وافق مجلس النواب الأمريكي على منح مصر 1.7 مليار دولار كمعونة اقتصادية للعام الحالي بعد مناقشات ساخنة بين النواب، وحرب كلامية بين الديمقراطيين والجمهوريين حول ما أسموه بعدم أحقية مساعدة النظام المصري في صرف هذه المعونات لعدم إحرازه تقدما في مسار الحريات والإصلاح السياسي.
وأسفرت المناقشات التي استغرقت عدة ساعات، عن تمكن المشرعين بمجلس النواب الأمريكي الذين يؤيدون التعامل مع مصر ويعتبرونها حليفا إستراتيجيا في الشرق الأوسط، من وقف محاولة زملائهم المستائين من تأخر عملية الإصلاح الديمقراطي، وقمع النظام للمتظاهرين، لتخفيض المساعدات الاقتصادية الأمريكية لمصر.
وعقب المداولات الساخنة رفض مجلس النواب الأمريكي بأغلبية 225 صوتا مقابل 198 صوتا، تعديلا تقدم به النواب: ديفيد أوبي (ديمقراطي)، وتوم لاتنوس (ديمقراطي)، وهنري هايد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس (جمهوري)، يقضي باستقطاع 100 مليون دولار من أموال المساعدات التي تبلغ 1.7 مليار دولار سنويا، بهدف تخصيصها لمساعدة اللاجئين في دارفور، ومكافحة وباء نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في مناطق متفرقة بالعالم.
التيار المؤيد لمصر
ووقف النائب الجمهوري "جيم كولبي"، رئيس لجنة مخصصات المساعدات الخارجية الفرعية ضد الاتجاه المطالب بخفض المعونات لمصر، باعتبارها حليفا وثيقا للولايات المتحدة، ووصف مصر بأنها شريك إستراتيجي. وقال: إن "نثر الرمال" في وجهها "ليس الخطوة الصحيحة"، وأضاف: "إن مصر تمر بمرحلة من التطور، وتخفيض المساعدات لا يحافظ على السلام الذي تقوده، كما أن أمريكا بحاجة إلى مصر".
وقالت النائبة الديمقراطية كارولين كيليا تريك: "أمريكا تحتاج إلى مصر قوية، وهي دولة مستقلة وذات سيادة". وأوضحت أن الرئيس مبارك أصدر عدة مراسيم خلال الـ12 سنة الأخيرة لإجراء التغيير الذي يناسب بلاده.
وأشارت إلى أن مصر تعرضت لثلاث ضربات إرهابية في الفترة الأخيرة لم تشهدها في العشرين عاما الماضية؛ وهو ما يؤكد صعوبة التغيير المفاجئ، ويجب أن نحافظ على المشاركة مع مصر؛ لأنها دولة تؤمن بأهداف نبيلة، على حد قولها.
أهم وسيط
وانضم إليهم في الرأي المؤيد للحفاظ على قيمة المعونة، النائب "جون سويني" (جمهوري) الذي اعتبر أن التعديل بخفض المعونة يدمر العلاقات مع مصر.
ومع سخونة المناقشات تدخلت النائبة "شيلا جاكسون" وقالت أمام أعضاء مجلس النواب: إن مصر أول دولة عربية تؤيد اتفاق السلام في دارفور، وكثفت دورها في الاتحاد الإفريقي، وهي دولة مهمة وذات حضارات وثقافات غزيرة ومتنوعة، والمصريون ضحوا بحياتهم من أجل السلام، كما حدث مع الرئيس الراحل أنور السادات (بعد التوقيع على اتفاقية كامب دافيد مع إسرائيل والأردن)، والسفير المصري في بغداد الذي راح ضحية العمل من أجل السلام على حد وصفها.
من جهته، اعتبر النائب ديفيد برايس أن مصر أهم وسيط في الصراع "الفلسطيني - الإسرائيلي"، وامتدح دور عمر سليمان وزير المخابرات المصرية، الذي يتولى إدارة مبادرات الحوار الفلسطيني، وتهدئة الأوضاع داخل الأراضي المحتلة.
ورد النائب "براين بيرد" (ديمقراطي) على الانتقادات الموجهة لمصر بالبطء في الإصلاح بتذكير المجلس بـ "أن أمريكا لم تفعل هذا القدر من الإصلاح الذي تشهده مصر حتى مع هذا البطء"، مشددا على أن رحلة أمريكا مع الديمقراطية والإصلاح الدستوري استغرقت سنوات وحروبا أهلية، وقال: "لا بد من التعامل مع مصر بكرامة واحترام وتقدير".
التيار المنتقد
وشن النواب المنتقدون هجوما في أثناء المناقشات على حكومة الرئيس مبارك قائلين: "إنها تخنق المعارضة بأساليب وحشية، وتشن حملة على الجماعات المعتدلة المطالبة بالديمقراطية، وتلجأ لترهيب الصحفيين".
وقال النائب الديمقراطي "توم لانتوس"، أحد الذين تقدموا بتعديل خفض المعونة: "لقد سئمنا مصر التي تقمع المعارضة... من المهم للغاية أن يدرك الرئيس مبارك عدم الرضا العميق هنا عن مسار الأحداث في مصر".
وانضم إليهم النائب الديمقراطي "ديفيد أوبي"، العضو البارز بلجنة المخصصات في تشدده ضد مصر حيث قال: "إن خفض المعونة كان من شأنه أن يبعث برسالة إلى متلقٍّ مهم للمساعدات الأمريكية، بأن عليه أن يظهر اللياقة والاحترام فيما يتعلق بالطريقة التي يعامل بها شعبه وخصومه السياسيين".
واعتبر أوبي أن مبارك بقمعه الجماعات المعتدلة يخاطر بوضع الحكومة في أيدي الإسلاميين الأصوليين.
موقف إدارة بوش
من جانبها، سعت الإدارة الأمريكية إلى إقناع النواب بعدم خفض المساعدات حتى بعد أن أدانت مصر في مايو الماضي؛ لإبقائها زعيم حزب الغد المعارض أيمن نور في السجن واتهامها الحكومة المصرية باستخدام أساليب قاسية ضد المتظاهرين المؤيدين له. وفي رسالة بعثت بها إلى النواب وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس مصر بأنها "حجر زاوية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط".
وفي القاهرة، انتقد محمود أباظة رئيس حزب الوفد، التدخل الأمريكي في مسار الإصلاح السياسي في مصر، وقال في تصريحات نشرتها المصري اليوم السبت 10-6-2006: "هذا التدخل أفسد عملية الإصلاح"، معتبرا أن ما أسماه "الثورات الملونة" غير مطروحة للتكرار في مصر.
وتعتبر مصر ثاني دولة تتلقى المعونة من أمريكا بعد إسرائيل، وتقدم كجزء من اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية عام 1978.
وتشهد عملية التصويت على منح مصر مساعدات سنوية مناقشات حادة في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، بعد تنامي دور اللوبي اليهودي في التأثير على مراكز صناعة القرار في واشنطن في نهاية العقد الماضي.
واستطاع "اللوبي اليهودي" أن يحصل على موافقة من حكومة الرئيس الأمريكي السابق بل كلينتون بخفض معدل المعونات الاقتصادية لمصر سنويا بما يوازي 50 مليون دولار كل عام، ومنعها اعتبارا من عام 2015، في الوقت الذي فشل في المساس بقيمة المساعدات العسكرية التي تبلغ نحو مليار دولار سنويا، وتحصل عليها مصر في صورة معدات وتدريب لعناصر بالقوات المسلحة.
إسلام أون لاين
المعونة الأمريكية لمصر باقية لـ\"دواع أمنية\"
