في كل مرة تطل علينا ما يسمى بالنخب السياسية السنية بمصطلحات جديدة، فقبل سنوات عدة تأسست الصحوات كمشروع ظاهره محاربة (الإرهاب) وباطنه خدمة المحتل وأعوانه، مع أن الإرهاب لم يعرفه العراق إلا بعد دخول المحتل وأذنابه، واليوم يراد إعادة تشكيل صحوات بمسميات جديدة كالكتائب أو ما شابه ذلك، تتعدد الأسماء والهدف والفعل واحد.
يا ترى ما المغزى من تغيير اسم الصحوات إلى اسم آخر، أليس فيه دلالة واضحة على أن الصحوات كانت مؤامرة لطعن المقاومة في ظهرها؟ ولم تكن مقبولة في مناطقها التي تأسست فيها، من خلال ما شاهدوه من أفعال وما جنوه من ثمار بائسة أقلها أنها تركتهم فريسة سهلة للميليشيات الطائفية ولم تقم تلك الصحوات بواجبها الذي زعم مؤسسوها انها تشكلت لأجلها وهي حماية أهلهم ومناطقهم.
إن مما يصعب إدراكه اليوم أن الساسة الجدد لم يتعظوا بما سبق من تجربة جنى ثمارها المحتل وحكوماته المتعاقبة، ثم تم الاستغناء عن الصحوات كما يفعل بما لا يصلح إلا للاستخدام مرة واحدة، ألم يفكر الساسة السنة بأن المستفيد من الصحوات الأولى هو الاحتلال والمسؤولين في حكوماته المتعاقبة، الذين رموهم في السجون أو اغتالوهم في وضح النهار بعد أن نفذوا المهمات التي أُسندت إليهم.
يبدو ان المصالح الشخصية لساسة العراق الجدد والمغانم التي وفرتها لهم العملية السياسية الحالية تجعلهم لا يفكرون إلا بأنفسهم وبمصالحهم الضيقة على حساب كرامة ودماء الشعب الجريح، ففي الوقت الذي يعاني فيه العراقيون من قتل وتهجير واعتقال والعيش بمخيمات تفتقد إلى أدنى مقومات الحياة تحت لهيب الشمس المحرقة، يتنعم ساسة العراق الجدد وعوائلهم بالعيش الرغيد سواء داخل العراق أو خارجه وكأن الأمر لا يعنيهم.
وفي ظل الأوضاع المتسارعة هناك ثمة تساؤل آخر يطرح نفسه هو: ألم يدّعي الذين أسسوا الصحوات إنها جاءت من أجل الدفاع عن أهلهم وديارهم وممتلكاتهم؟ فأين تلك الصحوات عندما عاثت الميليشيات الطائفية تقتل وتهجر وتنتهك الحرمات وتعتدي في وضح النهار على النساء والرجال والأطفال وتسرق الأموال؟، لقد كان الأجدر بالذين يدعون الى تأسيس صحوات جديدة أن يفكروا أولا بمصير الذين تقطعت بهم السبل وتركوا يكابدون العيش في العراء، حيث لا معين ولا مغيث لهم إلا الله سبحانه وتعالى في زمن تكالب فيه الأعداء على أبناء هذا البلد الجريح.
لم يعد في القوس من منزع لان الأمور قد وصلت ذروتها بالرغم من المشهد المسرحي الجديد الذي طرأ بالأمس من خلال تنازل السابق للاحق عن رئاسة الوزراء، ولم تعد تجدي نفعا - أمام آهات الثكالى والمهجرين والأيتام والقصف بالبراميل المتفجرة على المدنيين- كل محاولات الترقيع أو إصلاح العملية السياسية فهي أساس كل ما يجري علينا ولم يعد يقبل الناس بالكلام المعسول في الإعلام أو وعود تذهب أدراج الرياح كلما تقادم عليها الزمن كما حدث سابقا.
وبعد كل هذه الجراح والمعاناة، يجب على العراقيين ان يدركوا حقيقة الأمور وما يجري خلف الكواليس وفي الغرف المظلمة من بيع وشراء للذمم من أجل مناصب زائلة أو حفنة مال لا تعدل قطرة دم انسان بريء يموت جوعا أو يقتل في زمن الديمقراطية الجديدة!!؟؟، وعلى الحليم أن يدرك بأن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، والعيب كل العيب أن يتكرر الخطأ ولم تتعظ بما سبق من تجارب مريرة خلال العملية السياسية البائسة.
لقد وعى الشعب العراقي بأن زمن التجارب قد ولّى وأن العراقيين لن تخدعهم الكلمات الرقيقة والمعسولة ولن تجدي معهم نفعا الوعود الكاذبة، لأن تأسيس صحوات جديدة لن تختلف عن سابقتها، وسيجني ثمارها أرباب العملية السياسية الحالية كما سبق حفاظا على مغانمهم ومناصبهم التي اعتلوها في غفلة من الزمن.
صحوات أم مؤامرات / عبد المنعم البزاز
