سلّط قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين؛ في القسم الثاني تقريره السنوي؛ الضوء على الأوضاع المأساوية التي تعاني منها قطاعات المجتمع العراقي، مختتمًا إيّاه بوثيقة مهمة لاعتراف لجنة حقوق الإنسان البرلمانية الحكومية في أواخر العام 2013، بشأن تردي هذه الأوضاع.
واستعرض القسم في القسم الثاني من تقريره الذي أصدره للفترة ما بين شهر نيسان/أبريل 2013 ونيسان/ أبريل 2014؛ واقع الجوانب التعليمية والتربوية والصحية والبيئية، فضلاً عن الحريات العامة والصحفية والتظاهرات الشعبية.
وعزز القسم من رصده لظواهر انتهاك حقوق الإنسان في العراق بأرقام وإحصاءات مهمة، تنوعت مصادرها، ومن بين هذه المصادر جهات دولية ومؤسسات وشخصيات مختصة إلى جانب اعترافات جهات حكومية.
وفيما يأتي الجزء الثاني من التقرير:
الوضع التربوي والتعليمي:
أصدرت شبكة (Top Universities QS) تقيمها للجامعات في العالم لسنة 2013 تحت عنوان: (QS WORLD UNIVERSITY RANKINGS 2013)، وتأكيدا لما وصلت له الحالة التعليمية في الجامعات العراقية جاء تصنيف جامعة بغداد بالتسلسل رقم (701) من مجموع تصنيف جامعات بلغ عددها (800) في جميع العالم، وهذا الرقم يشير إلى أن جامعة بغداد قد تراجعت (100) درجة عن تقييم الشبكة للعام الماضي 2012، الذي كان قد استقر تسلسلها فيه عند الرقم (601). علماً انه باقي الجامعات العراقية لم تملك ما يجعلها تدخل في التصنيف أساسا.
وعزت النائب عن لجنة التربية البرلمانية الحكومية انتصار الغرباوي سبب ذلك إلى كون الطالب الجامعي العراقي لا ينال سوى (650) ساعة دراسية في السنة مقارنة بطلبة الجامعات في الدول الأجنبية الذين يحصلون على (1650) ساعة دراسية، وجاء هذا القصور المروع بسبب كثرة العطل المعطاة للطلبة في العام الدراسي.
واتهم رئيس "لجنة التعليم العالي" النيابية العجيلي خلفه وزير التعليم الحالي الأديب، بأن الأخير قد طلب من هيئة الرأي بالوزارة بعد تسلمه مهامه، الموافقة على معادلة "الشهادات الحوزوية" الصادرة من "جامعة المصطفى" في إيران، وأنه طلب من وزارة التربية أيضا أن توافق على إخضاع من لديه "شهادة دكتوراه حوزوية" لامتحان الثانوية العامة.
وعدّ العجيلي أن ذلك يشكل خللاً كبيراً في نظام التعليم العالي، حيث أن "الشهادات الحوزوية" ليست لها أرضية، ولا يمتلك أصحابها شهادات الدراسة الثانوية. كما أن وزارة التعليم الإيرانية لا تعترف بشهادات "جامعة المصطفى" أصلا، فكيف نعترف بشهادة غير معترف بها في الدولة التي تمنحها؟!!.
وفي السياق ذاته أثار موضوع احتساب شهادات لأكثر من ستة آلاف مشترك في امتحانات مرحلتي الإعدادية والمتوسطة للدراسة الإسلامية التي نظمتها مديرية الوقف الشيعي في كربلاء، مساوية لأقرانها في مدارس وزارة التربية؛ أثار هذا الموضوع ردود أفعال قوية بين الأدباء والأكاديميين والتربويين، حيث أكدوا في استقصاء نشر في 27/3/2014، إن القرار" جاء صاعقة علينا نحن كأساتذة تربويين لما يترتب عليه من آثار سلبية تجاه الطلبة الدارسين حالياً ضمن تشكيلات وزارة التربية. لأن تلك الشهادات تُمنح من دون دراسة بل يتم منحها للفاشلين دراسياً. كما إن موضوع احتساب هذه الشهادات يمثل سابقة خطيرة وراءها أيادي خفية تروم النيل من المستوى العلمي للطلبة وانحدار مستواهم الثقافي. وهذه الخطوة الخطرة ستكون بذرة مسمومة تصيب أبناءنا الطلبة الدارسين مما سيشجعهم على ترك الدراسة ومعاناتها واللجوء إلى هذه الدراسات الهابطة والسهلة المنال.
