الغدر ليس من الاخلاق التي يتخلق بها المسلمون فهو خلق ذميم، والخيانة هي عدم الوفاء بالعهود فهي ليست من أخلاق المسلم فلم يجز الاسلام الغدر والخيانة والمسلم الحق الذي يبتغي السير على نهج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلا تكون هكذا أخلاقه. فالخيانة هي الغدر ونقض العهد ..
فهي خلق ذميم، ورذيلة خسيسة تنفر منها النفوس السليمة وأصحاب الضمائر اليقظة، وتزداد الخيانة سوءاً إذا أقترنت بالغدر..
والخيانة من سمات النفاق للحديث الذي رواه ابو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان))
وأشد الناس فضيحة يوم القيامة هم الخائنون، لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان)) رواه البخاري ومسلم
وما القرآن إلا عهود ومواثيق بين الله وعباده وقد دعانا رب العزة إلى الوفاء فقال: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [المائدة:1].
تحريم الغدر والخيانة:
1- قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} [النساء:107].
قال الطبري رحمه الله: "يقول: إن الله لا يحب من كان من صفته خيانة الناس في أموالهم، وركوب الإثم في ذلك وغيره مما حرمه الله عليه"[1].
وقال القرطبي: "روي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويغتال ويغدر ويحتال، فنزلت هذه الآية إلى قوله: {كَفُورٍ}، فوعد فيها سبحانه بالمدافعة، ونهى أفصحَ نهي عن الخيانة والغدر. وقد مضى في الأنفال التشديد في الغدر، وأنه ينصب للغادر لواء عند استه بقدر غدرته يقال: هذه غدرة فلان"[2].
2- وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء:34].
قال ابن كثير رحمه الله: "قوله: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} أي: الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها؛ فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه، {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} أي: عنه"[3].
3- وقال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِين} [يوسف:52].
قال القرطبي رحمه الله: "معناه أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم"[4].
وقال ابن سعدي رحمه الله: "فإنّ كلّ خائن لا بدّ أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بدّ أن يتبين أمره"[5].
4- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بئست البطانة))[6].
قال المناوي رحمه الله: "((فإنها بئست البِطانة)) بالكسر، أي: بئس الشيء الذي يستبطنه من أمره ويجعله بطانة. قال في المغرب: بطانة الرجل أهله وخاصته مستعار من بطانة الثوب. وقال القاضي: البطانة أصلها في الثوب فاستعيرت لما يستبطن الرجل من أمره ويجعله بطانة حاله. والخيانة تكون في المال والنفس والعداد والكيل والوزن والزرع، وغير ذلك"[7].
5- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))[8].
قال النووي رحمه الله: "الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلّق بأخلاقهم؛ فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار"[9].
6- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره))[10].
قال ابن تيمية رحمه الله: "فذمّ الغادر، وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر"[11].
7- وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرا على جيش أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: ((اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا...))[12].
قال النووي رحمه الله: "وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي: تحريم الغدر، وتحريم الغلول..."[13].
8- وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكلّ غادر لواء, فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان))[14].
9- وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكلّ غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة))[15].
قال النووي رحمه الله: " معنى: ((لكل غادر لواء)) أي: علامة يشهَر بها في الناس؛ لأن موضوع اللواء الشهرة. وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر، لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأنّ غدره يتعدّى ضرره إلى خلق كثيرين. وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء"[16].
وقال ابن حجر رحمه الله: "أي: علامة غدرته، والمراد بذلك شهرته وأن يفتضح بذلك على رؤوس الأشهاد، وفيه تعظيم الغدر سواء كان من قبل الآمر أو المأمور"[17].
10- وعن علي رضي الله عنه قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها: ((ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدل))[18].
قال النووي رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم: ((وذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم)) المراد بالذمة هنا الأمان. معناه: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمّنه به أحد المسلمين حرُم على غيره التعرُّض له ما دام في أمان المسلم، وللأمان شروط معروفة... وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله)) معناه: من نقض أمانَ مسلم فتعرّض لكافر أمَّنه مسلم، قال أهل اللغة: يقال: أخفرتُ الرجل إذا نقضتُ عهده، وخفرته إذا أمَّنته"[19].
وقال ابن حجر رحمه الله: " قوله: ((ذمّة المسلمين واحدة)) أي: أمانهم صحيح، فإذا أمَّن الكافرَ واحدٌ منهم حرُم على غيره التعرّض له... وقوله: ((يسعى بها)) أي: يتولاها ويذهب ويجيء، والمعنى: أن ذمّة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمّن أحد من المسلمين كافرا وأعطاه ذمّةً لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحرّ والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة... وقوله: ((فمن أخفر)) بالخاء المعجمة والفاء أي: نقض العهد، يقال: خفرته بغير ألف أمّنته، وأخفرته نقضت عهده"[20].
قال ابن تيمية رحمه الله: "جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود، وبأداء الأمانة ورعاية ذلك، و النهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك"[21].
11- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))[22].
