حديث اللحظة السياسية الراهنة عالمياً، ولدي جماعات التفكير وأندية القرارات الدولية العليا ليس في واشنطن وحدها، بل في أهم عواصم أوروبا أيضاً، إنما يدور حول
محور مركزي يتخطي مناكفات التحدي النووي الإيراني، إلي ما يعتبر الأساس والمنطلق، إلي معضلة الأمريكي مع العراق، في وجهيها: الغزو والانسحاب. وكان الأول وليد عملية قيصرية علي المستوي الدبلوماسي مع أرباب المجتمع الدولي، وبخاصة مع الشركاء التقليديين لأمريكا، بينما تحقق احتلال العراق بسهولة سريعة في بدايته علي أرض المعركة؛ وأما الوجه الآخر فلم ينتظر نهاية الشوط والمآل التركيبي لكل عقابيل الغزو حتي تتشكل ملامحه الكارثية، ويتم الإعلان عن إفلاس مشروع الامبراطورية عينه، بألسنة زعمائه وعلي الملأ. فقد استمع العالم كله إلي اعترافات دون كيشوت العصر وصاحبه خادمه كما في الرواية الأصلية تماماً. لكن بوش وبلير لم يقرآ سطراً واحداً من سفر الندم لطلب المغفرة من أحد، بل جاء الاعتراف العلني بنبوة الصلف والاعتداد عينها التي صاحبت إعلان النصر من فوق البارجة المشؤومة عشية سقوط بغداد في أيدي مغول القرن الواحد والعشرين.
سرد لائحة (الأخطاء) كما سماها الخاطئان الكبيران النموذجيان، بينما هي عين الجرائم العظمي بحق الانسانية المنصوص عليها في شرعة الأمم المتحدة.
هذا السرد، المستقوي بارتكاباته، لا يطلب عفواً أو غفراناً من أحد، بل يتحدّي ضحايا الأمس بضحايا اليوم والغد.
يستهتر بشهود العالم جميعاً. بوش لا يبشر بأجندة انسحاب للعدوان، بل يلوّح به كإنذار، من النوع الكارثي، موجه إلي جميع الأطراف، محلياً وإقليمياً ودولياً، ملقياً عليهم دفعة واحدةً مسؤولية التدبّر به، والغوص في معضلاته العملياتية والاستراتيجية؛ بدءاً من التهديد بالحرب الأهلية التي يعمل الاحتلال، بالجهد المدروس والمنظم، علي اصطناع عواملها الزائفة، وإعداد ظروفها المخططة، وإطلاق المزيد من شرارتها كل يوم ليعم الحريق الشامل كل مناحي الوطن العراقي المنكوب وما حوله.
إذ أن الفارق بين هذه الحرب الأهلية وما سبقها في المنطقة العربية، وفي لبنان بخاصة، أن هذه اللبنانية بقيت محصورة ضمن حدود البلد الذي اندلعت فيه، بينما يُراد للاقتتال المذهبي في بلاد ما بين النهرين أن يخترق نحو كل المساحات الوطنية الأخري ذات التنوع المذهبي المماثل، في الخليج والجزيرة، وينحرف غرباً نحو البركان الهامد مؤقتاً في لبنان، والمترقب لدوره في سورية.
في هذه الحالة هل ينتقم الغزو لفشله بتعميم التهديدات بالخراب البنيوي، وتعليق أوان التنفيذ في ساعة كل قطر علي حدة، ويمسي هو نفسه غزوة بين الغزوات. ضائع الوجه والهوية في زحمة الاقتتالات المحلية والإقليمية، مسيطراً وحيداً علي مقدرات المنطقة كلها، من منابع النفط وشرايينه إلي مصباته، مبدداً أية حدود أو حواجز تعيق أوبئة الخراب عن اكتساح آخر مواقع موانع الوطنية عند هذا الطرف أو ذاك.
المشكلة مع بوش وبطانته، كما بات يعرفها القاصي والداني، من أمريكا إلي أنحاء المعمورة، أن هذا الرئيس كلما اعترته نوبة اعتراف بالخطأ فإنه لا يصلحه إلا بخطأ أكبر وأدهي غالباً.
لا قيمة عملية إذن لجلسة الاعتراف التي مثلها هو وشريكه بلير، وملء شاشات العالم كله، بل إن الأمر الوحيد والمتوقع، حتي لدي أهم الدهاة من خبراء (مؤسسة الحكم)، من أمثال كيسنجر وبريجنسكي، هو أنه لم يعد ثمة خيار آخر أمام أمريكا، وفيما يخص مستقبل وجودها نفسه، سوي المضي في المشروع الإمبراطوري إياه، ومهما تعرض لعثرات في التخطيط أو التنفيذ.