وأشاروا إلى أنه بدلاً من أن "تقوم وزارة التربية بدعم الطلبة بتوفير مختبرات علمية متطورة أو وسائل إيضاح حديثة أو مناهج علمية أو تطوير مواهب وتطلعات الطلاب والتدريسيين؛ تقوم بإصدار أمر الاعتراف بهذه الشهادات والتي أثرت بشكل واضح على نوعية الدراسة والمستوى العلمي للخريجين وأصابت الكادر التدريسي بالإحباط".
وفي بحث ميداني بتاريخ 20/1/2014 قام به مراسل جريدة المدى في منطقة باب المعظم التي تضم مجمعا لكليات جامعة بغداد، أظهر بأن هناك دكاكين لبيع البحوث والأطاريح الجامعية، حيث تعد أكثر الأماكن التي تتوفر فيها المكتبات المتخصصة ببيع التقارير الفصلية وبحوث التخرج، والتي يطلق عليها البعض تندرا كلمة "جامعة باب المعظم". وبيّن صاحب مكتبة أن أغلب الطلبة يلجأون إلى شراء البحوث لكي يضمنوا الحصول على درجة جيدة ونيل الشهادة لكنهم لا يمتلكون أي وعي ثقافي بماهية الشهادة التي حصلوا عليها، وبالتالي أن هؤلاء يمثلون ورما سرطانيا داخل جسد الأسرة التعليمية.
وكانت وزارة التعليم العالي قد أصدرت قرارات (سريعة) بإحالة سبعة آلاف أستاذ جامعي ممن بلغوا أل (65) عاماً إلى التقاعد، أي مواليد 1948 فما دون، ومنهم (2000) أستاذ بدرجة بروفيسور، ممن لا يمكن تعويضهم أطلاقا في الدراسات العليا. حيث عد الكثير من المختصين بأن هذه القرارات هي استغناء عن العقول العلمية تحت لافتة (سن التقاعد)، فبدلا من أن تستقطب هؤلاء العلماء وتغريهم بالامتيازات، وتستحدث مراكز للبحوث والدراسات فنستفيد من علمهم؛ تقوم هذه الوزارة بتشريدهم وتعلن موتهم في الحياة.
من جانب آخر أظهرت دراسة حديثة في استخدام شبكة الأنترنت شملت أحد عشر بلدا عربيا، حصول العراق على المرتبة الأدنى عربيا في استخدام النت، بنسبة 23%، بحسب بحث أجراه (داميان ردكليف) من معهد (البي بي سي) للصحافة، الذي اظهر تزايدا مضطردا في عدد مستعملي المواقع الاجتماعية في الدول العربية.
وبينما ازداد معدل الالتحاق بالمدارس الثانوية في السنوات الأخيرة، وفقاً للمسوحات العنقودية متعددة المؤشرات، يواصل أقل من نصف الطلاب فقط تعليمهم بعد الصف السادس. "فالالتحاق والتحصيل ليسا نفس الشيء،" كما أشار سوديبتو موخرجي، نائب رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في العراق، حيث أن "إلحاقهم بالمدرسة أمر سهل، لكن جعلهم يكملون دراستهم أكثر صعوبة".
وأظهرت دراسة استقصائية مشتركة أجراها البنك الدولي مع الجهات الحكومية، أن خمسة ملايين طفل في سن الدراسة لا يذهبون إلى المدرسة. كما لا يتم التعليم الابتدائي في الوقت المحدد سوى لـ 44 بالمائة من الطلاب.
كما كشفت رئيسة تجمع المرأة العراقية الحرة منتصف 2013، عن أن هناك 6 ملايين امرأة أمية في العراق.
من جهة أخرى أكد مجلس محافظة البصرة في 5/3/2014، وجود مخاطر صحية تهدد حياة طلاب إحدى مدارس المحافظة البالغ عددهم نحو (1700) طالب وطالبة من دون رعاية صحية أو تربوية، وفيما وصف حالة المدرسة ذات الدوام المزدوج الواقعة في منطقة حي الجهاد غربي مدينة البصرة بأنها "مخجلة ومعيبة وإنها تشبه مزارع الأسماك"، وأنها باتت مرتعا "للحيوانات والأسماك والطحالب والأفاعي التي تهدد حياة الطلبة". وان "هذه المدرسة نموذج عن الواقع السيئ الذي يشهده الواقع التربوي في البصرة"، وذكر وزير المالية السابق بأنه " خصصنا (350) مليون دولار من الموازنة لبناء المدارس وفوجئنا بأن هناك مدارس طينية في العراق ". ولا تزال وزارة التربية تأخذ سنوياً فوق استحقاقها السنوي والمدارس لا تزال طين.
