طَرح السؤال الذي يتصدر عنوان هذا الحديث نفسه بحدة علي لأول مرة، حين كنت أشاهد، على شاشة التلفزة بمدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، أثناء التحضير للدراسات العليا، مشاهد الخراب والدمار في بيروت، أثناء الغزو الإسرائيلي صيف عام 1982 .
كانت مشاهد الاجتياح تتتالى، وكانت المدن اللبنانية تتساقط، الواحدة تلو الأخرى من الجنوب، وصولا إلى بيروت.. وكان العجز العربي، قد بلغ حدا يصعب على جيلنا، جيل مرحلة التحرر الوطني وتصاعد المقاومة المسلحة لنيل الحرية والاستقلال في عدد من الأقطار العربية، أن يتصوره. وكانت صيحات أطفال فلسطين، ونداءات الاستغاثة التي تطلقها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تاهت جميعها وسط حالات التخمة، التي عاشتها بعض الدول العربية، وحالة الانشغال بالفقر المدقع، وتلبية الحاجات اليومية... وأيضا الانشغال بمباريات كرة القدم، والصراعات شبه المسلحة بين المتصارعين نصرة لهذا الفريق اللاعب أو ذاك!!، قد جعلت تلك الاستغاثات تتيه في قلب الزحمة، ولا تجد لها سوى صدى واهن في عدد قليل من الأقطار العربية. وكانت الحرب الضروس الدائرة على ضفاف الخليج بين العراق وإيران، أثناء تلك الفترة، تضفي هي الأخرى بصمات داكنة وكئيبة على المشهد العربي بأسره.
سقطت إثر ذلك الغزو، مدينة بيروت، وكانت أول عاصمة عربية في قائمة المصروفات في صراع الأمة مع الكيان الصهيوني. وكان وقع ذلك على النفس، والشعور باليأس والعجز ثقيلا ومرهقا ومرعبا.. وكانت الغربة والبعد عن الوطن والأهل والأحباب تضاعف من الألم والمعاناة. لقد كنا نحلم بتحرير فلسطين، ورفضنا التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة في قرارها رقم 181 في نوفمبر عام 1947، وكان الرفض لذلك القرار منطقيا ومشروعا، آنذاك، ولا أزال أراه كذلك حتى يومنا هذا. وكانت نتيجته تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين عن ديارهم، وزرع كيان مصطنع فوق أرض القداسات، ليكون خنجرا مسموما يحول دون تقدم ووحدة الأمة ونهضتها.. وليكون عازلا بين مشرق الوطن العربي ومغربه. وعللنا النفس بتحرير قريب للكرم المغتصب، وبعودة اللاجئين إلى ديارهم.
وكانت نكسة الخامس من يونيو عام 1967 محطة أخرى في مسلسل الهزائم الذي تعرض له مشروع التحرر القومي العربي. وفيه تضاعف حجم الكيان الصهيوني أكثر من أربع مرات!!. وانتقلت قضية التحرير، من مواجهة مع مشروع اغتصاب لأرض فلسطين، إلى قضية صراع على الحدود، وأصبحت الأطراف العربية التي فقدت جزءا من أراضيها: مصر وسوريا والأردن، معنية أكثر بهذا الصراع، فانتقلت المواجهة مع الكيان الصهيوني من قضية قومية إلى قضية وطنية. وبانتقالها فقدت كثيرا من بريقها وقدسيتها. فلم تعد المواجهة، بعد الخامس من يونيو مع المشروع الصهيوني مواجهة حضارية وثقافية، بل غدت صراعا على الحدود. وأصبح كل قطر عربي معنياً، بالدرجة الأولى، في هذه المواجهة باسترجاع الأراضي التي فقدت منه.. وسعى القادة العرب المعنيون بهذا الصراع مباشرة لإيجاد حلول خاصة ومنفردة لاستعادة أراضيهم المحتلة.
وكانت سياسة الحلول المنفردة نتاج عبقرية مستشار الرئيس الأمريكي نيكسون لشؤون الأمن القومي، ووزير خارجيته لاحقا، هنري كيسنجر. بعد حرب أكتوبر عام 1973، والتي عبر عنها آنذاك بسياسة الخطوة خطوة. وكان الهدف الأساس منها، هو تغييب أي موقف عربي جماعي في مواجهة الصلف والغطرسة الصهيونية. وقد كان لكيسنجر، للأسف، ما أراد. وعلى ضوء سياسة الخطوة خطوة تم فك عدة ارتباطات بين القوات الإسرائيلية والعربية على الجبهتين المصرية والسورية.
وتوقفت تلك السياسة، بعد فترة وجيزة، حيث تم احتواء حالة الاحتقان العربي إلى حين، واتجه الرئيس المصري الراحل، أنور السادات إلى التعامل المباشر مع الكيان الصهيوني، ودخل في مفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية انتهت بتوقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1978، تمكن بموجبها من استعادة سيناء، مقابل اتفاقيات ضمنت انتقالا رئيسيا في سياسات مصر، من التصدي لقيادة المواجهة القومية للمشروع الصهيوني، إلى التطبيع معه وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية معه، كما أثرت بقوة على التوازن الدولي في المنطقة، حيث انتقلت مصر من تحالفها وصداقتها مع الاتحاد السوفيتي إلى الضفة الأخرى، إلى التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتنسيق السياسي والاقتصادي والعسكري معها، والتماهي مع سياساتها الدولية وسياساتها ومشاريعها في المنطقة العربية.
