هيئة علماء المسلمين في العراق

ماذا بعد المجازر في فلسطين؟ .... د.عبدالله السويجي
ماذا بعد المجازر في فلسطين؟ .... د.عبدالله السويجي ماذا بعد المجازر في فلسطين؟ .... د.عبدالله السويجي

ماذا بعد المجازر في فلسطين؟ .... د.عبدالله السويجي

من شاهد منكم تلك الطفلة وهي تركض على الرمال صارخة باكية تفتش عن أبيها، الذي كان ملقى على شاطئ غزة بلا حراك ولا نفس، ولم تستطع الاقتراب منه حين وجدت روحه قد صعدت إلى بارئها، ولتجد أمها وبقية أفراد أسرتها وقد اختلطت دماؤهم برمال شاطئ غزة ببارود القذائف الصهيونية، لا شك سيدرك الخطوط الاستراتيجية للسياسة الصهيونية وموقفها من عملية السلام. ومن شاهد منكم الغارات وهي تحصد المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ على أطراف مدينة غزة، سيعرف ماذا تجهز له الترسانة العسكرية الصهيونية من إبادة منظمة للشعب الفلسطيني،

ولا شك سيتساءل، إن كان سيستمر الرئيس أبو مازن في عزمه على إجراء استفتاء حول المفاوضات والاعتراف بالكيان الذي يقطر الدم من كل خلية منه، وإن كانت المبادرة العربية صالحة للتحدث مع القتلة، وإن كانت وعود بوش بإقامة دولتين على أرض فلسطين تستحق الذكر، لأنها كانت معروفة منذ البداية بأنها ما هي إلا تخدير وتسكين ( وضحك على اللحى ).

باختصار، الجمعة الماضية كانت حافلة بالمواقف الصهيونية الواضحة، وكانت مفعمة بالرسائل للعرب والمسلمين، وفحواها أن لا سلام على أرض السلام.
 
  من المؤكد أن الحكومة العبرية تستند الى المبدأ الأمريكي الذي يقول إن حركة حماس هي منظمة إرهابية، ولذلك، فإن قتل كل عناصرها ومسؤوليها وعائلاتهم وأطفالهم عمل يندرج في خانة الحرب على الإرهاب، وبالتالي، فإن هذه الحكومة العطشى للدم والقتل، تمارس القتل والقصف وهي تستند إلى ( الشرعية الأمريكية)، كما تستند إلى التواطؤ العربي في تعامله مع الأطراف التي وقفت ضد حكومة حماس، والتي نجحت في الانتخابات وبمراقبة دولية وعلى رأسها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، ومؤسسات عالمية أخرى.

وهذا التواطؤ العربي والعالمي هو الذي أدى إلى استشراس الحكومة الصهيونية وإقدامها على ممارسة القتل الجماعي للفلسطينيين، وبالتالي، تدمير عائلات وبيوت بأكملها، وتيتيم أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا يحاولون قضاء وقت ممتع على ساحل بحرهم، شأنهم شأن كل أطفال العالم، الذين من حقهم أن يمرحو وأن يتمتعوا بطفولتهم.
 
  ويبدو أن الحكومة الصهيونية، عندما اكتشفت أن سياسة تجويع الفلسطينيين لم تنجح، ولم تتمخض عن إخضاع الرؤوس، فإنها لجأت إلى سياستها المعهودة، التي تمارسها منذ أن قامت دولة غاصبة على أرض فلسطين في العام ،1948 وهي سياسة المذابح، وكأنها تقول للفلسطينيين: ليس من حقكم أن تستجموا على شواطئكم، وليس من حقكم أن تتصرفوا كمن يعيش في دولة مستقلة، لها ساحل مستقل وبحر مستقل وشاطئ مستقل. لقد استكثرت هذه الحكومة على الطفل الفلسطيني مرحه وسط أمواج بحره، وقتلته قبل أن يصل إلى الشاطئ، وجعلت صراخ الأطفال يحل محل ضحكاتهم ومرحهم على الرمال.. ترى، ماذا سيعني البحر من الآن فصاعدا، لتلك الطفلة التي بدأت حياة اليتم والفقد في هذا العمر الذي لم يتجاوز العاشرة أو الثانية عشرة بعد؟
 
