هيئة علماء المسلمين في العراق

الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني ودموع التماسيح على أخطائهما في العراق-د.عبدالله بن سالم
الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني ودموع التماسيح على أخطائهما في العراق-د.عبدالله بن سالم الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني ودموع التماسيح على أخطائهما في العراق-د.عبدالله بن سالم

الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني ودموع التماسيح على أخطائهما في العراق-د.عبدالله بن سالم

الولايات المتحدة وبريطانيا هما من دقا طبول الحرب على العراق، وحاولا أن يشاركهما العزف والدق على هذه الطبول أمم ودول أخرى، وبالفعل شاركت عدد من الدول في قارة أمريكا الجنوبية مثل كوستريكا ودول من أوربا الشرقية مثل رومانيا ودول من جنوب شرق آسيا مثل الفلبين، ودول ذات علاقة بالتاج البريطاني مثل أستراليا، ودول ذات علاقة اقتصادية بهاتين الدولتين ولا تزال بها قواعد أمريكية مثل كوريا واليابان.

إن الغالبية من الدول المشاركة مع الولايات المتحدة وبريطانيا في تلك الحرب ليس لها ولم يكن لها ذلك الدور السياسي أو العسكري أو الاقتصادي في العالم.

وكان من السهل أن تتأثر بترغيب الولايات المتحدة وتهديدها بالانضمام إليها في تلك الحرب.
ويمكن أن يكون دورها خدمياً واسمياً؛ لأنه ليس لها تلك القدرة أو أنها لم ترغب أن تشارك في سفك دماء العراقيين بشكل مباشر، وإنما تكتفي بأن تكون العلاقة من خلال السفك لذلك الدم بطريق غير مباشر.
يبدو أن اليابان بالفعل حرصت على أن يكون دورها متمثلاً في البناء والتعمير، وليس في خوض معارك، وربما فكرت اليابان كعادتها من منظور اقتصادي وأن الغمة عن العراق ستنتهي وأنه من الأفضل لها أن تترك لها سمعة طيبة لدى شعب العراق لكي تحظى بمشروعات في المستقبل عندما تتكون حكومة عراقية تفرق بين المواقف العدائية والمواقف غير العدائية.

أما أستراليا فإن مشاركتها جاءت من باب: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً؛ بالمعنى الظاهري للحديث وليس بالمعنى الذي بين أسطره. ولكنها كانت مساندة تماماً للعدوان وشكلت بوقاً من أبواق الدعاية الإعلامية التي شنت على العراق قبل الحرب وروجت وبشكل كبير لإمكانية العراق في صنع أسلحة دمار شامل دون دليل ملموس وواضح ومقنع.

كذبوا على أنفسهم وأقنعوها، وحاولوا أن يمرروا الخديعة ويقوننونها من خلال استصدار قرار من الأمم المتحدة، ولكنهم فشلوا في ذلك. وقررت بريطانيا والولايات المتحدة أن تتخذا قرار الحرب في المحيط الأطلسي في جزر الأزور التي سماها العرب منذ القدم إن لم تخنِّ الذاكرة بجزر الخالدات. وبطبيعة الحال كان لا بد من ضم البرتغال إلى عصبة الحرب، ولو عن طريق استضافة هذا اللقاء بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني في جزر الخالدات يتوسطهم رئيس البرتغال عندما اعلانا في بيانهم بأنهم مضطرون لنزع أسلحة الدمار الشامل في العراق بالقوة، وبأنهم لا يحتاجون لتفويض جديد من الأمم المتحدة. ولقد أصبحت تلك الجزر بالفعل خالدة في ذهني، وذهن الملايين كلهم ممن هم ضد هذا العدوان. وأصبحت هذه الجزر مرتبطة بقرار اللحظة الأخيرة الذي ترتب عليه سفك دماء آلاف مؤلفة من العراقيين، ونهب ثروات العراق بمليارات الدولارات من الآثار والأسلحة التي حول معظمها بين عشية وضحاها إلى خردة تباع في وضح النهار على المنتفعين من دول العدوان.
فما هو الهدف من هذا الاعتراف الذي جاء متأخراً. الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني بلير كلاهما سيغادر منصبه بنهايته المحددة ما لم يطرأ أمر ينهي فترتيهما قبل انتهائها القانوني.