هل من سبيل لهزيمة المشروع الصهيوني؟!
سؤال ظل يطرح نفسه باستمرار وحدة، وكلما تعثرت مشاريع الوصول إلى تسوية سياسية شجاعة تضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، أصبح السؤال أكثر حضورا. لقد انقسم الفلسطينيون منذ نهاية حرب أكتوبر عام 1973، بين من ظل متمسكا باستراتيجية الكفاح المسلح والمقاومة طريقا لتحرير فلسطين، من البحر إلى البحر، وبين من وجد في تحقيق هذا المطلب عملا مستحيلا، ضمن مناخ سياسة الوفاق الدولي، بين القطبين العظيمين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. كانت شعارات الحرب الشعبية والمقاومة المسلحة قد بدأت تتراجع على الصعيد العالمي، بعد الهزيمة الأمريكية في الهند الصينية، وبعد التوجه الأمريكي - السوفيتي نحو الحد من الأسلحة النووية. ومن جهة أخرى، كان التسليم بالاغتصاب الصهيوني لفلسطين، من قبل المجتمع الدولي قد أصبح أمرا واقعا.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، وتشجيعاً من الرئيس المصري السادات اتجهت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بعد منحها تفويضا رسميا من القادة العرب بوحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني، إلى التعامل بإيجابية مع الحلول السياسية. وكانت الخطوة الأولى في هذا الطريق قد تمثلت في الخطاب الذي ألقاه الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي أشار فيه إلى أنه جاء إلى الاجتماع حاملا معه البندقية في يد وغصن الزيتون في اليد الأخرى، وطالب المجتمع الدولي بألا يسقط غصن الزيتون من يده!!.
ومع امتداد المسيرة نحو التسوية، والاتجاه الفعلي للتفاوض مع الكيان الصهيوني، لم يعد هناك مكان للبندقية، حيث غدا الكفان مثقلين بمشاريع لا تعد ولا تحصى، لحلول "سلمية" تتبارى جميعها للأخذ من حصة الفلسطينيين والأمة العربية، لصالح إسرائيل!!.
ومع غزو بيروت، تكشف بما لا يقبل الجدل، عجز المشروعين الفلسطينيين: المقاوم والمسالم،عن إيجاد مدخل صحيح للتعامل مع المشروع الصهيوني. عجزت جبهات الصمود والتصدي، وانفرطت الواحدة تلو الأخرى.. وأخذ عدد آخر من منظمات المقاومة في الالتحاق بقائمة "المسالمين" والباحثين عن حلول في الأروقة الدولية.
وجاءت مفاوضات مدريد بعد أزمة الخليج عام 1990، لتؤكد بشكل لا يقبل الجدل، أن من يملك أوراقا تفاوضية قوية، يسندها جيش منظم وقوي ودعم دولي، هو من يملك فرض الحلول، ولم يكن العرب في حال يمكنهم من فرض أي حل. وكانت النتيجة أن دارت تلك المفاوضات في حلقات مفرغة، وكان الحوار بين العرب والصهاينة، في واشنطن أشبه بحوار الطرشان، وانتهت تلك المفاوضات إلى فشل ذريع..
وفي الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي عقد في الجزائر، أثناء استعار الانتفاضة الفلسطينية الأولى، لم يعد هناك محاربون ومسالمون أو مستسلمون في حركة المقاومة. فالكل وافق على البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، المتضمن الاعتراف بضرورة العمل على قيام دولتين على أرض فلسطين التاريخية: دولة إسرائيل في الحدود التي كانت قائمة بها حتى عدوان الخامس من يونيو عام 1967، ودولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف وتقوم على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان ذلك هو الأساس الذي استندت عليه مفاوضات أوسلو التي تمخض عنها اتفاق غزة أريحا - أولا.
ومن جديد كان منطق القوة يفرض حضوره بشدة: من يملك القوة يملك فرض صناعة القرار.. وكانت جملة الأوراق الفاعلة من نصيب الكيان الصهيوني.. وكانت النتيجة قيام سلطة فلسطينية هزيلة على أجزاء من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، تحاصرها المستوطنات الصهيونية من كل جانب. كانتونات منفصلة عن بعض، تتجمع في الوادي، وتطل عليها المستوطنات من عل?.. ومعابر ضيقة تحرسها الحراب الإسرائيلية، وجدار عازل يفصل بين الضفة والقطاع وبين بقية أراضي فلسطين التاريخية. وصراعات على مغانم لم يتم اكتسابها بعد، ومشاريع واتفاقيات في شرم الشيخ وواي ريفير وكامب ديفيد، وخارطة طريق، ومشاريع للقمم العربية، ولكل منها عدد كبير من الضحايا.. طرق مسدودة معمدة بدم الشهداء من القادة والمقاومين الفلسطينيين، في سلسلة طويلة، ربما أمكننا تحديد بدايتها واتجاهها، لكن تحديد نهايتها رهن بالجواب على السؤال، الذي بدأنا به حديث هذا اليوم: هل من سبيل، ونحن نعايش الذكرى التاسعة والثلاثين من النكسة، لهزيمة المشروع الصهيوني؟
ماذا؟! وكيف؟! ومتى نتمكن من هزيمة هذا المشروع؟!
الوطن السعودية
39 عاماً على النكسة.. هل من سبيل لهزيمة المشروع الصهيوني؟!.. يوسف مكي
