بالرغم من مرور اكثر من (11) عاما على الغزو الهمجي والاحتلال الغاشم الذي قادته الادارة الامريكية ضد العراق، وتشكيل خمس حكومات متعاقبة، فان مشكلة البطالة المتفاقمة ولا سيما في صفوف خريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا، ما زالت تشكل ظاهرة خطيرة في بلد يمتلك ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم.
ويعزو العديد من المتابعين والمراقبين للشأن العراقي، اسباب تفاقم ظاهرة البطالة التي تُعد واحدة من المشكلات والازمات التي يشهدها العراق الجريح، الى فشل جميع حكومات الاحتلال السافر التي تم تشكيلها على أسس طائفية في ايجاد حلول ناجعة لها، والى تداعيات وافرازات الاحتلال السافر وفي مقدمتها القرارات الجائرة التي اصدرها الحاكم الأمريكي سيء الصيت ( بول بريمر ) والتي تسببت بحل معظم مؤسسات ودوائر الدولة بعد تخريب بنيتها التحتية، كما ان ما يسمى مجلس النواب لم يتمكن طيلة السنوات الماضية من تشريع اية قوانين تساهم في القضاء على ظاهرة البطالة التي خلّفت جيشا من العاطلين، وعلى رأسهم الشباب الخريجين الذين ما زالوا يبحثون عن فرص العمل التي تتناسب والشهادات التي حصلوا عليها .
كما ساهم الوضع الأمني المتدهور الذي يسير منذ عام 2003 من سيء الى اسوأ بارتفاع نسبة البطالة، اضافة الى الانتقائية التي تعاملت فيها حكومات الاحتلال ازاء هذه الظاهرة، واقتصار عملية التوظيف على الموالين للاحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية الحالية بالرغم من عدم امتلاكهم لأبسط معايير الكفاءة، فيما حرم خريجي الجامعات وحملة الشهادات من تلك الفرص، كما زاد عدم الاستثمارات وبناء المشاريع في هذا البلد الجريح من حجم هذه الكارثة .
ونتيجة لاستمرار هذه المشكلة وعدم توفر فرص التوظيف لجأ الشباب وخريجو الجامعات على وجه التحديد الى مزاولة اعمال أخرى، بينها العمل كحمّالين في الأسواق التجارية الكبيرة في العاصمة بغداد كسوق (الشورجة، والرصافي، وحافظ القاضي، وجميلة) بهدف توفير الحد الادنى من احتياجات عائلاتهم التي تكابد شظف العيش بسبب اهمال المسؤولين في الحكومات وعدم اهتمامهم بما يعانيه العراقيون بصورة عامة.
ولتسليط الضوء على هذه المعضلة الكبيرة، أجرت المصادر الصحفية التي نشرت ذلك مؤخرا، لقاءات مع عدد من الخريجين العاملين في الاسواق والمجمعات التجارية المذكورة، حيث اكد المتحدث الاول الذي فضل ان يرمز لاسمه بالحروف (ع . ن . ب) ان الذي دفعه الى ممارسة هذه المهنة الشاقة والنزول الى ميادين العمل في الأزقة والمحال الضيقة هو البحث عن لقمة العيش بعد ان اصيب بالاحباط واليأس من الحصول على وظيفة حكومية تتناسب والشهادة التي حصل عليها.
وقال آخر يدعى ( قاسم عباس) ان ظروف الحياة والمعيشة الصعبة اجبرته الى ممارسة العمل في هذه المهنة الشاقة التي لم يعثر حتى الان على بديل لتركها .. موضحا انه يقف بعربته الخشبية منذ الصباح الباكر بالقرب من المحال التجارية ينتظر نقل البضائع من داخل السوق الى المكان الذي يحدده صاحب البضاعة مقابل مبلغ زهيد لا يساوي ما يبذله من جهد كبير.
واشار المدعو (أبو ساجد) البالغ من العمر 30 عاما ـ وهو متزوج ولديه طفلان ـ الى انه يقف كل يوم مع مجموعة كبيرة من الحمّالين بمختلف الأعمار بانتظار توصيل بضاعة بين المحال التجارية، او تحميل بضاعة زبون يرشده إليه صاحب محل لبيع البضائع .. لافتا الانتباه الى انه أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة / قسم السيراميك قبل ست سنوات، ولم يترك اية وزارة الا وطرق بابها من أجل الحصول على وظيفة حكومية تضمن له لعائلته مرتباً ثابتاً لكنه لم يفلح، وما زال يعاني من عدم الحصول على فرصة عمل.
وعلق (أحمد) ـ الذي كان يرتدي ملابس رثـَّة والشحوب واضح على ملامحه ـ قائلاً: ذهبت أحلامي بعد إكمال دراستي الجامعية وعدم حصولي على وظيفة ادراج الرياح، ونتيجة لإصابة والدي بالشلل وفقدان المعيل للعائلة، قررت ان اخوض غمار العمل في السوق مع الحمالين بالرغم من المشاكل الكثيرة التي تعتري هذه المهنة، ونظرة المجتمع الدونية إليها، ناهيك عن التجاوزات التي نسمعها من أصحاب السيارات عند عبور الشوارع " .. لافتا الانتباه الى ان المبلغ الذي يتقاضاه عن نقل البضاعة لا يتجاوز الاربعة آلاف دينار كسقف أعلى.
وكانت آخر المتحدثين احدى الباحثات الاجتماعيات التي اعربت عن اسفها الشديد لتعليق آمال أصحاب الشهادات والخريجين وطموحاتهم على شماعة اليأس والإحباط بعد أن اشتدت بهم الفاقة، واحتلت حياتهم صور الحرمان والعوز ليضطروا مجبرين على العمل في هذه المهنة علّها تخفف شيئا من الضائقة المادية التي يعيشونها بعد أن فشلت جميع محاولاتهم في الحصول على وظيفة او فرصة عمل في الوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية التي اصبحت حكرا على اقرباء مسؤولي الاحزاب والكتل التي تتحكم بالعملية السياسية الحالية في هذا البلد الجريح.
ان ظاهرة البطالة المتفاقمة في العراق افرزت تبعات سلبية كبيرة وكثيرة منها انها أصبحت حاضنة لأعمال العنف والجريمة المنظمة، لان الشباب عندما يشعرون بان امكاناتهم وطاقاتهم معطلة، وانه تم ابعادهم عن أداء دورهم في بناء هذا البلد، ينعكس ذلك سلباً على اوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ويبدأون بالبحث عن اعمال اخرى حتى وان كانت غير قانونية للحصول على مكاسب يثبتون بها وجودهم .
وكالات + الهيئة نت
ح
بعد فشلهم في الحصول على وظائف .. خريجو الجامعات يعملون حمّالين في الاسواق التجارية