وجوهر اعتراض هذه الزمرة من بناة الإستراتيجية الأمريكية إنما ينصبّ فقط علي سوء التقدير المسبق للمقاومات غير النظامية التي قد يفجرها استخدام القوة المفرطة في غير مجالاتها الضرورية، مع ما يصاحب هذا الاستخدام من التفنن في إبراز وقاحة الصلف والاستكبار وإذلال الآخر، حتي المستسلم أو المحايد؛ وبالطبع لا يتناول النقد شبه الرسمي ذاك، والإعلام الرئيسي، إلا بعض (انحرافات) الممارسة، وفشل الاحتلال، ليس في إنجاز التدمير الشامل، المتحقق في كل المستويات، بل في استيلاد بدائل الخراب المباشر، بالرغم من كل ادعاءات التقدم في (العملية السياسية).
ما أنجزته هذه (العملية) البائسة حتي اليوم، هو محاولة التعويض عن انهيار الدولة العراقية والتعمية علي تداعيات الانهيار، باختلاق صيغ لحكومات، لا تحكم بقدر ما تقضي علي بقايا الدولة وخصائصها، كحفظ النظام العام، وضبط الأمن المدني، وتأمين أبسط الخدمات الحياتية والاجتماعية للشعب المنكوب. وهكذا فإن الاعتذار عن الأخطاء بالاعتراف بها لا يمكنه أن يلغي كونها جزءاً لا يتجزأ من أجندة الاحتلال المدروسة والمقررة، بل إنها صاحبتها عبر مختلف بنودها واحداً تلو الآخر. فمنذ البداية كان هناك ذلك الاصرار الخبيث علي عدم الفصل بين النظام والدولة.
بل بدا الأمر أن المقصود المركزي هو أن إسقاط نظام الحكم وسيلة محتومة للإجهاز علي الدولة. بما يعني أن زوال الدولة، بما هي كيان وسيد مشروع تاريخياً ودولياً، قد مهد السبيل سريعاً إلي فرض الدستور التقسيمي.
ثم جاءت المهمة الثانية والأصعب، المتمثلة في تفكيك شرائح الشعب عن بعضها، بعد أن تم تجهيز القوالب الدستورية بانتظار أن تمتلئ بوقائع الشَّرذَمة المجتمعية والشعبية علي الأرض.
فكان لا بد من وقوع الحرب الأهلية واصطناعها اصطناعاً بكل الوسائل والتكتيكات المعروفة في صناعة التقاتل المعمم. وبسرعة النار في الهشيم انطلق سعار التقاتل الأهلي، بأفظع أدواته: التذابح (علي الهوية) وتعميمه بين كبري المذاهب والقوميات.
وتحطيم مكونات التعايش العضوي والتاريخي، باستعداء الجميع علي الجميع. صارت الحرب الأهلية حقيقة كل يوم مع أرقام ضحاياها، ونماذج فظائعها. فهي المقرر لها أن تملأ بنود الدستور التقسيمي.
أن يباح لها (دستورياً؟!) القيام بكل العمليات القذرة، الواردة في قاموس الافناء المتبادل، ما بعد القتل والتعذيب الي التهجير والتطهير المذهبي والعرقي، الي عزل مجاميع الشعب في غيتوات جغرافية، سوف تُسمي أوطاناً لها، تقيم كياناتها المغلقة، وتنشئ دويلاتها التي لن تعترف ببعضها، وسوف تنشب بينها كل الصراعات العقيمة حول كل شيء، من ثروة الوطن إلي مشكلات الحدود الوهمية فيما بينها.
الاقتتال الأهلي فاقد لأسبابه الموضوعية أصلاً، لكنه يشكل بنداً مركزياً في برنامج الغزو، مهما حاول الغزاة التبرؤ من تبعاته. فما أن طرحت الانتخابات علي قاعدة الدستور الانفصالي والعنصري، حتي خلّفت معاركها السياسوية عنفاً فئوياً بعد أن حُصر التنافس بين المرشحين علي أساس انتماءاتهم المذهبية والعرقية.
