيادلة.
اما عدد من اغتيلوا من الاطباء خلال المدة نفسها فقد بلغ 11 طبيبا وطبيبة ، ورقم قريب من ذلك من الصيادلة واطباء الاسنان .
وان وراء هجرة الاطباء والصيادلة اسباب يمكن اجمالها بما يلي
*فقدان الامن والفوضى العارمة التي عمت في طول البلاد وعرضها ونتج عنها:
أ.خطف الطبيب او احد اولاده للابتزاز ، وفي حالة الامتثال للفدية المطلوبة ينتهي الخطف بالقتل.
ب.القتل العشوائي : نتيجة اطلاق النار العشوائي من قبل قوات الاحتلال.
ج.القتل للارهاب او القتل المتعمد من قبل عناصر او عصابات منظمة ومجهولة بغية ارهابه وارهاب البقية للهجرة ومغادرة الموصل .
*الاعتقالات غير القانونية للكثير من الاشخاص ، والمداهمات العشوائية للبيوت وانتهاك حرماتها.
*تدمير البنية التحتية للبلد نتيجة الاحتلال ، والذي ادى ذلك الى تلوث البيئة وانحطاط مستوى الخدمات العامة ( الكهرباء ، الماء ، وسائل النظافة ، وسائط النقل ، المتنزهات ، وزيادة اسعار البنزين وبقية المنتجات النفطية الضرورية) .
*عدم الاستقرار السياسي ، والتهميش العرقي والاثني والسياسي ، وسوء وفساد الادارة في جميع المرافق الحكومية.
واخيرا وليس آخرا نقول ان ما تقوم به هذه العصابات ادى كما ذكرنا الى هجرة العديد من الاطباء من ذوي الكفاءات النادرة وافراغ البلد من الاخصائيين في فروع الطب المختلفة والعلوم الصيدلانية ، واذا لم نوقف نزيف العقول سيأتي يوم نتحسر عليهم وسوف لانجد من يقوم بمعالجة المرضى وعندها لاينفع الندم.
اعلان غلق العيادات والصيدليات والغاية من ذلك:
كل هذه الامور والاحداث التي ذكرناها دفعت الكثير من اعضاء المهن الطبية الضغط على مجالس فروع النقابات للقيام بعمل شيء لاسماع اصواتهم للناس والمسؤولين
وعلى اثر ذلك اصدرت فروع النقابات الطبية (الاطباء ، اطباء الاسنان ، الصيادلة) في نينوى اعلانا دعت فيه كافة اعضائها لغلق العيادات الطبية والصيدليات الخاصة لمدة خمسة ايام اعتبارا من يوم الاحد (21-5-2006) تضامنا مع ضحايا المهنة وعسى ان يرعوي من يقوم بهذه الاعمال الاجرامية ودعت المواطنين للتضامن معهم .
وان ما كنا نبغيه من وراء هذا القرار هو:
*اسماع صوت الاطباء والصيادلة للمجتمع كافة ، وتبيان الضيم الحاصل ضدهم وفداحة ما يتعرضون له من تهديد وابتزاز وتهجير وخطف وقتل.
* حماية المواطن ، لان وجود الطبيب سالما يقوم بمعالجة المرضى هو حماية لهم ، وهذا يعني ان يؤمن المواطن ايمانا جازما بان الطبيب والصيدلي عناصر مهمة في المجتمع يستوجب على الجميع حمايتهم والدفاع عنهم ، لا ان يقتل الطبيب امام انظار جيرانه في العيادة دون ان يحرك احدهم ساكنا للدفاع عنه والحيلولة دون قتله
*لم نصدر هذا القرار ضد السلطة التنفيذية وغير التنفيذية ، وانما توخينا فيه ان يكون صرخة احتجاج ضد المجرمين القائمين على هذه الاعمال الشريرة.
*قصدنا بالاعلان تذكير المسؤولين في هذه المدينة وتحفيزهم الى ضرورة بذل كل الطاقات في سبيل حماية هذه الشرائح المهمة من شرائح المجتمع قبل ان يفرغ البلد منهم وقبل ان يأتي اليوم الذي لا يجدون فيه من يعالجهم.
وهنا لابد من الاشارة الى انه لم يشمل القرار المستشفيات والعيادات الحكومية بل بقي فيها الدوام مستمرا بشكل طبيعي وذلك لكي لايحدث احراج بالنسبة للمواطنين في الحالات الطارئة ، حيث يمكنهم معالجة مرضاهم فيها في أي وقت يشاؤون.
وقد ارسلنا نسخا من الاعلان للمسؤولين ، وكذلك الفضائيات قبل الموعد بيومين لكي يتهيأ الجميع.
- البصائر : ما اسباب هذه الحملة الشرسة ضد الكوادر الطبية؟
*ان وراء استهداف الكوادر الطبية لعمليات التهديد والابتزاز والخطف والقتل اكثر من غيرهم اسباب عديدة منها:
*باعتبار اغلب الكوادر الطبية لديهم دخل مادي جيد مما يدفع افراد العصابات لابتزازهم اكثر من بقية المهن ، علما بانه هناك بعض اصحاب المهن الاخرى دخلهم اضعاف دخل الاطباء والصيادلة.
*لان الاطباء والصيادلة يحتاجون لراحة البال ومسالمون فعندما يتعرض احدهم لتهديد يلبي مطالب الخاطفين لكي يتفرغ لاعماله وحياته المهنية من دون منغصات.
*وهناك لبعض الخاطفين غايات اخرى منها ارهاب الكوادر الطبية لاجبارهم على مغادرة المدينة واستقطابهم والاستفادة من كفاءاتهم في اماكن اخرى من العراق او في الغرب.
*كما وان غاية البعض الآخر من الخاطفين هو افراغ المدينة من العقول المفكرة والاختصاصات الطبية النادرة لارجاع البلد الى عصور التخلف.
*واخيرا هناك عصابات مدفوعة من جهات نجهلها غايتها القتل من اجل خلق جو من الفوضى وفقدان الامن.
ونسأل الله ان يجنب العراق كل فئة عمياء تريد النيل من العراق ووحدته وان يدفع عنا مصيبة الاحتلال ليتعافى العراق واهله من الجراح التي اصابته من جراء الغزو.
اغتيال وهجرة الأطباء من الموصل حلقة من حلقات التدمير اليومي للكوادر العلمية في العراق -عبد الله المو