من جانب آخر وفي تعد صارخ على أساتذة الجامعات والأكاديميين قامت مفرزة من شرطة سوات في محافظة ديالى يوم السبت المصادف 1/3/2014 بمحاولة اختطاف الأستاذ "هيمن أحمد" أحد أساتذة كلية اليرموك الجامعة، وكان سبب محاولة الاختطاف هو أن المقدم "أنور" وهو أحد طلاب المرحلة الرابعة قانون قد اعتاد الغش ومنعه الأستاذ من الغش في الامتحان فجهز مفرزة لاختطافه.
الوضع الصحي والبيئي:
أكدت السيدة "دانيلا دونغيز" الباحث الأقدم في مركز جنيف الدولي للعدالة بتأريخ 12/11/2013 إن الوضع الصحي في العراق متدهور إلى حد كبير. فبعد أن كان لدى العراق أحد أقوى الأنظمة الصحية في المنطقة، بعد غزوه واحتلاله انهار ذلك النظام الصحي بالكامل، وعلى الرغم من عمل الأطباء على حل المشكلات، لكن نشاطهم يتأثر بنقص الأدوية وضيق إمكانية الحصول عليها. والأمر الثالث هو أن العديد من الأطباء اضطروا للهروب وأصبحوا لاجئين، ما يعني أن العراق يفتقر إلى الكوادر المؤهلة من الأطباء الذين يمكنهم مساعدة الناس، وهذه مشكلة جدية.
وفي استنتاج لدراسات قام بها فريق علمي في جامعة الموصل شمالي العراق وبالتعاون مع جامعة بانكر/ ويلز – بريطانيا، ونشر في 5 حزيران/ يونيو 2013، أكد أنه لا تزال آثار الحرب التي قامت بها الولايات المتحدة وحلفاؤها على العراق تؤتي أُكلها، ومازال اليورانيوم المنضب يقذف سمّه من مناطق متعددة من العراق وما حولها، سرطانات وتشوهات لأطفال ولدوا بعد انقضائها. حيث أنه وبقيادة الدكتور "رياض عبد الله فتحي" استطاعوا قياس مستويات عالية من التلوث باليورانيوم في عينات من التربة من ثلاث مواقع في محافظة نينوى شمالي العراق. وقد نشروا هذه القياسات في مجلة الطب و صراع البقاءMedicine, Conflict and Survival ، و قد ربطوها بالزيادة الكبيرة في أعداد المصابين بأمراض السرطان المسجلة في السجلات الوطنية للسرطان في الموصل خاصة والعراق عامة.
ومن المؤكد أن الحربين الدوليتين بقيادة الولايات المتحدة على العراق في عامي 1991 و2003 و اللتين استخدمت فيهما قذائف اليورانيوم المخضب قد تركتا إرثاً وخيماً على صحة المدنيين العراقيين بشكل عام و بزيادة السرطانات و التشوهات الخلقية في المواليد بشكل خاص. محذرين من أنه وعلى الرغم من أنّ العينات المستخدمة في هذه الدراسة مرتبطة بمواقع معينة إلا أن التلوث الإشعاعي للتربة يمكنه الانتشار بسهولة إلى مناطق مختلفة بفعل الرياح والغبار، وهذا ليس مقتصراً على العراق بل وإلى الدول المجاورة.
وفي تحقيق نشرته صحيفة "غارديان" البريطانية، يوم 26 أيار/مايو 2013، أعده الصحافي والسينمائي الوثائقي الأسترالي "جون بيلجر" المقيم في لندن، كشف فيه عن ارتفاع معدل الإصابة بمرض السرطان في البصرة جنوب العراق ليشمل نحو نصف السكان. ونقل التحقيق عن الطبيب المختص بالأورام السرطانية في مستشفى الصدر التعليمي في البصرة الدكتور جواد العلي أن "عدد المصابين بالأورام السرطانية كان يتراوح بين (30 و35) شخصاً شهرياً قبل حرب الخليج، ولكن الأبحاث التي أجريناها تؤكد أن النسبة تتراوح الآن بين (40 و48) % من إجمالي عدد سكان المحافظة، على رغم عدم وجود أي تاريخ جيني للمرض، فهو جديد بالنسبة لنا".
