الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنوره أهل العمى، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم.(1)
وصلى الله وسلم وبارك على محمد النبي الأمي الذي هدى به العباد، وفرق به بين الحق والباطل، والظلمات والنور، والغي والرشاد، فأوضح به السبيل وأنار به الدليل, وهدى به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم...وبعد:
فقد رأيت لبعض أهل العلم بالنقل والطباق كلاماً تابعهم عليه بعض المتكلمين, يتضمن الطعن على الإمام العلامة الفقيه الحافظ الأديب الأخباري اللغوي المتفنن في أصناف العلوم والمعارف, أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِينَوَري عُرف بالقُتَبي الملقب (خطيب السنة) المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين رحمه الله, ونسبته إلى البدعة وانتحال مذاهب مرذولة عند أهل العلم, فوقع لي تتبعه وإمعان النظر والبحث فيه, ثم اتفق لي جمعه في هذه الأوراق المختصرة بياناً للحق وقياماً بالواجب تجاه علمائنا وأئمتنا.
وقد أفرد أهل العلم مصنفات في الذب عن النقلة من حملة العلم ورواته الذين حفظوه علينا ونقلوه إلينا, من الصحابة فمن بعدهم, كما صنف غير واحد في الذب عن أبي هريرة رضي الله عنه, وصنف أبو جعفر بن جرير ومحمد بن نصر المروزي وأبو حاتم بن حبان وأبو عبد الله بن منده وأبو عمر بن عبد البر في الذب عن عكرمة مولى ابن عباس, والتصنيف في هذا المعنى كثير منتشر لا يحصى إلا بكلفة.
والناس مختلفون في القتبي من جهتين:
الأولى: ما روي من اتّهامه بالبدعة.
والثانية: نقله في اللغة.
فأما البدعة فقد نقل عن الحافظ الكبير أبي الحسن الدارقطني أنه رماه بالتشبيه، ذكره ابن قزغلي وهو سبط ابن الجوزي في (تاريخه) المسمى بـ (مرآة الزمان).
وقد ردّ العلماء هذا كالذهبي وغيره بأنه لا يصح عن الدارقطني؛ لأن من حكاه عنه لم يسنده إليه, وإنما أرسله بلا إسناد(2).
ثم لا يقبل هذا من ابن قزغلي لأن الحامل عليه عداوة المذهب، وأيضا: فإن لابن قتيبة تأليفاً في الرد على المشبهة ذكره النديم والصفدي.
وأيضاً فإن نبز الحنابلة بالتشبيه شنشنة نعرفها من أخزم, ومن كرامات الإمام المجتهد شيخ الإسلام الموفق ابن قدامة رحمه الله ما حكاه الحَافِظَ اليُوْنِيْنِيَّ قال: لَمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ شنَاعَةَ الخَلْقِ عَلَى الحَنَابِلَةِ بِالتَّشْبِيْهِ، عزمتُ عَلَى سُؤَالِ الشَّيْخِ المُوَفَّقِ، وَبقيتُ أَشهراً أُرِيْدُ أَنْ أَسألَهُ، فَصعدتُ مَعَهُ الجبلَ، فَلَمَّا كُنَّا عِنْدَ دَارِ ابْنِ مُحَارِبٍ قُلْتُ: يَا سيِّدِي، وَمَا نطقتُ بِأَكْثَرَ مِنْ سيِّدِي، فَقَالَ لِي: التشبيه مستحيل. فَقُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لأَنَّ شرطَ التَّشبيهِ أَنْ نَرَى الشَّيْءَ ثُمَّ نُشَبِّهُهُ، ومن الَّذِي رَأَى اللهَ ثُمَّ شبَّهَهُ لَنَا؟!
ونقل عن الحاكم أنه رمى القتبي بالكذب وزعم أن الأمة أجمعت على تكذيبه، وقد تعقبه الحافظ أبو طاهر السلفي وأنكر مقالة الحاكم هذه قال: (ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة، لكن الحاكم قصده لأجل المذهب).
وردّ الذهبي دعوى الحاكم الإجماع بقوله: (ما علمت الأمة أجمعت إلا على كذب الدجال ومسيلمة، وهذا من الحاكم مجازفة وقلّة ورع، وما علمت أحداً قبله اتّهمه بالكذب بل وثقه الخطيب) .
وهكذا قال العلائي إنه لا يصح عنه بل هو جار على طريقة أهل الحديث في عدم التأويل (3).
