الديمقراطيات الغربية ليست واحدة، فهناك فوارق تطبيقية واخلاقية جمة بين ديمقراطية وأخرى، ولكن اذا كانت الديمقراطية الامريكية هي الوجه الأهم لها جميعا، فانها \"ديمقراطية حرب\" أكثر مليون مرة من كونها ديمقراطية قيم!.
والحاجة الى الحرب يُمليها حجم المصالح واتساع مناطق النفوذ التي تدافع عنها تلك "الديمقراطية". ولئن كان الفارق شاسعا بين الديمقراطية في سويسرا والديمقراطية في الولايات المتحدة، فان المصدر الجوهري لهذا الفارق هو حجم المصالح وطبيعتها. السويسريون، بهذا المعنى، سيكونون "كاوبوي" ليس بأقل من كاوبوي تكساس لو كان لديهم عشر معشار مصالح الولايات المتحدة في العالم.
لا شيء يبرر اعادة اختراع العجلة بالقول ان طبيعة الاقتصاد الرأسمالي، وحاجته الدائمة للتوسع والنمو، هي مصدر النزعة العدوانية للرأسماليات/ الديمقراطيات الكبرى.
قيم الديمقراطية -الحرية، العدالة، المساواة...- موجودة، ويمكن العودة اليها دائما، عندما تقتضي الحاجة، ولكنها لا تشتغل عندما تكون الحاجة الى الحرب هي الأداة الرئيسة للدفاع عن المصالح.
كل كلام عن الحرية يصبح كلاما فارغا. وكل المبررات الأخلاقية تسقط تحت أقدام أعرق البرلمانات اذا صارت الحرب على الأبواب. فبما ان "المصلحة الوطنية" تأتي أولا، فان الغالبية تصمت، او في الأقل تغض الطرف، إن لم تتواطأ.
هل يوجد لدى أي أحد شك في ان البرلمان البريطاني، بمجلسيه، يضم المئات من النواب واللوردات الذين يمكن اعتبارهم آلهة قيم وأخلاقيات انسانية رائعة ونبيلة؟!
لا يوجد شك.
ولكن حتى هذا البرلمان سمح لرئيس وزراء دجّال مثل توني بلير ان يكذب عليه ليقود بلاده الى حرب ذات أهداف قذرة.
وبطبيعة الحال، فقد كان من الضروري، لأغراض الدجل نفسه، ان يتم تسويق تلك الأهداف على انها آية من آيات الهيام والغرام في الديمقراطية لانقاذ الشعب العراقي من الدكتاتورية... ولكن ها نحن هنا، فهذا هو الشعب نفسه الذي تُرتكب فيه المجازر الوحشية وأعمال التعذيب والانتهاكات، كل يوم، على أيدي قوات الاحتلال.
كيف "ضبطت" هذه الانتهاكات مع "أم البرلمانات"؟! الله أعلم. ولكنها "ضبطت". وهي ما تزال "ضابطة" مع توني بلير حتى لكأنه الأم تريزا!!.
ثم كيف "ضبطت" مع الكونغرس؟! وكيف نجا كبار ضباط البنتاغون من العقاب حتى مع افتضاح أسوأ الجرائم التي ارتكبتها قواتهم في كل مدينة في العراق؟! الله أعلم أيضا. ولكنها "ضبطت"، وهي ما تزال "ضابطة" مع جورج بوش حتى لكأنه المهاتما غاندي، وذلك مع انه يخرق الدستور الامريكي - دستور الحريات بالذات - تحت ستار حربه الوهمية ضد الارهاب!!.
والحال فان الدجل "يضبط" مع الديمقراطية الغربية ليس لانها لا تحفل بالقيم الانسانية - فلهذه مناسبات أخرى -، بل لانها عندما يتعلق الأمر بالمصالح الوطنية لا يعود هناك فرق بينها وبين النازية حيث يصبح قتل الأبرياء واعمال الإبادة الجماعية هو سلاحها الرئيس لإملاء الارادات.
***
ولكن ماذا عن "الرأي العام"؟!
في الواقع فانه لا يوجد وهم أكبر من هذا الوهم.
أولا، لأن هذا الرأي يُصنع عبر مؤسسات تجيد أداء وظيفتها في خدمة ما تراه مؤسسة السلطة نافعا.
ثانيا، لانه خاضع لاعتقاد ضمني بان قادة السلطة لا يقومون بما يقومون به لاغراض شخصية ( اذا استثنينا جنرالات النفط في إدارة الرئيس بوش ).
والمفارقة هي انه ما من حرب شنتها الديمقراطيات الكبرى الا وكانت تحظى بمساندة الرأي العام!
وحتى عندما يظهر ان الحرب انطوت على جرائم وأعمال وحشية بشعة فان تاريخ الديمقراطيات الغربية كله لم يسجل واقعة واحدة لمحاكمة مسؤول عن هذه الجرائم.
ومثلما ان قيم الديمقراطية الغربية لا تنطبق على ضحاياها في الخارج فان قيم القانون لا تشتغل، بل وتتعطل كليا عندما يقوم ممثلو تلك الديمقراطية بارتكاب جرائمهم في الخارج.