كما أن الدكتورة سندس ناصيف في مستشفى النجف وفي تصريح أدلت به لمراسلة قناة "أر تي" في 22 تموز/ يوليو 2013 أكدت انه: " بعد بداية الحرب على العراق ارتفعت نسب الإصابات بمرض السرطان وكذلك التشوهات الخلقية بشكل كبير في مدينة النجف. والمناطق التي تعرضت لهجوم القوات الأمريكية هي التي شهدت أعلى النسب. نعتقد أن السبب يكمن في استخدام أسلحة محرمة مثل اليورانيوم المنضب من قبل القوات الأمريكية. وأشارت إلى مراسلة القناة بالقول "حينما تزورين المستشفى هنا ستجدين إن مرض السرطان أكثر شيوعا من الأنفلونزا".
وفي محافظة ذي قار أكد معاون محافظ ذي قار لشؤون المتابعة "حيدر كريوش" في 11/6/2013 "إن دائرة البيئة ومديرية الدفاع المدني في ذي قار سبق لهما أن خاطبتا وزارة العلوم والتكنلوجيا أكثر من مرة لمعالجة المواقع المشعة في المحافظة، ولكن دون جدوى. حيث أن هذه المواقع أصبحت سببا رئيسا في انتشار الأمراض السرطانية بين الأهالي الساكنين في المناطق القريبة من تلك المواقع الملوثة إشعاعيا".
وفي ذات الأمر كانت وحدة قياس التلوث الإشعاعي والبيئي في كلية العلوم بجامعة ذي قار في 08-05-2013 أكدت وجود ثمانية مواقع ملوثة باليورانيوم المنضب،" وان الملوثات الإشعاعية موجودة في مناطق فيها مخلفات حربية وأنقاض الأليات العسكرية التي تركت في أعقاب غزو العراق بالعام 2003 ".
وكان العراق قد تبوأ المراكز الدولية الأولى في مجال الإصابات بالأمراض السرطانية المختلفة، وجاء بالترتيب الأول في معدلات الملوحة والملوثات النفطية في الأنهار والأهوار والجداول، حيث أصبح شط العرب أكبر مستودع للنفايات النفطية، نتيجة المخلفات النفطية التي ترميها السفن في عرض النهر، إضافة إلى المواد السامة والمركبات الكيماوية القاتلة التي تجرفها المجاري المنسابة نحو شط العرب.
وقد وضعت مؤسسة (ميرسر) العاصمة بغداد في أسفل درجات السلم العالمي للعواصم النظيفة، حيث جاءت بغداد في الترتيب الأخير وللعام الرابع على التوالي، وكانت في التسلسل (221) وعدّتها المؤسسة من أقبح مدن العالم وأكثرها بشاعة.
كما أن النشرة البيئية العالمية في 18/7/2013 وضعت العراق في ذيل القائمة الدولية وفقا لمرآة التقييم العام التي تتألف من خمس مرايا ملونة، هي اللون الأخضر الغامق، والأخضر الفاتح، والأبيض، والقرنفلي، والكستنائي المرادف للون الصدأ، حيث جاء العراق في نهاية قائمة البلدان المتأخرة عن تلبية متطلبات الحد الأدنى من إجراءات مكافحة التلوث، بحصوله على التسلسل (132).
وقي تقرير جديد لليونسكو صدر عن مكتب يونسكو العرق أواخر عام 2013 حول إدارة الجفاف في العراق ونشر في 17 شباط / فبراير 2014 أشار إلى أن نقص المياه يشكّل أحد أكبر التحدّيات التي يواجهها العراق. وقد أصبحت هذه المشكلة أكبر بعد تفاقمها في السنوات الماضية بسبب الجفاف والتغيّر المناخي مما أدّى إلى انخفاض مخزون المياه وقدرات الري. ويؤدّي هذا النقص اليوم إلى أراض أكثر جفافاُ بمعدّلات ملوحة عالية بالإضافة إلى تآكل التربة، وبالتالي، اتساع رقعة التصحّر مما يخلّف آثاراً كارثية على المحصول الزراعي.
وأكدت منظمة تموز للتنمية الاجتماعية ومركز المعلومة للبحث والتطوير في بيان مشترك بينهما بمناسبة اليوم العالمي للتصحر في 18/6/2013، بأن العراق يشهد تراجعا كبيرا في مستوى الحفاظ على البيئة وازدياد نسبة التصحر بشكل كبير، حيث يشهد أيضا إهمالا كبيرا للبيئة نتيجة إهمال القطاع الزراعي وعدم الاهتمام الكافي بالتشجير وعدم الاهتمام بمياه نهري دجلة والفرات وعدم وجود بحيرات للحد من التصحر والجفاف، الأمر الذي أدى إلى زيادة معدلات العواصف الترابية وارتفاع معدلات الاختناق والأمراض التنفسية التي تسببها هذه العواصف.