وزعم ابن قزغلي أنه كان منحرفاً عن العترة، قال: وكلامه يدل عليه، وهو من أسمج الكذب، ولذا لم يقدر ابن قزغلي على أن يأتي بدليل واحد على ذلك، مع توسعه في الاطلاع على التواريخ وكلام الناس وأرباب المقالات فيقال له:
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبنائها أدعياء
ولو أن كل من اتّهم أو رمي ببدعة سقطت الثقة بعلومه وارتفعت عدالته لما بقى عالم، فمن الذي سلم من البدعة ؟! والأصل العدالة والثقة فلا ينتقل عن الأصل إلا بدليل صحيح، وعدالته ثابتة بيقين ولا يزول اليقين بالشك، وقد ذم ابن قتيبة الخوارج في (وصيتة لولده) وعابهم بالطعن على عليّ عليه السلام والبراءة منه (4).
ومثل هذا يقال في دعوى البيهقي أنه كان كرّامياً، وقد أخذها من شيخه الحاكم، والكرّامية من غلاة المشبهة الذين سقطوا في قعرة التشبيه والتجسيم، وقد سبق تبرئة القتبي من هذا، على أن الذهبى ردّه بقوله: (عهدي بالحاكم يميل إلى الكرامية، ثم ما رأيت لأبي محمد بن قتيبة في كتاب (مشكل الحديث) ما يخالف طريقة المثبتة والحنابلة، من أن أخبار الصفات تمرّ ولا تتأول) (5).
والعجب أن ابن قتيبة اتهم بالطعن بالصحابة الذي رماه به ابن قزغلي كما تقدّم، وهذا من أدل ما يكون على كذب كل ما رمي به من العظائم، وقد اتهمه القاضي أبو بكر بن العربي في (العواصم) قال: (فأما الجاهل فهو ابن قتيبة فلم يبق ولم يذر للصحابة رسماً في كتاب الإمامة والسياسة إن صح عنه جميع ما فيه) .
وقد تعقبه الأستاذ محب الدين الخطيب بأن الكتاب لم يثبت أنه من تصنيفه لأن فيه روايته عن شيوخ مصر وابن قتيبة لم يدخل مصر، ويقويه أن ابنه أحمد كان يحفظ كتب أبيه، فلما دخل مصر حدث بها فاجتمع أهل مصر لسماعها منه لأنهم لم يتفق لهم سماعها، فلو كان ابن قتيبة دخل مصر ما احتاجوا لسماعها من ابنه (6).
وذكر الأستاذ محب الدين في مقدمة كتاب (الميسر والقداح) لابن قتيبة أن الأستاذ غاينوس المجريطي أول من ارتاب في نسبة كتاب (أحاديث الإمامة والسياسة) لابن قتيبة وأكد هذه الريبة الدكتور دوزي فى (تاريخ الأندلس) له، قال: وكان أستاذنا المحقق الشيخ طاهر الجزائري ينقبض صدره إذا نسب أحد الكتاب إلى ابن قتيبة، على أن من ترجم لابن قتيبة لم يذكر هذا المصنف في كتبه، وفيه أن المؤلف نقل خبر فتح الأندلس عن امرأة شاهدته وإنما كان فتح الأندلس قبل مولد ابن قتيبة بنحو 120 عاماً، كما أنه يذكر فتح موسى بن نصير لمرّاكش مع أن هذه المدينة إنما شيّدها يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين سنة 455 هـ وابن قتيبة توفي سنة 276 هـ، قال: ولو كان هذا الكتاب لابن قتيبة لنقل منه العلماء وأحالوا عليه، ولم نعلم أحداً منهم صنع ذلك إلا ما كان من القاضي أبى عبد الله التوزي المعروف بابن الشباط، فإنه نقل عنه في الفصل الثاني من الباب الرابع والثلاثين من كتابه (حلة السمط) (7).
