شكلت الانتفاضة الشعبية في كابول يوم الاثنين 29 ايار (مايو) 2006 نقلة نوعية في الحرب الافغانية ضد القوات الغربية بزعامة الولايات المتحدة الامريكية، فقد كشفت عن مدي عداء الشعب للوجود الاجنبي وللحكومة التي نصبتها واشنطن
تحت غطاء انتخابات ومشاورات صبغتها الالة الدعائية الامريكية بما تسميه الديمقراطية. ما اصبح يصطلح علي تسميته بثورة كابول لم تكن كما حاول البعض تصويرها كرد فعل غوغائي علي صدم قافلة امريكية عدة سيارات مدنية علي طريق بغرام شمال كابول، واستغلال ذلك من طرف بعض اللصوص والفوضويين لاثارة عمليات الشغب. الحادثة كانت كما اقر ذلك اغلب الملاحظين الشرارة التي حركت حتي من يسمون بالاغلبية الصامتة في ثورة ضد الوجود الاجنبي وكل ما يمثله. رد الفعل الامريكي وقوات الشرطة والجيش الافغاني الممول والمدرب من طرف واشنطن علي انتفاضة كابول زاد من حدة كراهية الشعب للاحتلال حيث سقط خلال ساعات في كابول وبرصاص هؤلاء اكثر من 50 قتيلا وجريحا من المدنيين.
المتظاهرون الذين كانوا بالآلاف والذين هتفوا الموت لأمريكا و الموت لكرزاي في اشارة الي الرئيس حامد كرزاي، اجبروا الامريكيين علي اخلاء سفارتهم في العاصمة الافغانية وسيطروا علي مبني البرلمان وعدة مقار رسمية، وتؤكد عدة مصادر مستقلة ان المتظاهرين كادوا يسيطرون علي المدينة بكاملها لولا تحرك القوات الافغانية المنتمية الي تحالف الشمال والتحالف الغربي التي انزلت آلاف الجنود ومئات الدبابات الي الشوارع وحاصرت العاصمة بالكامل من الخارج.
ورغم استمرار المذابح ضد السكان واعتقال المئات منهم لم يستطع التحالف الامريكي ـ الافغاني السيطرة علي الوضع واضطر الي فرض حظر التجول لاول مرة منذ سنة 2001 عند بدء الاحتلال. تقارير الجيش الامريكي التي تسربت بعض محتوياتها الي الصحف الامريكية اعترفت بان ما حدث كان بوادر هبة شعبية وصفت بانها الاخطر منذ سقوط نظام طالبان.
يقول عدد من المحللين العسكريين الغربيين في لندن وباريس وبرلين، انه بعد زهاء خمس سنوات علي سقوط كابول وتقهقر حركة طالبان وتوسع الوجود العسكري الامريكي (23 الف جندي) وقوات حلف ناتو حوالي 11 الف جندي، وبعد تبخر كل وعود القوي الغربية المحتلة في تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي ونشر الامن والاستقرار، اصبحت الغالبية الصامتة التي اما تعاطفت مع حركة طالبان او التي لم تؤيدها ترفض الوجود الغربي ومن نصبهم علي راس البلاد وغدت مستعدة للمشاركة في حرب شعبية واسعة لتبديل الاوضاع. ويؤكد عدد من المختصين في الشؤون الافغانية ان محاولة واشنطن وحلفائها تغيير تقاليد الشعب واجبار النساء علي نزع التشادور ونشر الافلام الخليعة الي غير ذلك من المظاهر السائدة في المجتمعات الاستهلاكية الغربية ولدت ثورة ورفضا شعبيا حتي من جانب هؤلاء الذين كانوا يناهضون حركة طالبان لاسباب سياسية او بسبب خلافات عرقية. ويقول خبير الماني ان واشنطن وحلفاءها ذهبوا الي افغانستان متجاهلين تراث هذا البلد ومدي تمسكه بدينه وهو ما اتي بنتائج عكسية.
واشار مدير مؤسسة اكتيد للاغاثة في افغانستان فريدريك روسيل الي ان المتظاهرين هاجموا كل ما كان مكتوبا باللغة الانكليزية. واضاف اننا حقيقة محبطون. وقال هذا الناشط الذي قضي وقتا طويلا في افغانستان ان ثمة شبها بين احباط المتظاهرين وهم من شبان الاحياء الشعبية وغضب الشبان الذين شاركوا في الاضطرابات التي شهدتها ضواحي كبري المدن الفرنسية خلال السنـــة الماضية. واعتــــبر محللون ان اعمال العــــنف التي اندلعت في العاصمة الافغانية كابول يوم الاثنين هي تعبير عن احساس عميق بالاحباط الاقتصادي والاجتماعي في مدينة لا يشعر سكانها بتقدم الامور بالسرعة المناسبة.
واعتبرت انجا دو بير مديرة اخبار وهي وكالة تنسق عمل المنظمات غير الحكومية في افغانستان انه بالرغم من انها فوجئت باندلاع اعمال العنف كنا نعرف ان السكان يختزنون في اعماقهم الكثير من مشاعر الاستياء التي يسهل تأجيجها.