وكشف رئيس المجلس المحلي لناحية السعدية التابعة لقضاء خانقين بمحافظة ديالى في 25-06-2013 إن" هناك عدة قرى في ناحية السعدية يتجاوز عدد سكانها سبعة الآف نسمة بحاجة ماسة إلى مجمعات مائية للقضاء على شحة مياه الشرب التي يعاني منها الأهالي في الناحية". و " أن العديد من الآبار الارتوازية حفرت في القرى النائية بناحية السعدية، إلا أنها تفتقر إلى محطات التحلية، ولذلك أصبح وجودها عديم الفائدة".
وفي تقرير لبعثة الأمم المتحدة في العراق، أطلقته لمناسبة اليوم العالمي للبيئة نشر في 6 حزيران/ يونيو 2013 أشارت نائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق والمنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية جاكلين بادكوك، إلى أن الأمن الغذائي في العراق يتسم بالهشاشة، حيث يعاني (1.9) مليون عراقي على الأقل أو ما يعادل (5.7) % من السكان الحرمان من الغذاء وعدم الحصول على ما يكفيهم من الطعام كل يوم، كما إن هناك (4) ملايين عراقي آخرين معرّضون لانعدام الأمن الغذائي، إضافة إلى معاناة واحد من كل أربعة أطفال من توقف النمو البدني والفكري بسبب نقص التغذية المزمن.
كما أن "مستويات المياه في الأنهار والسدود آخذة في الانخفاض، وتهدد تملح التربة مساحات واسعة من الأراضي، خاصة في الجنوب، وأن تقلبات المناخ تؤدي إلى الفيضانات وتلف المحاصيل، في حين تسبب سوء إدارة الأراضي في إزالة الغابات والتصحر وزيادة في العواصف الرملية والترابية التي تلحق خسائر بمليارات الدولارات كل عام". وأن الجفاف الذي ضرب العراق بين عامي (2008 و2009) قد ألحق الضرر بحوالي (40) بالمائة من الأراضي الزراعية، فيما كانت المحافظات الشمالية الأكثر تضررًا، حيث تجاوزت نسبة المساحات المتضررة نصف الأراضي المزروعة.
وبحسب المصادر الحكومية في العراق فإن (92)% من المساحة الكلية للبلاد مهددة بالتصحر، مما يؤدي إلى تزايد تحويل الأراضي إلى أراض مجدبة وقاحلة. كما حدث انحسار كبير للغطاء النباتي في جميع أنحاء العراق، حيث نقصت المساحة الكلية المغطاة بالنباتات بين الأعوام (1992 و2012) بنسبة 65% في محافظة ديالى في الوسط، و47% في محافظة صلاح الدين الشمالية، و41% في محافظة البصرة الجنوبية.
من جانب آخر وفي مجال الألغام، هذا التلوث الواسع النطاق فهو يعتبر أحد أوسع التلوثات بالأسلحة المتروكة ومخلفات الحرب في العالم. حيث يغطي مساحة تقدر بحوالي (1730) كيلومتر مربع من الأراضي العراقية التي من ضمنها مناطق زراعية واسعة و مشاريع بنى تحتية هامة تابعة للمشاريع النفطية بالإضافة إلى المناطق الحدودية مع إيران. وتغطي مساحات شاسعة من حدود محافظة ميسان مع إيران. ويذكر أن عدد ضحايا حوادث انفجار الألغام في ميسان خلال العام الماضي 2013 بلغ أكثر من (5800) اغلبهم من الأطفال.