وأما ما رمي به من نقل اللغة، فقد قال أبو منصور الأزهري فى صدر (كتابه): (وأما أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري فإنه ألف كتباً في مشكل القرآن وغريبه، وألف كتاب غريب الحديث، وكتاباً في الأنواء، وكتاباً في الميسر، وكتاباً في آداب الكتبة، وردّ على أبي عبيد حروفاً في غريب الحديث وسماها: إصلاح الغلط، وتصفحتها كلها ووقفت على الحروف التي غلط فيها وعلى الأكثر الذي أصاب فيه، فأما الحروف التي غلط فيها فإني أثبتها في موقعها من كتابي ودللت على موضع الصواب فيما غلط فيه، وما رأيت أحداً يدفعه عن الصدق فيما يرويه عن أبي حاتم السجزي والعباس بن الفرج الرياشى وأبي سعيد المكفوف البغدادي، فأما ما يستبدُّ فيه برأيه من معنى غامض أو حرف من علل التصريف والنحو مشكل، أو حرف غريب، فإنه ربما زلّ فيما لا يخفى على من له أدنى معرفة، وألفيته يحدس بالظن فيما لا يعرفه ولا يحسنه، ورأيت أبا بكر بن الأنباري ينسبه إلى الغفلة والغباوة وقلة المعرفة، وقد ردّ عليه قريباً من ربع ما ألفه في مشكل القرآن) (8).
قلت: قد صنف الإمام محمد بن نصر المروزي في الرد على كتابه الذى أصلح فيه غلط أبي عبيد، وقد صرح الأزهري نفسه بأنه أصاب في كثير منها وأخطأ في أشياء، وهذا شأن كل مصنف كما قال الشافعي: (أبى الله أن يتمَّ إلا كتابه) على أن الإمام الأخباري اللغوي أبا عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي الملقب نفطويه قال في تقريظ القتبي: (كان إذا خلا في بيته وعمل شيئاً جوّده، وما أعلمه حكى شيئاً في اللغة إلا صدق فيه) ذكره الأزهري. (9)
ونفطويه من أهل العدالة مشهود له بالصيانة والديانة, مع التوسع في ضروب المعارف والفنون ولا سيما اللغة, وقد أفردنا كتاباً مبسوطاً في أخباره وفوائده.
وقد ذب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (وابن قتيبة هو من المنتسبين لأحمد وإسحاق -يريد في أصول السنة والاعتقاد- والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، وله في ذلك مصنفات متعددة، قال فيه صاحب كتاب التحديث بمناقب أهل الحديث وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء، وأجودهم تصنيفاً وأحسنهم ترصيفاً، له زهاء ثلاثمائة مصنف وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق، وكان معاصراً لإبراهيم الحربي ومحمد بن نصر المروزي، وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون: كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه فلا خير فيه، قال شيخ الإسلام: ويقال هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب السنة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة) (10) .
قلت: وهذا الكلام يهدم ما زعمه ابن الأنباري من غباوة القتبي وغفلته وقلة معرفتة، ومصنفات الرجل تنبئ بذكائه وحفظه ومعرفته، ولذا لم يلتفت العلماء إلى قول أبي بكر بن الأنباري ولا عرجوا عليه، وإنما عيب على ابن قتيبة روايته ما لم يسمعه من حروف يستبدّ بها وينفرد بنقلها في اللغة كما قاله الأزهري .
وهذا لا يضره فقد وقع فيه غيره، وخطأ العالم النادر مغمور في بحر علمه وفوائده، وعابوا عليه أيضاً تصنيفه في علوم لا ينهض بها ولا يتقنها، كالنحو والكلام والفقه، واستعظموا أن يرد على مثل أبي عبيد في (غريبه المصنف) وروايته عمن لم يسمع منه .
وقال أبو الطيب اللغوي في (مراتب النحويين): (إلا أن ابن قتيبة خلط عليه بحكايات عن الكوفيين لم يكن أخذها عن ثقات، وكان يتسرع في أشياء لا يقوم بها، نحو تعرضه لتأليف كتابه في النحو، وكتابه في تعبير الرؤيا، وكتابه في معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعيون الأخبار والمعارف والشعراء ونحو ذلك مما أزرى به عند العلماء، وإن كان نفق بها عند العامة ومن لا بصيرة له) ( 11).
قلت: لا ريب أن ابن قتيبة من أهل العلم بالنحو، لكن النحاة على مراتب، ولم يكن هو في الذروة من التمكن فيه وإنما كان يشارك فيه مشاركة جيدة، وقد أثنى على علمه بالنحو الكمال ابن الأنبارى من أئمة النحو وممن صنف فيه كتباً تنادي بإمامته في الفن مثل (الإنصاف فى اختلاف البصريين والكوفيين) و (أسرار العربية) فقال عن ابن قتيبة في (طبقات الأدباء): (كان فاضلا في اللغة والنحو والشعر متفنناً في العلوم) (12).
وقال إسحاق النديم: (كان ابن قتيبة يغلو في البصريين إلا أنه خلط المذهبين، وحكى في كتبه عن الكوفيين وكان صادقاً فيما كان يرويه عالماً باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه والشعراء والفقه, كثير التصنيف والتأليف وكتبه بالجبل مرغوب فيها) (13).