  يقول المحللون السياسيون إن الحكومة الصهيونية تحاول استدراج كتائب عز الدين القسام لمواجهة عسكرية، ليكون لديها المبرر لاجتياح قطاع غزة وسحق المقاومة هناك، ويطالبون حركة “حماس” بتفويت الفرصة على (أولمرت) الذي لا يختلف عن سابقه شارون أو نتنياهو أو أي زعيم صهيوني، بينما الحقيقة أن الحكومة العبرية ليست في حاجة إلى ذرائع ولا تبريرات كي تقتل وتقصف وتجتاح وتدمر وتعتقل، لأنها تمارس هوايتها وتشبع جوعها للدم الفلسطيني.
 
  ترى، أين ستصل صرخة الطفلة، هل ستطرق أبواب مقر الرئاسة في رام الله، وتوقف السعي لإسقاط حكومة حماس، أم ستطرق أبواب الجامعة العربية لتحثهم على عقد مؤتمر من أجل تلك الطفلة فقط، ويسجل التاريخ أن الجامعة العربية استجابت لصرخة طفلة فلسطينية، أم ستطرق أبواب الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ربما يراجع كوفي أنان القرارات التي صدرت حتى الآن ضد الحكومة الصهيونية، والتي تطالبها بالانسحاب إلى حدود ما قبل الخامس من يونيو/ حزيران، وتطالبها بوقف عمليات الاستيطان وإزالة المستوطنات؟ أم ستطرق أبواب المؤتمر الإسلامي، أم منظمة حقوق الإنسان أم محكمة العدل الدولية أم ستطرق أبواب الكرملين الروسي والبيت الأبيض الأمريكي ومجلس العموم البريطاني؟ ماذا يمكن لهذه الصرخة أن تفعل وتطرق، ومن يفكر في الليلة التي ستقضيها تلك الطفلة التي ذهبت إلى شاطئ البحر محملة بحنان الأسرة، لتعود يتيمة من كل شيء، الأب والأم والأخ والأخت، حتى أختها ذات الأربعة أشهر تفحمت في القصف.. هل يكفيها تصريح محمود عباس بأن القصف هو مجزرة؟ ما أسهل الكلام وما أصعب الفعل.
 
  لم يعد الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية ماديا هو الحل الأوحد، ولم تعد التصريحات هي المطلوبة، لا بد من القيام بفعل جوهري يسمعه العالم، قبل أن يبدأ بسماع أصوات المزيد من الأطفال وهم ينادون آباءهم من دون جواب، فما يحدث تمهيد لمجزرة، وهو جس نبض وبالون اختبار للفلسطينيين والعرب، فإذا فاتت الحادثة فإن العدو سيجددها بحجم أكبر، خاصة ان كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس قد أعلنت أنها ستستأنف العمليات العسكرية، وبذلك، تكون كل الحكومة الفلسطينية إرهابية ومستهدفة، وكل قطاع غزة تحت النار أو فوقها. أرى الاجتياح كما أرى هذه الحروف، بعدما تهيأت كل الظروف، وبعدما أسقطت الولايات المتحدة نتائج أكثر الانتخابات نجاحا في الوطن العربي، وأكثرها نزاهة.. وبعدما شحنت الشارع العربي والفلسطيني بالصورة السلبية، وبعد أن زرعت بذور الفتنة بين فتح وحماس.
 
  أعانك الله أيتها الطفلة على حياتك المقبلة، وأعان الله كل اليتامى، الذين بلا آباء ولا قيادات ولا سياسيين ولا حكمة ولا بصيرة.. فاليتم أنواع.

الدار العراقية

أضف تعليق