من المفترض أن تكون لبلير فرصة، ولكن المؤشرات المتمثلة في الهزيمة الانتخابية المحلية الأخيرة تقول: لا. لكن يظل المنصب على رغم أهميته، إلا أن الأهمية الكبرى للحزب، لأن وراء كل منهما حزباً من المفترض أن يخشى على مكانته، فالممارسات السياسية الخاطئة لا تحسب فقط على الرئيس أو رئيس الوزراء، ولكنها تحسب على الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس، إذ إن البرنامج السياسي الذي يتبناه الرئيس هو في الأساس مشروع سياسي للحزب، وما يقوم به الرئيس هو حسن التنفيذ والإدارة لهذا المشروع والمنافحة دونه داخلياً ودولياً، وهو يرجع في كثير منه إلى البرلمان أو مجلس النواب والشيوخ، وهي في الغالب تمثل الأغلبية للحزب الحاكم. وعلى هذا الأساس فإن هذه الاعترافات الأخيرة هي محاولة لتحسين صورة حزب كل منهما تجاه الشعب.
أما بالنسبة إلى العراقيين المتضررين الحقيقيين، فعليهم انتظار الفرج ولن يفيدهم هذا الاعتراف بشيء في المستقبل المنظور.

وصل رئيس الوزراء البريطاني إلى العراق خلسة، وتحدث إلى الوزير الأول في الحكومة العراقية، وبالتأكيد أكد عليه بأن يحاول أن ينجح سياسة الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق.

ولكن الأمل في رئيس الوزراء العراقي الجديد أن يعمل على إنجاح ما يحتاجه الشعب العراقي موحداً وليس مفرقاً.
والمتوقع منه وكما رفض سياسة صدام الدموية أن يرفض سياسة التفريق الأمريكية، ولديه الكثير من دعائم الرفض يدركها الرئيس المالكي تماماً.

انطلق بلير إلى البيت الأبيض بعد زيارة بغداد، والسبب الظاهري هو التهنئة بنجاح تشكيل الحكومية العراقية.
ولكن السبب الباطني هو الاعتراف بفشل السياسة الأمريكية والبريطانية في العراق التي اشتطت وشاطت.
واختتم لقاؤهما في البيت الأبيض ببعض الاعترافات بشأن الحرب على العراق.

ولكن ما اعترافات الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني بهذا الشأن؟ لقد اعترفا بالانتهاكات التي حصلت للسجناء العراقيين في سجن أبو غريب.
واعتراف آخر بأنهما لم يكونا يعلمان بأنه ستكون هناك مقاومة شديدة، وأنه كان هناك خطأ في التقدير.
واعترف الرئيس الأمريكي بأنه تعلم بألا يستخدم تعبيرات قوية مثل ما قال بأنه سيجلب أسامة بن لادن حياً أو ميتاً.
ولم يعترف بوش بزلة لسانه التي قال فيها بعد أحداث سبتمبر بأنه سيشن حرباً صليبية على المسلمين.
لم يعترف بأن تلك العبارة كانت قوية، وأنه لم تكن لها ضرورة. ولم يعترف بوش وبلير بأنهما أشعلا حرباً طائفية، ولم يعترفا بأنهما تسببا في فوضى عارمة في العراق.
ولم يعترفا بأنهما يتسببان في ضياع ثروات العراق من خلال المشروعات التي تنفذ دون مناقصات وعلى شركات بريطانية وأمريكية دون سواهما؟
لم يعترفا بأنهما عجزا عن الإعمار ولكنهما لم يعجزا عن إلحاق الدمار بالعراق وشعبه وأرضه. لم يعترفا بأن جانباً مما حدث للعراق هو في مصلحة الكيان الصهيوني وأنه من أجل حمايته. لم يعترفا بأنهما قطعا أرزاق ملايين العراقيين بتسريحهم للجيش والأمن العراقي.
لم يعترفا بأنهما تتسببا في قتل الآلاف من الكوادر الأكاديمية المتميزة في جامعات العراق وكذلك الطيارين المدربين في الجيش العراقي من قبل عمل مخابراتي منظم.
لم يعترفا بأنهما تسببا في إعاقة نسبة كبيرة من سكان العراق؛ إما إعاقة نفسية أو إعاقة جسدية.
لم يعترفا بأنهما تسببا في ترمل عشرات الآلاف من النساء في العراق. لم يعترفا بأنهما خلقا أمراضاً اجتماعية من ضمنها احتمالية الانسياق إلى الرذيلة.