الحريات العامة والصحفية والتظاهرات الشعبية:
أكد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق "نيكولاي ميلادينوف" خلال لقاءه مجموعة من الصحافيين الأجانب في بغداد ونقلته وكالة الصحافة الفرنسية في 18/11/2013، إن "القوات الأمنية العراقية بحاجة إلى عمليات إعادة تدريب ضخمة في مجال حقوق الإنسان لتتمكن من خلالها من إدارة عملياتها العسكرية بنحو أفضل"، وأن هناك "ثقافة معينة لدى القوات المسلحة العراقية في طريقة أدائها لبعض الأمور، تحتاج إلى تغيير، من خلال إيلاء احترام أكثر لحقوق الإنسان"، عاداً أن "صنوف القوات الأمنية كافة، من شرطة وجيش، تحتاج إلى الكثير من إعادة التدريب بشأن كيفية احترام حقوق الإنسان، ومراعاة المقاييس الدولية في هذا الجانب عند تنفيذها العمليات التي تكلف بها. "
وكان نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار في 14/6/2013 قد كشف إن "قوات الجيش أقدمت قبل يومين على تعرية مواطن من ملابسه وسط سوق شعبي في منطقة عكاشات غربي الرمادي، وإجباره على العودة إلى منزله عارياً وسط سخرية من قبل الجنود الذين أقدموا على مثل هذه الجريمة". وأشار الى أن "هناك انتهاكات خطيرة بحق المواطنين وتمس حقوق الإنسان تحدث على يد الجيش التابع لقيادة عمليات الجزيرة في المنطقة، من بينها إغلاق مجمعات مياه الشرب وطرد العاملين فيها كعقوبة جماعية لسكان تلك المدن"، وفي قضاء الرطبة فإن "الجيش قام بهدم متاجر ومحال يرتزق منها العديد من المواطنين دون حق ولا سند قانوني فضلاً عن انتهاك حرمة عدد من المساجد ومنازل المواطنين، واستخدام الضرب وتوجيه الكلام البذيء للمارة"، كما أنه " فرض حظر تجوال من الساعة السادسة عصر كل يوم حتى اليوم الثاني وحبس المواطنين بمنازلهم". مؤكداً أن هذه "الانتهاكات ليست تصرفات فردية من الجنود بل ممارسات اعتمدها الجيش مع السكان".
من جانب آخر طالب مرصد الحريات الصحفية في 28-4-2013، هيئة الإعلام والاتصالات بتقديم إيضاحات حول مبررات قرارها إلغاء رخص (10) قنوات فضائية ومنعها من العمل في العراق وتحديد معايير "التحريض" التي تم بموجبها اتخاذ هذا القرار.
وأشار المرصد إلى إن القبول بهذا القرار والتسليم بالمبررات التي طرحها يمثل سابقة تطعن في صميم النظام الديمقراطي الحديث والسياقات الدستورية الواضحة الداعية إلى عمل وسائل الإعلام في كل الظروف وبمختلف الأحوال. حيث أن هيئة الإعلام والاتصالات انخرطت مجدداً في وضع التفسيرات الغامضة والفضفاضة لطبيعة التغطية المهنية وتفريقها عن التغطية غير المهنية ومعايير التعامل معها. إن البيئة الإعلامية والحصار المفروض على الصحفيين في كل مناطق العراق من شأنه إن يحد من المهنية المنشودة في الأداء الإعلامي .
كما أكد مرصد الحريات الصحفية في الأول من أيلول 2013 أن مستوى العنف ضد الصحفيين ولثمانية أشهر قد بلغ أعلى مستوياته بعد أن سجلت 293 حالة انتهاك ضدهم، وان ذلك يدلل أن البيئة الأمنية والقانونية للعمل الصحفي ماتزال هشة.
وفي 14/1/2014 ابلغ مراسل صحيفة الشرق الأوسط في العاصمة العراقية بغداد، مرصد الحريات الصحفية، إن قوة من وزارة الداخلية الحكومية يتقدمهم عقيد في الشرطة قد طلبت من المتعهد الذي يطبع ويوزع الصحيفة في بغداد وبقية مدن العراق وقف عمله على الفور متحججين بعدم توفر بعض الأوراق الثبوتية والقانونية التي تسمح باستمرار طبع وتوزيع نسخة بغداد التي تقوم بها مطبعة محلية، ووصف المرصد هذا القرار بأنه يثير مخاوف عديدة حول مستقبل حرية الصحافة في البلاد، ويعد غير مناسب لوضع العراق الإقليمي والدولي.
وقامت قوة أمنية تابعة للجيش الحكومي في منطقة الغزالية غرب بغداد في 5/2/2014، باحتجاز مصور قناة الشرقية الفضائية ماجد الشعباني، رغم أنه كان يقوم بواجبه وفقا لكتاب تخويل حصلت عليه القناة من قيادة عمليات بغداد، ونقلته الى مقر الفوج الثالث بقضاء أبي غريب، وما تزال تصر على إبقائه لديها دون أن يكون هناك مبرر لاحتجازه.
وكانت وزارة الداخلية الحكومية وعلى لسان وكيلها الأقدم في 31 تموز الماضي قد اعتبرت حرية الإعلام في العراق أمرا قد يشكل تهديدا للأمن الداخلي وانه لم يعد يجدر بالصحفيين أن ينشروا أية أنباء تتعلق بقضايا القتل والاعتقالات من دون موافقة الوزارة، بحجة غياب الاستقرار الأمني.
