هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق: جرائم الاحتلال الامريكي تستهدف الجميع- هيفاء زنكنة
العراق: جرائم الاحتلال الامريكي تستهدف الجميع- هيفاء زنكنة العراق: جرائم الاحتلال الامريكي تستهدف الجميع- هيفاء زنكنة

العراق: جرائم الاحتلال الامريكي تستهدف الجميع- هيفاء زنكنة

قرأت منذ يومين خبرا مضحكا مبكيا. نص الخبر الذي تناقلته وكالات الانباء هو: (هدد وزير التجارة العراقي عبد الفلاح السوداني باعادة النظر في الاتفاقات التجارية مع أستراليا، بعد ان أطلق حراس أمن أستراليون النار علي موكبه يوم 21 حزيران (يونيو) فقتلوا أحد حراسه. وافاد المتحدث باسم الوزارة محمد حنون، ان الوزير يحمل الحكومة الاسترالية مسؤولية الحادث ويطالبها بتقديم اعتذار رسمي ودفع تعويضات). الخبر مبك لان قوات الاحتلال متعددة الجنسيات ومعها المرتزقة او ما يسمي بالحراس الامنيين تواصل، يوميا، رش الموت في وطننا بدون ان تقوم الحكومة العراقية المنتخبة افتراضا بأي فعل حقيقي لوضع حد لذلك.

من ناحية ثانية، الخبر مضحك لما ترتب علي الحادث من مطالبة وتهديد. فقد قام الوزير وبمجرد تعرض موكبه الشخصي الي اطلاق النار الي اولا تحميل الحكومة الاسترالية المسؤولية. ثانيا مطالبتها بالاعتذار. ثالثا دفع التعويضات ورابعا التهديد باعادة النظر في الاتفاقات التجارية ما بين البلدين.

يتبين لنا من قراءة الخبر بأن اعلان موقف واضح وصريح من انتهاكات وجرائم قوات الاحتلال من قبل وزراء ومسؤولي (الحكومة العراقية) هي مسألة شخصية بحتة متروكة لكل وزير ومسؤول علي حدة يتخذ منها موقفا ايجابيا او سلبيا اذا ما حدث ومسته شخصيا فقط. ولاعلاقة للوزير او المسؤول، وهو المنتخب افتراضا، بما يجري لابناء الشعب، يوميا من قبل القوات ذاتها، وان زادت علي ما تعرض له شخصيا مئات المرات. لذلك لم يشر الوزير الي وجود قوات الاحتلال وتمتعها بالحصانة الكلية من المساءلة امام القانون العراقي المدني والجنائي مهما ارتكبت من جرائم وانتهاكات بحق أهلنا. بل وتناسي بان حكومته قد طلبت، حال تشكيلها، تمديد دعوة (القوات متعددة الجنسيات ومرتزقتها ) الي البقاء في العراق.

ثم نستنتج، وهنا لب الملهاة، بان وزير التجارة، ومن خلال تهديده باعادة النظر في العلاقات التجارية مع استراليا، يتصرف وكأن وزارة التجارة ملك شخصيا له، أو حديقة ملحقة ببيته. وكأنه ليس وزيرا في حكومة ذات برنامج سياسي أعلنه رئيس وزرائه عند تشكيل الوزارة، وكأن المعاهدات التجارية التي تربط ما بين حكومتين تخضع للحظات غضب الوزير الشخصية وليس للسياسة العامة للدولة او الحكومة.

هذه الحادثة التي تمنحنا مثالا علي مصداقية تمثيل حكومة الاحتلال لمصالح المواطن والحرص علي حياته، تعيد الي اذهاننا، حدثا مشابها وقع في ظل الحكومة السابقة. حين (احتج سمير الصميدعي، سفير العراق في الامم المتحدة، بشدة في رسالة الكترونية بعث بها الي زملائه في الامم المتحدة وحصلت وكالة فرانس برس علي نسخة منها علي مقتل ابن عمه محمد الصميدعي برصاص المارينز الامريكيين في قريته في بلدة حديثة بالعراق. خلال عملية تفتيش من قبل المارينز في 25 حزيران (يونيو) 2005.