قال المناوي: "أي: لا تعامله بمعاملته, ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله, وليس منها ما يأخذه من مال من جحده حقّه إذ لا تعدّي فيه, أو المراد إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته وإن كان حسنا, بل قابله بالأحسن الذي هو العفو, وادفع بالتي هي أحسن"[23].
خيانة القوم والوطن:
هو أن يكون ذلك الخائن الخسيس مطية لأعداء الله في تنفيذ مخططاتهم وما فيها من دمار للبلاد والعباد، أو دليلا لهم على عوراتها، والعرب قبل الإسلام كانت ترى في خيانة الوطن والقوم جرما يستحق صاحبه فيه الرجم , وقد جاء في سيرة ابن هشام رحمه الله أن أبرهة بنى كنيسة وأراد أن يصرف العرب إليها فذهب إليها رجل من العرب وأحدث أي تغوط وبال فعزم أبرهة على هدم الكعبة وسير لذلك جيشا وخرج معه بالفيل حتى وصل الطائف فخرج إليه مسعود بن متعب فقال له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ونحن نبعث معك من يدلك فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة وفي الطريق مات أبو رغال فرجمت العرب قبره. فهو قبره الذي يرجمه الناس بالمغمس
وكذا إبن العلقمي لعنه الله فقد كان دليلا لهولاكو على عورات بغداد وتدمير دولة الإسلام. فكان يراسل هولاكو ورغبه في دخول بغداد، وكشف له أسرار جيش الخلافة، وخدع الخليفة فخرج للصلح مع هولاكو في سبعمائة من كبار القوم، فقتلهم هولاكو جميعا ولم يرجع منهم أحد، فلعنة الله على الخائنين في كل زمان ومكان .
فالخائن محتقر حتى في عيون من وظفوه، يروى أن نابليون في حربه مع النمسا استفاد من معلومات قدمها له ضابط نمسوي، ولما جاء الضابط يطلب مكافأته، رمى له بصرة من الذهب على الأرض، فقال النمساوي: ولكني أريد أن أحظى بمصافحة يد الإمبراطور. فأجابه "نابليون" هذا الذهب لأمثالك، أما يدي فلا تصافح رجلا يخون بلاده".
وماشهدناه في زماننا , مافعلته امريكا بالخونة والعملاء حينما احتلت العراق فعندما انتهى دورهم حاولوا التخلص منهم باي طريقة حتى يموت السر معهم . وأوضح دليل مافعله المتلين الأمريكان والحكومة الحالية بقتل ماتسمى الصحوات , بعد ان انتهى دورهم. والقاصي والداني يشهد بذلك .
قال تعالى : (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور) .
وقال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِين) [يوسف:52].
وقال تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار () مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء )
وقال تعالى : (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) .
وقال تعالى : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) .
وسبب الخيانة؟
هو أن يكون الخائن عبدا للدرهم والدينار والنساء والمناصب ومثل هذه له ثمن فيسهل على أعداء الله شراءه لقوله صلى الله عليه وسلم :((تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة)) رواه البخاري.
أي هلك من كانت عبوديته لغير الله سبحانه كالمال والكساء وكلها إلى فناء.
أن يكون قد فقد الحياء من الله ومن الناس لقوله عليه الصلاة واسلام : ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)). رواه البخاري
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] جامع البيان في تأويل القرآن (5/270).
[2] الجامع لأحكام القرآن (12/67).
[3] تفسير القرآن العظيم (3/40).
[4] الجامع لأحكام القرآن (9/209).
[5] تيسير الكريم الرحمن (ص400).
[6] أخرجه أبو داود في الصلاة، باب: في الاستعاذة (1547)، والنسائي في الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الجوع (5468)، وابن ماجه في الأطعمة، باب: الاستعاذة من الجوع (3354)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1368).
[7] فيض القدير (2/124).
[8] أخرجه البخاري في الإيمان، باب: علامة النفاق (34)، ومسلم في الإيمان (58)، بنحوه.
[9] شرح صحيح مسلم (2/47).
[10] أخرجه البخاري في البيوع، باب: إثم من باع حر (2227).
[11] مجموع الفتاوى (29/145).
[12] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1731).
[13] شرح صحيح مسلم (12/37).
[14] أخرجه البخاري في الأدب، باب: ما يدعى الناس بآبائهم (6177)، ومسلم في الجهاد والسير (1735) واللفظ له.
[15] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1738).
[16] شرح صحيح مسلم (12/43-44) بتصرف يسير.
[17] فتح الباري (13/71).
[18] أخرجه البخاري في الحج، باب: حرم المدينة (1870) واللفظ له، ومسلم في الحج (1370).
[19] شرح صحيح مسلم (9/144-145).
[20] فتح الباري (4/86).
[21] مجموع الفتاوى (29/145-146).
[22] أخرجه أبو داود في البيوع (3535)، والترمذي في البيوع (1264)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (423).
[23] فيض القدير (1/223).
ــــــــــــــــــــــــ
منقول بتصرف
محمد صادق أمين
الغدر والخيانة ليسا من الاسلام