وفيما يخص ما تسمى العملية الديمقراطية التي جاءت مع الاحتلال الأمريكي وما تتضمنه من انتخابات بلدية وبرلمانية، حذر مبعوث الأمم المتحدة في العراق "ملادينوف" في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية نشر في 3/4/2014 من أن الحملات الدعائية لانتخابات 30 نيسان/ أبريل الحالي تشكل عامل انقسام جديد بسبب توجه الأحزاب إلى قواعدها الطائفية والعشائرية، بينما تعاني البلاد من أعمال عنف غير مسبوقة وأن "الجميع صعد في انتقاداته إلى درجة عالية، حتى قبل انطلاق الحملة الدعائية بصورة رسمية".
ورغم أمله بأن «يكون التنافس حول قضايا عامة وكيفية التعامل مع التحديات، لكنها حتى اللحظة لا تتعدى الخصومات الشخصية». حيث أن "الجهود الرامية لتجاوز الانقسام الطائفي ضعيفة جدا». وان «جميع الأحزاب السياسية تتبع النهج نفسه".
وكشفت اللجنة القانونية في مجلس النواب إن اعتماد إحصائيات وزارة التجارة كأساس لتحديث سجل الناخبين، أتاح لنحو مليون متوفي المشاركة في الاقتراع، بينما حرم آلاف الأحياء من ذلك، بسبب أخطاء كثيرة منذ عام 2003.
من جهة أخرى وفي الدراسة التي أعدّها موقع "DoYouNeedPassport.com"، في 15 أيار/مايو 2013 وهو موقع الإلكتروني متخصص وأجريت على عدد الدول التي يمكن لحامل جواز سفرها من زيارتها دون تأشيرة مسبقة، كشفت الفجوة الهائلة بين الدول والكيانات. حيث أظهرت أن العراق وبسبب ضعف الحكومة حل بالمرتبة الأخيرة وفي أسفل اللائحة عربيا وعالميا بـ 32 بلداً فقط يمكن استقبال مواطنيه دون تأشيرة مسبقة.
وفيما يخص التظاهرات الشعبية التي عمت أغلب مناطق العراق مطالبة بالكرامة ورفع الظلم والحيف الكبير الذي أصاب ويصيب معظم أبناء البلد من جانب، وتقديم الخدمات الأساسية من ماء صالح للشرب وكهرباء ورعاية صحية ومحاربة الفساد الذي استشرى بشكل واسع وبات ينخر مؤسسات البلد وأركان الدولة، من جانب آخر.
كان رد رئيس الحكومة على هذه المطالب والحقوق الأساسية يتفاوت بين تسويف ومماطلة ووصمها بأوصاف وتهم غير لائقة، من مثل الفقاعة والنتنة وارتباطها بأجندات وتمويل خارجي، ثم ليرتفع الخطاب إلى تهديد ووعيد بإنهائها بالقوة أن لم تنتهي من قبل المتظاهرين والمعتصمين، ثم ليصل الأمر إلى تنفيذ تلك التهديدات باستعمال القوة المسلحة المفرطة لضرب هؤلاء المعتصمين السلميين، لتحدث العديد من الانتهاكات والمجازر البشعة التي ابتدأت في الفلوجة مرورا بالموصل وديالى والحويجة وبغداد وصلاح الدين، ثم ليختمها بهجوم قواته على ساحة العزة والشرف لمعتصمي الرمادي في نهاية شهر كانون الأول / ديسمبر 2013 ولتشتعل على اثره ثورة شعبية عمت معظم محافظات العراق.
الخاتمة:
نختتم تقريرنا بما نتج عن الحرب والغزو الذي قامت به أمريكا ومن تحالف معا، وما جناه الشعب الأمريكي إضافة للشعب العراقي من تلك الحرب الظالمة. التي اعتبرت "نانسي سودربرج" مستشارة السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون أن خلفه جورج بوش "وقع ضحية لخرافة المهيمنين الذين روجوا لخرافة القوة العظمى القادرة على إجبار العالم على الرضوخ باستخدام القوة العسكرية والتصدي لظهور أي قوة أخرى منافسة".