واكد السفير العراقي الذي روي بالتفصيل ظروف الحادث، ان جريمة نكراء قد ارتكبت وستكون عواقبها وخيمة لأنها تسيء الي المشــروع العراقي).

وهي جريمة استنكرناها بقوة لانها واحدة من الجرائم اليومية المرتكبة بحق أهلنا جميعا بغض النظر عن معتقداتهم واديانهم واعراقهم وليس لانها جريمة قتل او اعتداء اصابتنا شخصيا وعلي الرغم من معرفتنا بان ما يتحدث عنه الصميدعي هو مشروع امريكي وليس عراقيا.

ولم نكن قد سمعنا صوت الصميدعي مستنكرا جرائم الاحتلال ومجازره وانتهاكاته في مجال حقوق الانسان قبل جريمة قتل ابن عمه، التي وصفها بانها (خيانة للشعب الامريكي الذي يقدم تضحيات غالية وخيانة للشعب العراقي وجميع الوطنيين العراقيين الذين وضعوا ثقتهم في الولايات المتحدة).

وان سارع واستعاد صمته الوقور، مباشرة، بعد ذلك ليستمر في اداء دوره المطلوب في ظل الاحتلال، متناسيا تهديداته بالعواقب الوخيمة واساءة جرائم القتل المرتكبة من قبل قوات الاحتلال الي (المشروع العراقي)!

اليوم، يحيط الوزراء والمسؤولون انفسهم بسياج الصمت المتواطئ بينما ينام أهلنا علي جريمة قتل ويصبحون علي جريمة قتل. كل واحدة منها تصيب مواطنا عراقيا يحمل اسما وتاريخا وهوية. تصيب كل واحد بشكل شخصي حين تستهدف افراد عائلته، بيته، شرفه، كرامته وعزة نفسه. اليوم، تنطلق الاصوات المستقلة الحريصة علي حقوق الانسان لتدين جرائم الاحتلال لا باعتبارها جرائم تمس شخصا واحدا حدث وان كان قريبا او حارسا لوزير بل لانه مواطن عراقي من حقه علي العالم كله ان يتمتع بكل حقوق الانسان واولها حق الحياة بعزته وكرامته.

من هذا المنطلق، وجهت خمسون منظمة وشخصية حقوقية، منذ أيام، الي الرأي العام العالمي مذكرة حول انتهاكات حقوق الانسان في العراق، منددة بمسلسل المجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال. من بينها مجزرة حديثة (غرب العراق) في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، التي راح ضحيتها نحو 24 مدنياً ً قتلوا بدم بارد علي يد القوات الامريكيــة المحتلة.

وتشير المذكرة الي (ان فضيحة الاسحاقي وحديثة وقبلها فضيحة التعذيب في سجن ابو غريب وما تردد من استخدام الفسفور الابيض المحرم دولياً وغيرها من الممارسات والاعمال المنسوبة الي القوات الامريكية تشكل اعمالاً جرمية تستحق المساءلة عن مرتكبيها ومرؤوسيهم الذين لا يمكن لهم التذرع بعدم معرفتهم او ايجاد مبررات للتغطية عليها او تبريرها او التنصل من تبعاتها، وذلك طبقا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها ووفقا لقواعد القانون الدولي الانساني.