لم يعترفا بحق الشعب العراقي في المقاومة، ولم يعترفا بوجود مقاومة، وإنما يقولون بوجود إرهابيين وتكفيريين ومسلحين.
وعلى رغم هذه الاعترافات الجريئة من الرئيس الأمريكي، إلا أنه أكد بأنه على الرغم من الإخفاقات والخطوات الخاطئة، إلا أنه يعتقد بكل صدق وبكل قوة بأنهما فعلا الصواب في العراق.
يقول الرئيس الأمريكي بعد تلك الاعترافات خصوصاً فيما يتعلق بالإساءة إلى السجناء في أبو غريب بأن العدالة أخذت مجراها، وأن من قاموا بتلك الأفعال المشينة سجنوا. ولكن من الذي سرب الصور؟
ولماذا سربت الصور؟ وما مصير من سرب الصور؟
الصور كانت واضحة ومنتقاة ومركزة بشكل أساسي على الجوانب غير الأخلاقية التي تؤثر على كرامة المسجونين ورجولتهم، وتنال من نفسياتهم ومعنوياتهم. والصور أخذت بتدبير مخابراتي يهدف إلى تهديد المقاومة بأن كل من يسجن سيفعل به مثل ما حدث في الصور.
قالا عندما نشرت الصور: إن هذه الممارسات فردية وتحدث في كثير من العالم، وهددا بالويل والثبور وعظائم الأمور مرتكبيها بأنهم سيحاسبون حساباً عسيراً، ولكن شيئاً من هذا العقاب لم يحدث، وإنما العقاب كان ميسراً، ويبدو أن من سجن كان ظاهرياً وليس فعلياً. من الذي يستطيع أن يتحقق من سجن من تسبب في أذية المسجونين؟ من المفترض أن يسجن الفاعلون في السجن ذاته، ويتولى الإشراف عليهم عراقيون ليضمن العراقيون تنفيذ الحكم.
ماذا عن الذين تعرضوا لتلك الجريمة البشعة في سجن أبو غريب؟
من يعالج نفسياتهم؟ من يعوضهم عما فقدوه من كرامة؟
وعلى رغم عدم اعترافاهما، إلا أن مئات الملايين من الشهود من أبناء الأمتين العربية والإسلامية موجودة وعاشت هذه الأحداث ووقائعها.
شهدت هذه الشعوب على ما حدث من أحداث إجرامية في الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 وأدانتها.
ولكنها شهدت على الدمار والخراب الذي لحق بالقرى الأفغانية عام 2001 وسجلته وشهدت على ما اقترفته السياسة الأمريكية في سجن جزيرة جوانتانامو الكوبية الأصل المستأجرة من قبل القوات الأمريكية منذ أكثر من أربعين سنة بأربعة آلاف دولار لم تستلم منها كوبا على ما يبدو فلساً واحداً كقاعدة عسكرية. هذا السجن الذي مورست فيه ألوان التعذيب كافة، وألغيت فيه القوانين الدولية والمحلية كلها التي تحمي السجناء.
كل هذه الأمور شهد عليها مئات الملايين من الشعوب العربية والإسلامية.

وشهدوا أيضاً على كل ما اقترفته الولايات المتحدة وبريطانيا في حق الشعب العراقي. ويشهدون على ما تقترفه الولايات المتحدة ضد الشعب الفلسطيني في قيادتها الحملة المسعورة ضد السلطة الفلسطينية المنتخبة في منع المعونات عن الشعب الفلسطيني. وهذه الممارسات تدفع الكثيرين إلى الانخراط والارتماء في أحضان التطرف والعنف ضد مصالحها، وضد البلدان التي توجد للولايات المتحدة فيها مصالح. الولايات تبشر بالديمقراطية التي أرادت أن تكون بطريقتها وتبعاً لثقافتها، ولكنها سجلت فشلاً ذريعاً في العراق الذي وعد بالديمقراطية، لأن الديمقراطية المزعومة قامت على طائفية بغيضة وانتخابات تمت تحت مظلة حراب الاستعمار.

أضف تعليق