وبعد اكثر من اربع سنوات علي سقوط نظام طالبان تبقي الكثير من الامور التي تثبت كذب وعود الاصلاح مما يثير عصبية السكان من الفقر المنتشر واغتناء اقلية وازدحام السير الدائم الي حالة الطــــرق المزرية الي التوزيع غير المنتظم للمياه والتيار الكهربائي ناهيك عن معدل البطالة المرتفع.
واعتبر مدير منظمة اكتد غير الحكومية الفرنسية القاضي فريديريك روسل ان اعمال العنف تعبير عن شعور بالضيق وعن احباط اقتصادي وسياسي. واعتبر خليل رمان وهو كاتب افغاني ان اسبابا ثلاثة حركت المشاركين في اعمال العنف وهي الفقر والامية وعدم اهتمام الحكومة والطبقات المرفهة بمعاناة الفقراء.
واشارت مجموعة ارو للابحاث التي تتخذ من العاصمة الافغانية مقرا في تقرير عن الفقر في العاصمة الي عدم الشعور بالامان لدي العائلات الفقيرة في كابول. وجاء في التقرير ان عدم انتظام العمل والدخل يجعل حياة الفقراء غير مستقرة ويرغمهم علي تغيير نمط حياتهم بصورة مستمرة، في حين يضطر من لا يملكون مساكنهم، الي التنقل بشكل دائم من منزل الي آخر لتفادي الارتفاع المنتظم في الايجارات.
ويقول كاتب التقرير الذي نشر في نيسان (ابريل) ستيفان شوت كل هذه التغييرات تنعكس في الشعور الدائم بعدم الاستقرار في العمل والدخل والسكن وفي نهاية المطاف في سبل العيش بشكل عام.
رفض الافغان للوجود العسكري الامريكي والاوروبي علي اراضيهم، وشعورهم بان محتليهم خدعوهم في كل شيء، دفع شريحة واسعة منهم الي تأييد دعوات حركة طالبان الي تكثيف العمليات العسكرية المسلحة ضد القوات الاجنبية باسلوب يستلهم استراتيجية قتال الجماعات المسلحة بالعراق والذي يعتمد اسلوب الهجمات الاستشهادية والمفخخات.
البنتاغون يدفع ثمن اخطائه
القيادة الامريكية تدفع الان ثمن اخطائها وغطرستها، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 وبعدما تلقت حركة طالبان سلسلة من النكسات العسكرية والانسحابات المتلاحقة التي ختمت بانسحابها من معقلها في قندهار، تصور البنتاغون ان الامر انتهي، ولم ينصت الي تحذيرات الخبراء من انه سيكون من الخطأ الاعتقاد بان طالبان تلقت ضربة قاضية.
وقال داوود علمي، الاختصاصي في الدروس الاسلامية في جامعة ويلز لوكالة فرانس برس في ذلك الوقت حول تراجع طالبان كان لا مفر من ذلك. كان متوقعا ان يحدث ذلك عاجلا ام آجلا لان قوتها لم تكن كافية . وتابع علمي اعتقد بان قوات طالبان اخطأت في حساباتها حول تاثير عمليات القصف الامريكية واضاف كيف كان يمكن مقاومة طائرات بي ـ 52؟ .
واضاف علمي ان ما فقد اليوم يمكن استرجاعه غدا واضاف ان طالبان لن يعودوا الي السلطة كما نعرفهم حاليا ولكن يمكن لعناصر معتدلين منهم ان يشاركوا في انشاء افغانستان جديدة .
ورأي المؤرخ جون كيغان، الخبير في مسائل الدفاع والمتعاون مع صحيفة دايلي تلغراف ان انهيار طالبان نتج عن مجموعة ثغرات في المجالات السياسية والدينية والعسكرية. واعتبر ان طالبان في نهاية الامر، يجدون انفسهم حاليا في الوضع الذي كان فيه تحالف الشمال عندما وصلت ميليشياتهم الي الحكم عام 1996.
كما عارض كريستوفر لانغتون، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره في لندن فكرة اضمحلال حركة طالبان، وقال اتساءل عما اذا كانت كلمة انهيار هي الكلمة المناسبة، ان طالبان لم ينهزموا بكل ما لهذه الكلمة من معني . مشيرا الي ان عناصر طالبان قد اجروا انسحابا استراتيجيا باختبائهم في القري الجبلية استعدادا لحرب عصابات في المستقبل كما حدث ضد الاحتلال السوفياتي.
والمعروف ان عمليات طالبان لم تتوقف منذ مجيء القوات الامريكية والغربية الي البلاد، لكنها شهدت تصعيدا ملحوظا بعد احتلال العراق عام 2003. ومنذ عام 2004 ازدادت العمليات الاستشهادية والتفجيرات المفخخة اضافة الي حرب العصابات.
