«الوعد والوعيد» من المفاهيم الإسلامية، والوعد إذا أطلق اختص بالخير، أما الوعيد فهو في الشر. ووعد الله ووعيده منه ما يتحقق فورا، ومنه ما يتحقق بعد حين، وذلك يقتضيه الصراع بين الحق والباطل، والابتلاء والاختبار في هذه الدنيا، فلو أن من يكذب كذبة ينعقد لسانه، ومن يسرق تشل يده، ومن ينظر بعينه إلى الحرام يصاب بالعمى، لما كذب ولا سرق ولا ملأ عينه من الحرام أحد، ولكانت هذه الحياة قد انتهت، فما عادت امتحانا من الله لعباده، وهي حينئذ مثل معلم يمتحن طلابه، فيجيب على الأسئلة في أثناء امتحانه، وبذلك يلغى الامتحان.
وفي هذا عزاء لنفوس المبتلين ببلوى، وتسلية لهم وتصبير، وفيه تعليم لهم بأن بلوغ الغايات لا يكون في التو واللحظة، وإنما يأتي بعد فعل المستطاع، وبذل الوسع، واستفراغ الطاقة، وذلك يحتاج إلى مطاولة زمانا وعملا.
والمتسائلون يتسائلون فيقولون: متى يأتي الفرج لمن هو في شدة؟! والتنفيس لمن هو في ضيق؟! ومتى يرتفع البلاء؟!
وجواب تساؤلاتهم المشروعة هو: إن الوعد والوعيد الإلهي قليلا ما يتحقق على الفور، وكثيرا ما يتحقق على التراخي، يعني بعد مرور زمن طويل أو متوسط أو قليل، ولذلك صور كثيرة، منها:
1- تحقق الوعد الإلهي بعد مرور سنة أو سنوات:
وهذا يتم للنبي محمد –صلى الله عليه وسلم- غالبا، ولذلك أمثلة عديدة، منها:
أ- أقام النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- بمكة ثلاث عشرة سنة فما آمن به إلا قليل مستضعفون في الأرض، حتى أسلم الأنصار (الأوس والخزرج) ، وبذلك انتقلت الدعوة من الدور المكي إلى الدور المدني، وأصبحت مدينتهم (يثرب) قاعدة للإسلام، فيها قامت دولته ومجتمعه وجيشه وتجربته الرائدة.
ب- لما خرج النبي -صلّى الله عليه وسلّم- من مكة مهاجرا واشتاق إليها، أنزل الله عليه: ((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)) (القصص: 85) ، وقد حقق الله- تعالى- هذا الوعد لنبيه -صلّى الله عليه وسلّم- يوم عاد إلى مكة ومعه أصحابه المؤمنون، بعد عشر سنوات من هجرتهم منها.
ت- في أول الإسلام انتصر الفرس على الروم في وقعة بينهما، وقد فرح مشركو مكة بنصر الفُرس لأنهم وثنيون مثلهم، وحزِن المسلمون باندحار الروم لأنهم أهل كتاب، وقال المشركون شامتين: لقد غلب إخوانُنا إخوانكم، ولنغلبنكم نحن، فأنزل الله: ((الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) )) والبِضْع: ما بين الثلاث إلى التسع، وقد تم لقاء الجيشين بعد أقل من عشر سنوات، وغلبت الروم فارس.
ث- رأى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في المنام قبل خروجه إلى الحديبية، أنه هو وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وظنوا أنهم سيدخلونها في ذلك العام، وقالوا: إن رؤيا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حق، فلما تأخر ذلك قال بعض المنافقين- على سبيل التشكيك والاعتراض- والله ما حلقنا ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت هذه الآية: ((لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)) (الفتح: 27) ، ودخلوا في العام التالي.
2- تحقق الوعد الإلهي بعد مرور عشرات السنين:
وهذا يتم للأنبياء – عليهم السلام- غالبا، ولذلك أمثلة عديدة، منها:
رؤيا يوسف –عليه السلام- : رأى يوسف –عليه السلام- في المنام أمه وأباه شمسا وقمرا، وإخوته كواكب ساجدة له، قال –تعالى- : ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)) (يوسف: 4) ، وكان هذا في صباه، فتعرض للمؤامرة وما رافقها من خوف وقلق ورعب، ثم تحول من حر إلى عبد، يبيعه هذا ويشتريه ذاك، ويعمل في خدمة هذا وخدمة ذاك، فلما بلغ سن الرشد افتتن فظهرت عفته، ثم أودع السجن (بضع سنين) ، ثم أصبح عزيز مصر، ومرت البلاد بقحط شديد، فكان لقاء يوسف بأسرته، وتحققت الرؤيا، وهي وعد من الله –تعالى- جاء في المنام، وقد طالت المدة بين الرؤيا وبين تحققها، فلم يقع تفسيرها إلا بعد أربعين سنة، وقيل: بعد ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، ((وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا )) (يوسف: 100).
ولو كان أحد من القانطين اليائسين مكان يوسف لكفر ربما بالرؤيا ويئس من تحققها!.
3- تحقق الوعد الإلهي بعد مرور قرابة قرن من الزمان:
وهذا يتم لعباد الله الصالحين غالبا، ولذلك أمثلة عديدة، منها:
تحرير بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي: فقد احتل الأوروبيون القدس الشريف في صيف سنة 493هـ، في إطار ما سميت بالحملات الصليبية، وبقيت تحت سيطرتهم تسعين عاما، حتى تمكن صلاح الدين الأيوبي من هزيمتهم وتحريرها في العام 583هـ.
ومن هذا نخلص إلى أن على صاحب كل قضية شخصية أو عائلية أو عامة أن لا يصل إلى درجة اليأس، فخاتم النبيين ما وصل إلى أهدافه إلا في غضون فترة قصيرة نسبيا في عمر الزمن وليس في عمر الإنسان (سنة أو سنوات) ، وإن الأنبياء ما حققوا مبتغاهم إلا خلال فترة متوسطة (عشرات السنين) ، والصالحون كصلاح الدين احتاجوا إلى مدد طويلة (قرابة قرن) ، فليعمل صاحب كل قضية مخلصا من أجلها، والنجاح والتوفيق من الله –تعالى- وهي المعادلة الربانية التي جسدها تجسيدا حيا الإمام الحسين –عليه السلام- في نهضته، حيث خاض معركة يعلم سلفا أنها معركة خاسرة، إذ تصدى على رأس عشرات الأشخاص من أهله وأقاربه وأصدقائه، لجيش ضم ألوف المقاتلين، فالنتيجة محسومة سلفا، لكنه أدى واجبه وهو الوقوف لا القعود، ولم يكترث للعواقب، ولم يحفل بها، وإن لكل مؤمن ومؤمنة يتخذون من الحسين سلفا وقدوة.. فلينهض كل منهم بتكليفه الشرعي، أما النتائج فتلك من أسرار الغيب..
وقديما قال القائل:
على المرءِ أنْ يسعى ويبذلَ جهْدَهُ ... ويقضي إلهُ الخلقِ ما كانَ قاضياً
وقال آخر:
على المرءِ أنْ يسعى لما فيه نَفعُهُ ... وليسَ عليهِ أن يساعدَهُ الدّهْرُ
فإنْ نالَ بالسعيِّ المُنى تَمَّ أمرُهُ ... وإنْ غَلبَ المقدورُ كانَ لهُ عذرُ
تحقق وعد الله ولو بعد حين / د. ثامر براك
