وجه الامين العام للهيئة برسالة مفتوحة من هيئة علماء المسلمين إلى الشعب العراقي بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لاحتلال العراق، وفيما يأتي نص الرسالة:

رسالة مفتوحة
من هيئة علماء المسلمين إلى الشعب العراقي
بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لاحتلال العراق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
ففي خضم الأحداث المتسارعة التي تمر على العراق، تأتي الذكرى الحادية عشرة للاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق؛ ومازال البلد فريسة لما خلفه الاحتلال من عملية سياسية بغيضة زرعت الفتنة بين أبناء الشعب، ومكنت لحلفاء إيران من السيطرة على مقدرات البلاد والعباد فعاثوا فيها فساداً، وأوغلوا في دماء العراقيين وسرقوا أموالهم واعتقلوا أبناءهم ونساءهم، وحولوا العراق إلى ضيعة تابعة بدل أن يكون دولة رائدة.
وقد تخللت هذه السنوات العجاف التي واجهها العراقيون بكل صبر وشجاعة مقاومة شرسة للمحتل وأعوانه، سطروا فيها مآثر عظيمة، وضربوا فيها الأمثال للعالم أجمع وحققوا أهدافهم النبيلة في طرد المحتل الغاشم من أرض العراق الطاهرة.
إن العالم كله يشهد اليوم الأوضاع التي يعيشها العراق وشعبه (بفضل) الاحتلال وحكوماته التي آلت به وفق التقارير الدولية ليكون في المرتبة السادسة حسب معايير الفساد، وفي الدرجة (171) في معايير النزاهة لجدول التصنيف العالمي للأقطار النزيهة لعام 2013. كما أعلنت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) عن أن 6 ملايين عراقي ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر، من أصل نحو 33 مليونا في بلد تتجاوز ميزانيته المالية السنوية أكثر من (100) مليار دولار.
فضلاً عن واقع سياسي فاشل تماماً ومستقبل قاتم على جميع الصُعد؛ ومن هنا كان خروج الشعب منتفضا في مظاهرات واعتصامات سلمية هدفها تغيير الأوضاع الشاذة التي خلفها الاحتلال وعمليته السياسية وحكوماته المتعاقبة. خرج العراقيون وهم على يقين أنهم أهل لهذا التغيير، وأن مستقبل العراق سيكتب بأيديهم، وأن ساعة الخلاص قد دنت، وأن النصر سيكون حليفهم؛ لأن النصر مع الصبر.
وبدلا من استجابة الحكومة وتنفيذها مطالب الجماهير التي كابدت برد الشتاء وحر الصيف لمدة أكثر من عام كامل؛ كان الرد بأن جندت قواها ومرتزقتها؛ ليرتكبوا مجازر دموية من خلال مهاجمتهم ساحات الاعتصام السلمية بقوات الجيش والشرطة الاتحادية وقوات (سوات) المرتبطة مباشرة بـ (رئيس الوزراء)؛ فقتلوا وجرحوا المئات من المعتصمين العزل في الفلوجة والحويجة والموصل وديالى في وضح النار وبدم بارد، وفضوا في الحادي والثلاثين من كانون الأول الماضي اعتصام الرمادي بالقوة؛ مما اضطر العشائر في محافظة الأنبار إلى الدفاع عن أبنائها المعتصمين.
إن ما يجري في محافظات العراق ومدنه عموماً، وفي الفلوجة والرمادي والموصل وديالى وحزام بغداد خصوصاً؛ هي حرب إبادة جماعية استخدمت فيها الحكومة الحالية كافة أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، فهي تضرب من دون هوادة منازل المدنيين الآمنين العزل بالطائرات المروحية والمدافع الثقيلة، ومدافع الدبابات والهاون لتحصد أرواح العشرات يوميا وتهجر الآلاف من مدنهم وقراهم.
بعد كل ما تقدم يتأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك؛ أنه لا خلاص لنا من المآسي التي نعاني منها منذ أن وطأت أقدام المحتلين أرض العراق، وسلطت علينا أعوانها إلا بتحرير بلدنا تحريراً كاملاً، وإصلاح الأوضاع الشاذة فيه، فهذا هو الحل الأنجع للشعوب المقهورة التي تسعى بكل قوة لاستعادة حريتها، وكرامتها، وحقوقها المسلوبة والتاريخ خير شاهد على ذلك.
وينبغي في هذه المرحلة كما هو الحال في المراحل السابقة من تاريخ العراق في ظل الاحتلال؛ أن نكون أكثر وعياً بمخططات من يريد بنا الشر، وأن لا نسمح لأحد أن يتاجر بقضيتنا. كما علينا أن نحافظ على وحدة بلدنا ودماء أبنائه، ولا ننساق إلى أي منزلق طائفي أو عرقي سيحاول أعداء العراق جرنا إليه، وأن لا نسمع إلى ترهات المثبطين، ومشاريع الذين يعملون على هدر فرصتنا الأخيرة لاسترداد وطننا، معولين على عملية سياسية تطيل يوماً بعد يوم مسلسل الشر والكذب، لم يجن العراقيون من ورائها شيئا سوى استمرار الظلم وسفك الدماء وسرقة الأموال.
لذا فإن التعويل على هذه العملية والمشاركة فيها؛ إنما هو تشريع لهذه الحالة الشاذة وموافقة على كل ما يجري فيها، على الرغم من سوئها الذي انكشف وزيفها الذي افتضح للعَيان، ولاسيما بعد أن اعترف كثير ممن يتنافسون فيها اليوم بفشلها وعدم جدواها.
إن هيئة علماء المسلمين تعاهد الله سبحانه بأن تبقى متمسكة بأهدافها، وبثوابتها الشرعية، ومدافعة عن حرية وكرامة وحقوق شعبنا العراقي، وراصدة لكل المؤامرات التي تحاك ضده من أية جهة كانت داخلية أو خارجية، دون مساومة، ساعية مع كل المخلصين لرفع الظلم وإحقاق الحق ونشر العدل والمساواة والمواطنة.
وأخيراً، نحيي ثوار العراق البواسل وهم يذودون عن حمى العراق، ونحيي العشائر العراقية الأصيلة بأبنائها الأبطال الذين أثبتوا أنهم صمام أمان لوحدة العراق والحفاظ على هويته فكانوا كما عهدناهم أمل العراقيين في التغيير وتحرير البلاد. وندعو الله تعالى لشهدائنا بالرحمة والرضوان، كما ندعو جميع العراقيين الغيارى في كل أنحاء العراق لمساندة ودعم الثورة والثوار؛ لأنهم نواة تحرير العراق مما يعانيه من هيمنة وتسلط وقهر، كما نحيي كل أبناء شعبنا العراقي الصابر القوي، سائلين الله تعالى الفرج القريب، وما ذلك على الله بعزيز.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حارث سليمان الضاري
أمين عام هيئة علماء المسلمين
9/جمادى الآخرة/1435هـ
9/4/2014م
رسالة مفتوحة من هيئة علماء المسلمين إلى الشعب العراقي بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لاحتلال العراق
