شاهدهم العالم، ولو من خلال غربال، على الشاشات وهم يتوضأون بدم قائدهم، إذ لم يحدث من قبل أن تحول المئات الى عنقود يتعمد بالدّم النازف للتو من جبين شهيد.
وبالأمس، شاهد العالم من خلال الغربال ذاته الذي لا يحجب شمساً أو قمراً أو حتى نجمة ضالة في الفضاء، طفلة فلسطينية في العاشرة وهي تصرخ بجوار أبيها الشهيد، كما لو كانت في العراء الأول، وللحظة أحسسنا بأن العالم العربي استكمل ربعه الخالي بثلاثة أرباع أشد منه عرياً وخلواً وهجراناً.
عشرة شهداء بغارة واحدة، تلك هي الحكمة التي تقطرت أخيراً من عدالة تمشي على رأسها، وتعلو عيناها على حاجبيها شأن بشر مسخوا وهم في ذروة زينتهم، ولم يكونوا وحدهم، فقد سبقهم على الطريق مئات الألوف، وشيعتهم ثواكل بحت أصواتهن وما من معتصم أو عاصم أو حتى عاصمة في هذا المدار المغلق.
لم يكونوا مدججين بأحزمة ناسفة، بل بأحزمة جلدية رقيقة كسائر البشر، لكنها مشدودة على بطون يعربد فيها الجوع، وهم سلالة الحرة التي جاعت وما أكلت بثدييها.
لقد أصبح مشهد هؤلاء المنسيين وهم ينزفون أو يتوضأون في دمهم مألوفا، وأقل إثارة من إعلان محكم الفخ، يُسيل لعاب فقير أو يثير غثيان مُتخم. عشرة توابيت، مختلفة الأحجام، لكنها من خشب الزيتون ذاته، ومغطاة بالعلم ذاته أيضا، انهم المبشرون ببلادهم، رغم انهم ليسوا الأوائل ولن يكونوا الأواخر في هذه القافلة الحمراء التي حرمت حتى من تلويحة وداع في عالم يئن من أدناه الى أقصاه تحت الاحتلال، ما دامت الضمائر قد احتلت أيضا، والعيون سُملت، وشخصت كعيون الكلاب البيضاء الميتة!
لو كانوا عشرة دلافين لصاح العالم احتجاجاً على حقوق الحيوان، ولو كانوا عشر شجرات اقتلعت من حديقة لصرخ أنصار البيئة دفاعاً عن أرضهم ضد التصحر، لكنهم فلسطينيون وعرب، وسعرهم أدنى من سعر علبة صفيح فارغة ملقاة على رصيف العالم.
إنهم مدنيّون، بل فلاحون عزل إلا من أيديهم العارية التي تهدد بالبتر إذا زرعت أو إذا شهدت، وحين يصاب مدني سواهم بخدش عابر في جلد حذائه تقوم الدنيا ولا تقعد، وتنطلق صفارات الإنذار، لأن الحرب ضد الإرهاب قد أعلنت.
العشرة المبشرون بالبلاد، إرهابيون وفق التعريف الانجلوساكسوني، وهو تعريف يشمل من يتنفسون لأن قمصانهم تتحرك ولا بد أنها تخفي حزاماً ناسفاً.
ويشمل من يصطحبون أطفالهم المحاصرين ذات جُمعة حزينة الى شاطئ محتل.
لهذا عوقبوا بالقتل مع سبق الإصرار والترصد، لكن عقوبة الإعدام لا تشمل قاتلهم، لأنه معصوم ومحصّن، ويطوي تحت إبطه المعروق وذي الرائحة الذئبية بوليصة تأمين ضد الإدانة والتجريم.
عشرة شهداء في العاشر من حزيران لكأن تاريخنا به متسع لعاشوراء فلسطينية جديدة، وكأن تقاويمنا يوجد بها متسع لحداد آخر. إن الوقوف ثلاث دقائق فقط حداداً على هؤلاء هو مشهد يخلط البكاء بالضحك المُرّ.
فثلاثة قرون لا تكفي، كي نفي هؤلاء حقهم في الحزن، لأن الثأر محذوف من القاموس الداجن.
عزاؤهم، وعزاء ذويهم، هو أنهم استشهدوا في زمن يخجل فيه العربي من كونه حياً، فهم الذين نجوا بكبريائهم، وهم المبشرون بالوطن في عالم تحول برمته الى منفى
الدار العراقية
العشرة المُبشَّرون بالبلاد .... خيري منصور
