منظر تكاد تقشعر له الأبدان وترتعد له الفرائص من هول ما شاهد الناس على شاشة إحدى الفضائيات العراقية، جثة ملقاة على الأرض أحرقت، والنار تلتهب فيها والجنود يرقصون حولها.
هل تصدق العين ما رأت أم تكذب؟، هل وصل الانسان في القرن الحادي والعشرين إلى هذه المرحلة من الحقد أو من موت الشعور بالانسانية فتلبدت شغاف قلبه بران أسود جعلها عمياء لا تبصر ولا تحس ولا تشعر، فيكون الحال كالذي غابت عنه مدخلات الخير فانعدمت وماتت بين جنباته مخرجاته ذلك هو أقل وصف يمكن أن يوصف به أولئك الجنود الذين لا يعرفون أبجديات الجندية وأخلاقها النبيلة.
إلا أن ما يثير التساؤل عن هذا الفعل الشنيع من عدم احترام الميت مهما اخلتفنا معه، والرقص على الجثمان الخ، أليس هذا غريبا على طبائع وعادات العراقيين وأنه دخيل عليهم كدخول الغرباء إلى أرض الرافدين.
ما سمعنا وما رأينا هذا يحدث في بلادنا من قبل أن تحرق جثة الميت ثم يرقص حولها؛ لأن هذا مناف لتعاليم ديننا الحنيف ولخلق المسلم وشعوره باحترام مشاعر الآخرين.
تصور أن غير المسلم يشاهد هذا، ماذا سيقول عندما يعرف أن هؤلاء عراقيون؟ ما هو الانطباع الذي سيتولد في ذهنه، وما هي الصورة الذهنية التي ستتركز بمخيلته عن هذا البلد وأهله، أظن أننا أمام مأزق كبير وخطير أن تتربى الأجيال القادمة على هكذا صور ذهنية تقشعر لها الأبدان، وأخشى ما أخشاه أن تموت فينا الانسانية التي تميز الانسان عن غيره من المخلوقات.
إن أفعال الانسان تخرج من عمق نفسه وتقلباتها، هذه النفس المليئة بالتقلبات والأمزجة التي لا تحدها حدود ولا تقف دونها الأماني وبالتالي تتعامل مع الآخرين على ضوء ما تنساق إليه من الأهواء والمصالح، ويستثنى من ذلك من جعل الشرع الحنيف رائده ودليله
وما أجمل ما قال الشاعر قديما:
ملكنا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالما غدونا على الأسرى نعفو ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا فكل إناء بالذي فيه ينضح
ومن الغريب جدا أن يحدث هذا ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين حيث أصبح العالم قرية صغيرة، وتقدمت العلوم كثيرا مما انعكس أثر ذلك على الانسان فبات العلم في متناول الجميع، وغدت المعرفة أيسر بكثير عما كانت عليه قبل عشرات السنين، لكن البعض يأبي إلا أن يعيش ما قبل التاريخ، فيرقص على جثمان الميت وكأن لا شعور لمن يقوم بهذا العمل (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج:46.
المشاعر الميتة في القرن الحادي والعشرين / عبد المنعم البزاز