شيء عميق من العنصرية، قد يصل الى النخاع، هو ما يجعل الجريمة ضد شعب آخر ليست جريمة ولا تستدعي عقابا او ملاحقات في نظر "دولة القانون".
طبعا هذا لا يمنع - لأغراض الدجل إياها - محاكمة مسؤولين في العالم الآخر على ما يرتكبونه من انتهاكات.
هنا فقط.. تصبح القيم والأخلاقيات... "يا لطيف" كم هي مهمة. إذ هنا فقط، يتاح لأوباش مثل دونالد رامسفيلد ان يبدوا وكأنهم ملائكة.
ومع ذلك فليس كل الطغاة سواسية، بعضهم مثل الجنرال بينوشيت يظل يحظى بالدعم والحماية على الرغم من كل المجازر والاعمال الوحشية التي ارتكبها نظامه. ولن تجد "ديمقراطية القيم" ولا "دولة القانون" لديها أية دوافع لملاحقتهم.
لماذا؟!
لانها ديمقراطية حرب بالدرجة الرئيسة.
وفي الحرب يوجد أعداء كما يوجد حلفاء. واذ تجب محاسبة الاعداء على كل خطأ أو خطيئة، فان بوسع الحلفاء ان يفعلوا كل ما يشاؤون من دون مساءلة او حساب.
***
مع ذلك فان الحرب لكسب "الرأي العام" من اجل تأييد خيار الحرب ليست أقل اهمية بالنسبة لأية حكومة "ديمقراطية" من الحرب نفسها.
والحرب لكسب "الرأي العام" عادة ما تُخاض بقصف لا ينقطع من اعمال الإثارة والمبالغات. ولا يعلم المرء من سيكون الفائز اذا قورنت أكاذيب ومبالغات وزير الدعاية النازي غوبلز، بالأكاذيب والمبالغات التي حشدت لدعم خيار الحرب ضد العراق، ولكن يمكن للمرء ان يتخيل كم ان وحدة الوسيلة تجعل من "الديمقراطية" والنازية وجهان لعملة واحدة عندما يتعلق الأمر بخوض حرب لاغراض التوسع والدفاع عن المصالح.
وفي الواقع فان ما قد يبدو لغزا - حول سبل كسب تأييد او رفض الامريكيين للحرب ضد العراق - ليس سوى عملية حسابية بسيطة في النهاية، تؤثر على صناع القرار تأثيرها على الرأي العام نفسه.
فالموقف "الاخلاقي" من الحرب يتوقف على حجم المصلحة من شنها، وليس لأية اعتبارات انسانية او قيمية. فاذا زادت المصالح.. نقصت الدوافع الاخلاقية لمناهضة الحروب، اما اذا نقصت المصالح، فان هذه الدوافع يمكن ان تزداد بصورة ملموسة.
وكذلك الأمر بالنسبة للمقدار المقبول من الخسائر، فاذا كانت المصالح كبيرة، فان قبول خسائر أكبر يكون هو الرد الطبيعي المنتظر من الحكومة والرأي العام على حد سواء.
وهكذا فان مناهضي الحرب وضحاياها على الضفة الأخرى لا يجب ان يتوقعوا تحقيق أي مكسب، الا اذا رفعوا وتيرة الخسائر التي تتعرض لها قوة الغزو الى الحد الذي يدفع ذلك الكائن الهلامي والوهمي الذي يدعى "الرأي العام" الى التساؤل عما اذا كانت هذه المصالح تستحق بالفعل ما يقدم من اجلها من خسائر او ما اذا كانت هناك سبل أخرى لتحقيقها.
لا يعنى ذلك أبدا، ان ديمقراطيات الحرب لا تجد بين صفوف رأيها العام أناساً يتبنون موقفا أخلاقيا صارما مناوئا للحرب بمعزل عن ميزان المصلحة - الخسائر، الا ان المؤسف على الدوام هو ان أصوات هؤلاء الناس غالبا ما يتم خفضها ودحرها حتى لكأنها "العدو" نفسه.
الأمر قد لا يتطلب على هذا الأساس اعادة النظر في الحرب. فهذه لحسن حظ التقدم الانساني مُدانة على الدوام، وقميئة في نظر الغالبية العظمى من البشر.
ولكن ألا توفر تجربة الحرب في العراق، بكل ما تنطوى عليه من بشاعات، مبرراً كافياً لاعادة النظر في الديمقراطية نفسها؟!!
هل ما نشاهده في لندن وواشنطن - دع عنك بغداد - فيه أي شيء من قيم الديمقراطية وأخلاقياتها؟!!
كيف يجوز لأمم بكاملها ان تتحول الى أمم وحشية الى هذه الدرجة من اجل مصلحة يمكن جنيها بوسائل أخرى؟!!
كيف يصبر نواب ذوو نبل حقيقي على ما يرتكب باسمهم ولا يفعلون شيئا؟!!
كيف يجوز لبرلمانات عريقة ان تكون بلا ضمير الى هذا الحد؟!!
العرب أونلاين
الديمقراطية والحرب و... وهم \"الرأي العام\".. علي الصراف