وهكذا أثنى عليه بالحذق والمعرفة بالنحو الوزير القفطي وابن خلكان والسيوطي والصفدي وابن العماد وغيرهم(14).
فكلام أبي الطيب اللغوي لا يعول عليه، وهو في (مراتبه) يتغالى في أهل البصرة ويتعصب لهم ويكثر من التنقص والطعن على الكوفيين والبغداديين، وقد طعن على أبي جعفر الرؤاسي وعاصم بن أبي النجود وابن محيصن، وزعم أنه لم يكن بالكوفة ولا في مصر من الأمصار مثل أصغر علماء البصرة، وأن حمزة الزيات لا قدر له عند البصريين وأنه لا يستحق الرياسة، لأنه لا يعرف الساكن من المتحرك ولا الوقف والاستئناف ولا القطع والوصل والهمز (15).
ومن تخاليطه زعمه أن ابن الأعرابي بإزاء غلمان الأصمعي، وزعم أن أبا عبيد القاسم بن سلام كان ناقص العلم بالاعراب، ورمى المفضل بن سلمة بالتخليط والتعصب، وزعم -وهي ثالثة الأثافي- أن بغداد ليست بمدينة علم، وأهلها -بزعمه- قوم لعب وهزل، في كلام ينبئ عن حقد وعصبية وفرط جهل، وهو في بعض تخاليطه تابع لأبي حاتم السجستاني, يجعل حكمه أصلاً ثم يبني عليه، وينقل قوله ليدعم به رأيه، فتراه حشد في كتابه هذا مثالب النحاة واللغويين من غير البصريين، وتنكب عن فضائلهم وغادرها(16) رحمه الله وعفا عنه.
وأبو حاتم لا يعتمد على قوله فيهم، لأنه بصري فقوله في أهل الكوفة تحامل وتعصب، لما بين المصرين من التنافس في العلوم, ولعل تحامله هذا كان في أول أمره ومبدأه ثم رجع عنه, كما قاله الدكتور محمد الدربي في رسالته عن جهود أبي حاتم اللغوية, بدليل أنه كان يقول: (كل قراءة قرأ بها أهل الكوفة فلا تقرأ بها) ثم هو يوافقهم في بعض الحروف فيقرأ بقراءتهم فيها.
وأما قوله في أهل بغداد فمن أين عرف أبو حاتم بغداد وأهلها؟ وهو لم يلق علماءها ولا أقام بها، وحكمه هذا فيهم ناشئ بسبب ما لقيه يوم دخل بغداد فسئل عن قوله تعالى (قوا أنفسكم) ما يقال منه للواحد؟ فقال: (قِ)، فقال: فالاثنين؟ قال: (قيا)، قال: فالجمع؟ قال: (قوا)، قال السائل: فاجمع لي الثلاثة ؟ قال: (قِ، قيا، قوا)، وكان في ناحية المسجد رجل جالس معه قماش، فقال لرجل: احتفظ بثيابي حتى أجيئ، ومضى إلى صاحب الشرطة وقال: إني ظفرت بقوم زنادقة يقرءون القرآن على صياح الديك، قال: فما شعرنا حتى هجم علينا الأعوان والشرطة فأخذونا وأحضرونا مجلس صاحب الشرطة، فسألنا فتقدم إليه أبو حاتم وأعلمه بالخبر، وقد اجمتع الخلق ينظرون ما يكون، فعنّف أبا حاتم وعذله وقال له: مثلك يطلق لسانه عند العامة بمثل هذا؟ وعمد إلى أصحاب أبي حاتم فضربهم عشرة عشرة، وقال: لا تعودوا إلى مثل هذا، فعاد أبو حاتم إلى البصرة سريعاً ولم يقم ببغداد ولم يأخذ عنه أهلها (17).
وقد قال سفيان بن عيينة وهو حجازى: (شبّان البغداديين أورع أو خير من شبان البصرة والكوفة). ذكره الخطيب وقال: قاله سفيان مع صحة رواية البصريين الذين ما زالوا بالتحفظ والورع معروفين. قال: وأهل بغداد معروفون بحسن المعرفة والتثبت وأخذ الحديث وآدابه وشدة الورع في روايته واشتهر ذلك وعرفوا به, حتى قال ابن علية: (ما رأيت أحسن رغبة في طلب الحديث من أهل بغداد) (18) وكان أبو حنيفة يقول لأهل البصرة: (أنتم أورع منا ونحن أفقه منكم) ذكره الموفق في (مناقبه).