اننا نحن الموقعين علي هذه المذكرة والنداء نناشد الرأي العام العالمي في كل مكان وجميع المنظمات الحقوقية الدولية لرفع صوتها عالياً لاستنكار هذه الجرائم والمطالبة بتقديم المرتكبين الي القضاء وكشف الحقيقة كاملة وإحقاق العدالة وندعو مجلس الامن الدولي والامم المتحدة وجميع المنظمات الدولية الي تحمّل مسؤولياتها والضغط علي الولايات المتحدة بكل الوسائل الممكنة لاحترام قواعد القانون الدولي الانساني وانهاء احتلالها للعراق وتمكين شعبه من تقرير مصيره، كما ندعو الحكومة العراقية الي تحمّل مسؤوليتها كاملة دون اية تبريرات او ذرائع ومواصلة الجهود لمطالبة القوات الامريكية بالتوقف عن ارتكاب مثل هذه الاعمال والكشف عن ملابسات هذه الجرائم وتقديم المرتكبين الي القضاء، سواءً من قوات الاحتلال او من المرتكبين الذين ينسبون الي اجهزة الشرطة والحرس الوطني والاجهزة الامنية العراقية.

لم يعد مقبولا الصمت عن هذه الجرائم، فالصمت يعني التواطؤ ولا بد من تقديم العسكريين الامريكيين الي العدالة واتخاذ اجراءات رادعة تحول دون تمكين المرتكبين من الافلات من المسؤولية الجنائية والجزاء العادل).

ولئلا يقول لنا الوزراء والمسؤولون كما فعل بوش والمالكي عندما سئلا عن مجزرة حديثة، بانهم لم يعرفا بما حدث الا من خلال اجهزة الاعلام، سأكرر، توثيقا، اسماء ضحايا الاحتلال في حديثة. في البيت الاول قتلت سبعة من عائلة عبد الحميد حسن علي وهو مقعد في السادسة والسبعين من عمره، وزوجته الجدة خميسة طعمة علي (66 عاما)، ومعهما الطفل عبد الله وليد وجرح الطفلان عبد الرحمن (5 أعوام) والطفلة ايمان (8 أعوام). في البيت الثاني قتل ثمانية افراد من عائلة يونس سليم خفاف بضمنهم بناته نور وصبا وزينب وعائشة (اعمارهن بين 14 و3 سنوات) وابنه محمد (8 سنوات). قتلهم المارينز الواحد بعد الاخر ثم رموا القنابل اليدوية في المطبخ والحمام لتفجير البيت.

في البيت الثالث قتل اربعة اخوة من عائلة احمد. كما قتل اربعة من طلاب معهد التكنولوجيا في الصقلاوية كانوا في سيارة اجرة مع السائق. وهم خالد ووجدي الزاوي ومحمد بتال محمود واكرم حامد فليح.

سنحكي للوزراء والمسؤولين، ايضا، ما جري في الاسحاقي. سأروي للوزير السوداني الغاضب جدا لما اصاب موكبه والسفير الصميدعي لما اصاب ابن عمه، قصة فائز هراط المعلم في مدرسة الاسحاقي الابتدائية. وهو مواطن عراقي لا اعرفه شخصيا ولا اظن احدا ممن وقع النداء اعلاه يعرفه شخصيا.

هاجمت المروحيات الامريكية والقوات الارضية بيت المعلم فائز هراط وقيّدت جميع افراد عائلته. زوجته وثلاثة من اطفاله وشقيقته واطفالها الثلاثة ووالده وامرأة من اقاربهم. ثم قتلتهم القوات الامريكية جميعا. تشير التقارير العراقية وفيديو البي بي سي المتوفر للجميع الي ان الاطفال الذين قتلوا تراوحت اعمارهم ما بين شهرين وست سنوات. ولم يشفع لهم صغر عمرهم. وبعد قتل العائلة عمداً واستهتاراً قامت قوات الاحتلال بتفخيخ المنزل وتفجيره بالكامل علي الضحايا المغدورين، ثم قصفته بالطائرات لإخفاء هذه الجريمة. هذه واحدة من مجازر عديدة ترتكبها يوميا قوات الاحتلال متعددة الجنسيات التي جدد المالكي والطالباني ووزراؤهما مدة بقائها في وطننا، ويتحملون، مهما عصبوا عيونهم، أوزارها.

القدس العربي

أضف تعليق