ففي واشنطن ومنذ 1 كانون الثاني/يناير وحتى 27 آذار/ مارس 2014، زرع أمريكيون (1892) علما أمريكيا صغيرا في الحشائش. كل علم يمثل انتحار جندي أمريكي (عائد من العراق وأفغانستان) بسبب لعنة الحرب، أي ما يعادل انتحار (22) كل يوم، و(630) منتحر كل شهر، (1892) في خلال 3 شهور وهي أعلى نسبة انتحار منذ فيتنام، ويمكن القول إن نسبة من قتل بيديه أكبر بكثير من قتلى ميدان الحرب.
ووقف أحد الأمريكيين ليعد تلك الأعلام وليقول "كنا نعرف هذا الموضوع عندما قيل لنا أن هناك الكثير من الانتحار يحدث مع قدامى المحاربين "، و " لكن لم أكن أعرف أن الأرقام كانت بهذه الدرجة العالية. هذا مخيف حقا ".
كما أنه وفي الدراسة التي أجرتها جامعة هارفرد بعد عشر سنوات على الغزو، توصلت إلى أن كلفة الحرب على أفغانستان والعراق قد بلغت (6 تريليون) دولار، أو ما يعادل (75 ألف) دولاراً لكل عائلة في الولايات المتحدة الأمريكية. كما إن تكلفة الحرب هذه لن تتوقف بعد الانسحاب، فإن المصاريف البعيدة المدى لمعالجة المحاربين في الحربين سوف تزداد، حيث أن نصف الـ (1.56) مليون عسكري ممن شاركوا في الحربين وتركوا الخدمة قد تلقوا عناية طبية ويحصلون على تقديمات مالية مدى الحياة، والكلفة الثانية تتأتى عن الفوائد على الديون التي حصلت عليها الإدارة الأمريكية لتمويل الحربين.
وأعلن المفتش الخاص بإعادة أعمار العراق ستيوارت بوين في02/10/2013 أن "العشرات من الشخصيات الأميركية التي عملت سابقا في مؤسسات الحكومة بالعراق تواجه إجراءات قضائية في الولايات المتحدة بتهمة الفساد". وإن "المحاكم الأميركية اتخذت الإجراءات القضائية بحق 90 شخصية أميركية كان لها أدوار في الحياة السياسية في العراق بعد عام 2003، كما إن " الجهات المهنية في الولايات المتحدة تواصل البحث عن أدلة تدين شخصيات أخرى لتورطها في قضايا فساد إبان عملها في العراق.
تقابلها أرقام ذكرتها لجنة حقوق الإنسان البرلمانية الحكومية في أواخر العام 2013، في الإصدار الذي حمل عنوان (حقوق الإنسان في العراق عشر سنوات وننتظر)، وهي وثيقة نادرة ومهمة، ومما جاء فيها:
• وصل عدد الأرامل العراقيات إلى أكثر من مليون أرملة.
• أن عدد الأيتام في العراق وصل إلى خمسة ملايين و (700) ألف يتيم وانهم في تزايد نتيجة الأعمال المسلحة والوضع الأمني غير المستقر.
• هناك سجون سرية لا تخضع للإشراف القضائي، وأنها مرتبطة مباشرة بقوات أمنية عراقية.
• الإعدامات وصلت لأعلى معدلاتها، وأنها أخذت منحى طائفي، والعراق من الدول المتقدمة في معدلات الإعدام بعد الصين وإيران.
• المداهمات تمارس بشكل مهين للمجتمع؛ حيث تضرب النساء، ويضرب الرجال أمام عوائلهم، ويؤخذ الشباب بشكل عشوائي بدون أدلة ملموسة.
• هناك في العراق اليوم ستة ملايين مواطن يعانون من أمراض نفسية؛ بسبب الأزمات التي تمر بها البلاد.
• نسبة البطالة في العراق بلغت "33%" من القوة العاملة.
• أن "26%" من العراقيين لا يعرفون القراءة والكتابة.
• وجود قوانين جائرة تطبق بصورة انتقائية على فئات من الشعب.
• ذكر المالكي امتلاكه لملفات تخص مسؤولين، لم يكشف عن هويتهم، قال إنهم على صلة بعمليات إجرامية بحق الشعب العراقي، ولا يريد الكشف عنهم لأجل الحفاظ على مكتسبات العملية السياسية.
وهنا نقول لرئيس الحكومة: هل من مكتسبات العملية السياسية السكوت على قتلة الأبرياء؟! وهذا غيض من فيض نتيجة لحادثة الغزو والاحتلال البغيض وما خفي كان أعظم.
الهيئة نت
ج
في الجزء الثاني من تقريره السنوي.. قسم حقوق الإنسان يستعرض الأوضاع المأساوية التي يعانيها العراقيون