ومنذ بداية سنة 2006 اخذت طالبان تتحرك بحرية اكبر في افغانستان لان الشعب بدأ يتغاضي عن تحركاتها ليفسح لها المجال لمهاجمة القوات الاجنبية. كما ان هذا التغاضي منح الحركة فرصة تجنيد المزيد من المقاتلين وتوسيع دائرة الهجمات، وهكذا استطاعت الحركة خلال اسابيع معدودة السيطرة بشكل شبه كامل علي الولايات الجنوبية الغربية الافغانية.
علي الصعيد الخارجي استعادت حركة طالبان جزءا من السند الذي تقدمه لها بعض الاطراف في باكستان التي كانت سندها الرئيسي حتي سنة 2001، بل يظهر ان دولا اخري لها مصلحة في اندحار الولايات المتحدة قدمت سندا للحركة وقد كشف المسؤول العسكري في حركة طالبان الملا داد الله في لقاء خاص مع مراسل الجزيرة ان عدة دول عرضت تقديم المساعدة لقتال الامريكيين وقوات الناتو.
آثار انتفاضة كابول انعكست بسرعة علي ارض المعركة لصالح طالبان، فقد اعترف مسؤولون افغان من المؤيدين لكرزاي يوم الاربعاء 31 ايار (مايو) ان مقاتلي حركة طالبان قتلوا 12 علي الاقل من افراد الشرطة الافغانية وخطفوا نحو 40 آخرين في هجومين منفصلين جنوب البلاد. كما قتل المسؤول البارز بالشرطة محمد رسول واصيب اربعة آخرون بينهم مسؤولان محليان كبيران، عقب اطلاق عناصر من طالبان صاروخا علي سيارتهم في ولاية زابل يوم الثلاثاء.
ومباشرة بعد ذلك اكد مسؤول في كابول طلب ايضا عدم الكشف عن اسمه ان قوات طالبان سيطرت علي قاعدة الشرطة الرئيسية في منطقة تشورا في ولاية اروزجان وسط البلاد.
الدور المطلوب من ايران
التحول المفاجئ في الحرب الافغانية صدم القيادة الامريكية التي كانت تتصور انه سيكون بامكانها تخفيض عديد وحداتها وتسليم جزء هام من المسؤوليات العسكرية لحلفائها في الناتو لتركز جهدها العسكري في العراق. والمحافظون الجدد بدأوا يعيشون علي هاجس حلم مزعج بعودة طالبان الي السلطة وهم الان بصدد وضع استراتيجية جديدة للتخفيض من خطر تهديدات طالبان. وقد اشارت عدة مصادر امريكية الي انه قد يقوم تعاون جديد مشابه لما يحدث في العراق بين واشنطن وطهران للعمل علي منع عودة طالبان لتهديد الوجود الغربي بشكل جدي.
ويسجل الملاحظون انه بعد التطورات الاخيرة في افغانستان قام الرئيس الافغاني حامد كرزاي فجأة بزيارة الي ايران قيل رسميا ان هدفها بحث ملف اللاجئين الافغان هناك والمساعدات الايرانية لحكومته، غير ان الواضح للبعض وخاصة انصار حركة طالبان ان كرزاي يبحث بدعم من واشنطن عن تدخل ايراني قوي ضد طالبان كما حدث اثناء الغزو سنة 2001. ويجب التذكير هنا ان واشنطن اعترفت رسميا في حينه بهذا التعاون.
فيوم الاحد 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 اعترف وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد ان مستشارين عسكريين امريكيين وايرانيين يعملون مع نفس الاطراف في النزاع الافغاني وخصوصا مع قوات المعارضة لنظام طالبان الحاكم في كابول.
وقال رامسفيلد لتلفزيون سي بي اس ان الايرانيين يعملون مع بعض العناصر علي الارض واضاف لدينا نحن ايضا اناس يعملون مع هذه العناصر . واوضح هناك اماكن في البلاد نجد فيها ضباط ارتباط ايرانيين وكذلك ضباط ارتباط امريكيين موضحا مرة اخري ان هؤلاء المسؤولين يعملون مع نفس العناصر .
واعلن وزير الدفاع الامريكي في حينها ايضا ان ايران، سيكون لها من دون شك دور تلعبه في اقامة حكومة ما بعد طالبان في حال الانتصار علي حركة طالبان الاسلامية. واعتبر ان مخرج النزاع مهم لايران وقال انهم (الايرانيون) سيلعبون بالتاكيد دورا في تركيبة الحكومة الجديدة مشيرا الي ان اهتمام ايران، البلد المجاور لافغانستان بتطور هذا البلد امر مشروع .
سواء نجحت او فشلت واشنطن في جلب قوي اقليمية جديدة لمساندتها في حرب افغانستان فان عصر الحرب المحدودة الذي دام زهاء خمس سنوات قد انتهي واستطاعت طالبان ان تستقطب المزيد من المؤيدين لخوض حرب بين التاريخ دائما ان الشعوب تكسبها في نهاية المطاف مهما بلغت قوة العدو.
القدس العربي
واشنطن تعيش علي ايقاع كابوس عودة طالبان الي الحكم - عمر نجيب