ما يعني أنه لم يُسمح بإطلاق هذه العملية السياسية المزعومة إلا علي قاعدة إلغاء مؤسسات الحياة المدنية للمجتمع، وتمكين الزعامات الدينية السابقة واللاحقة من الإمساك بناصية السلطة علي المستوي الحكومي والشعبي، وتحت رعاية الاحتلال دائماً.
لقد طبق الغزو الأمريكي أعتق أجندة لأقدم المناهج الاستعمارية، المشتقة كلها من المذهب الاستراتيجي ذي الأطروحة الواحدة، وهي العمل علي حرمان الشعب المستعمَر (بفتح الميم) من التشكل البنيوي كمجتمع مدني قابل للانخراط في عملية التحديث والانضمام إلي ثقافة العصر من حوله في العالم.
ومن المعروف أن العراق كان واحداً من أقطار العرب القليلة السباقة إلي الشروع في هدم هوة العجز المتوارثة، الفاصلة بين شكل التكوين التقليدي، والعبور الصعب نحو إعادة التكوين الذاتي حسب النموذج العصري. فالاحتلال يقضي علي الدولة ومقوماتها.
ومن ثم تتكفل الحرب الأهلية بتصحير شامل لأسس الوحدة الوطنية من جهة، وللمعالم الحضارية والإنسانية من جهة ثانية. فالتطهير المذهبي والعرقي يسبقه ويرافقه اجتثاث مختلف النخب العلمية والمهنية، وتشتيت الفئات المتقدمة والمتحركة من كافة القطاعات العامة.
إنها نظرية إتلاف المواقع المدنية للطبقة المتوسطة المنوط بها دور القاطرة لمسيرة التقدم. فالتهجير القسري والإرهابي علي قدم وساق داخل الوطن وخارجه. يتكامل مع وباء القتل الفردي والجماعي يومياً.
كل الكوارث أمست مباحة، بل منظمة بإيقاع أهوال متجاوبة بفظائعها؛ ما يؤكد، علي عكس ادعاءات قادة الغزو في بغداد وواشنطن ولندن، من أن الأمور أفلتت من أيدي مهندسيها ومنفذيها وحراسها من زبانية الخراب المبرمج.
فالأمور تلك لا تفلت إلا ليعاد ضبطها، وتفاجئ الضمير العالمي بأبشع الفظائع غير المسبوقة.
إن مسرحة الأهوال الكلية، المبرمجة، والمتآخذة الحلقات والمهمات، لم تعد تُظهّر أفعال الغزو وحيدة، بدون شراكات كانت خافية أو مبطنة تحت جلد الاحتلال. فضلاً عن شراكات الداخل المحليين من أصناف العملاء والأعوان وتجار الموت والفساد. هنالك الشراكة الأكثر التباساً وأخطاراً مع الجار الإيراني الذي تتقاطع استراتيجيته خاصة مع خطة الغزو من البداية، إلي أن يكتشف الأمريكيون فجأة أن هذه الاستراتيجية ربما كانت هي الأذكي أو الأخبث، إذ استطاعت أن توظف معظم مكاسب الغزو والاحتلال في خانتها. كما لو أن جيوش واشنطن ولندن عملت بكل جهد علي إزالة العدو الأول لطهران، استنابت قواها لتحقيق ثأرها الذي عجزت الخمينية عن محوه منذ حرب الثماني سنوات ورصيدها من المليون قتيل ومعاق. بينما كانت دبابات العم سام تجوب شوارع بغداد، راحت جيوش إيران المذهبية، ومن النوع الآخر تكتسح البلد من قواعـــده الشعبية.
إذا كان ثمة حديث عن أخطاء الغزو، وبحجم الكوارث الاستراتيجية الكبري، فهو أنه مضطر في النهاية عندما سيسحب جيوشه من أرض الرافدين، إلي تسليم مفاتيح البلد إلي الجار الإيراني، وقد أمسي هو بدوره العدو الأول المنافس لمشروع الأمبراطورية، والمطالب بحصته من السيطرة علي القارة العربية الاسلامية من لبنان وسورية إلي حدود الهند والصين.
ولكن من يقول أن العم سام سينصاع إلي الصفقة الكسراوية تحت عنوان التهديد النووي، وقبل أن ينجز استجرارها إلي الغرق أكثر في عمق المستنقع العراقي... وسواه من المستنقعات المذهبية المنساحة وُحولُها في جغرافية المشرق وخليجها العربي بخاصة.
وكالة الاخبار العراقية
صفقة بوش ـ طهران: انطلاقاً من رَسْمَلة الحرب الأهلية لكل منهما؟- مطاع صفدي
