أمام خمسة آلاف من أعضاء الحزب الحاكم فى اليمين كرّر الرئيس اليمنى مرة أخرى عدم نيته للترشح لعهدة أخرى مفضلا التخلى عن منصب الرئيس وتشجيع التداول على السلطة بعيدا عن احتكارها كما يحدث هنا وهناك فى بلداننا. قد سمعنا أعضاء الحزب الحاكم داخل قاعة مؤتمرهم يهتفون مطالبين الرئيس على عبد الله الصالح بالترشح ومواصلة قيادة زعامة بلاده.
مما لا شك فيه أن إصرار الرئيس اليمنى بفتح الطريق أمام كفاءات أخرى لدخول معترك الانتخابات الرئاسية وذلك لرسم ملامح جديدة فى الحياة السياسية اليمنية يستحق التنويه لسبب بسيط وهو أنه يريد من تلقاء نفسه أن يشذ عن القاعدة الممجوجة التى تعود عليها العمل السياسى فى العالم العربى حيث يبقى الرئيس فى منصبه مدى الحياة، وغالبا ما يواصل الحكم وهو فى مثواه الأخير عن طريق الوراثة العائلية!!.
فى الحقيقة أن بلداننا لم تتدرب على أسلوب تداول السلطة بشكل سلمى وعن طريق تفعيل التعددية السياسية وتربية القيادات وإعدادها لتحمل المسؤوليات. فنحن قد اعتدنا على الحكم باسم العائلة المالكة، أو باسم الشرعية الثورية، أو تحت مظلة الأمن العسكرية ومسميات أخرى كثيرة!!. فالمملكات والإمارات ببلداننا محسومة منذ البدء حيث لا أحد من خارج الأسرة يمكن أن يكون فيها ملكا أو أميرا!!.
أما ما تبقّى من الجمهوريات فإن حالها معقد، وأن الحكم فيها يخضع فيها لبروتوكولات يكون دائما للقوة نصيب الأسد!!. ومن هنا فإن تبرع الرئيس اليمنى بعدم ترشيح نفسه أو قبول ترشيح حزبه له لمنصب الرئيس الذى شغله منذ سنوات يمكن أن يعد استثناء فى الثقافة السياسية العربية.
منذ سنوات عدة سلك الرئيس عبد الناصر نفس المسلك عندما أعلن استقالته متحملا مسؤولية الهزيمة فى حرب 1967 م أمام اسرائيل. ولكن عبد الناصر تراجع عن قراره بعد خروج المظاهرات الشعبية فى مصر لمواصلة الحكم كرئيس للبلاد. وفى السودان أعلن السيد سوار الذهب بعد قيامه بالانقلاب العسكرى عن حكمه لمرحلة انتقالية فقط حيث وعد بالتخلى عن الحكم بعد استتباب الأمن فى البلد. وبالفعل التزم الرجل بوعده فتنحى فاتحا المجال لغيره ليتولى منصب الرئيس.
وفى الواقع، فإن مثل هذه الظواهر تتميز بأنها إيجابية، ويمكن أن تؤسس لتقاليد سياسية جديدة وتغلق سجلات الماضى الذى عانينا من أبدية حكم هذا الملك أو ذاك الأمير أو ذلك الرئيس. وبهذا الصدد، فإن عقلية الحكم الأبدى ليست مجرد حالة سياسية، بل فهى نتاج واقعنا الثقافى الذى يكرس الأحادية بدءا من أحادية الأب المطلق إلى فردية الحاكم الذى يسيطر على كل صغيرة أو كبيرة!!.
العرب أونلاين
ظواهر جديرة بالتصفيق.. أزراج عمر