فلا عجب بعد هذا أن يُنبزَ ابن قتيبة بما نُبز به من هو أنبل منه، كأبي عبيد وغيره، فلله الأمر.
وقد قال الإمام الحافظ الحجة أبو محمد بن حزم رحمه الله في الجزء الذي أفرده في ذكر محاسن الأندلس وفضائل أهلها: (هَذِه بَغْدَاد حَاضِرَة الدُّنْيَا ومعدن كل فَضِيلَة والمحلة الَّتِي سبق أَهلُهَا إِلَى حمل ألوية المعارف والتدقيق فِي تصريف الْعُلُوم ورقة الْأَخْلَاق والنباهة والذكاء وحدة الأفكار ونفاذ الخواطر وَهَذِه الْبَصْرَة وَهِي عين الْمَعْمُور فِي كل مَا ذكرنَا), وقال أيضا: (وَلَقَد تاقت النُّفُوس إِلَى ان يتَّصل بِنَا تأليف فِي أَخْبَار فُقَهَاء بَغْدَاد وَمَا علمناه علم على أَنهم الْعلية الرؤساء والاكابر العظماء). (19)
وقال يذكر بغداد في قصيدته الفائقة الرائقة التي نقض بها القصيدة التي لفقها بعض الزنادقة للنقفور الدمستق لعنه الله, وارتجلها في الذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
تريدون بغداد سوقاً جديدة مسيرة شهر للفنيق القواصم
محلة أهل الزهد والعلم والتقى ومنزلة يختارها كل عالم
وذكر المقري في (نفح الطيب) عن ابن غالب أنه قال في (فرحة الأنفس) في تقريظ أهل الأندلس وذكر محاسنهم: (وأهل الأندلس عرب في الأنساب والعزة والأنفة وعلو الهمم وفصاحة الألسن وطيب النفوس وإباء الضيم وقلة احتمال الذل والسماحة بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع وإتيان الدنية، هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم فيها وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في ظرفهم ونظافتهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم وحسن نظرهم وجودة قرائحهم ولطافة أذهانهم وحدة أفكارهم ونفوذ خواطرهم)(20).
وأما الفقه فقد ذكر النديم له كتاباً فيه أسماه (التفقيه) وآخر وسمه بـ (جامع الفقه) وقال عنه: (هذا الكتاب رأيت منه ثلاثة أجزاء بنحو ستمائة ورقة بخط نزك (21), وكانت تنقص على التقريب جزئين، وسألت عن هذا الكتاب جماعة من أهل الجبل فزعموا أنه موجود، وهو أكبر من كتاب البندنيجي وأحسن) .
كذا قال، وقد خولف فيه، فإن قاسم بن أصبع فقيه الأندلس ومفتيها سُئل عن كتاب القتبي في الفقه، كان ينفق عنه؟ قال: لا والله، لقد ذاكرت الطبري وابن سريج وكانا من أهل النظر وقلت: كيف كتاب ابن قتيبة في الفقه؟ فقالا: ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد في الفقه، أما ترى كتابه في (الأموال) وهو أحسن كتبه كيف بنى على غير أصل، واحتج بغير صحيح، ثم قال: ليس هؤلاء لهذا، بالحري أن تصح لهما اللغة، فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي وداود ونظرائهما(22).
قلت: والحال أن الرجلين كانا عالمين ينهضان بعلوم مهمة وفوائد جمّة، ومن كان كذلك فلا ريب أن القصور في بعض هاتيك العلوم والمعارف يتطرق إليه ولا بد، فليس هو في واحد منها كمن انتدب نفسه لعلم منها وانقطع إليه دون غيره من العلوم، فإنه وإن كان لا يدري غيره إلا أنه في فنه قد بلغ الغاية في الإتقان والحذق، فإذا تفوه في غيره تراه يأتي بعجائب وتخاليط، بخلاف من جمع علوماً، فإنه قد يغلط في الشيء بعد الشيء منها إلا أنه يقوم بجملتها، ولذا يروى عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه كان يقول: (إذا ناظرت عالماً في فن واحد لا يحسن غيره غلبني) أو نحو هذا (23).
وذلك لاستجماع ذهنه فيه واستفراغ وقته إليه، ولهذا تجد من الفقهاء الذين لا يدرون الحديث كما يليق يحتجون بالمنكر منه بَلْهَ الموضوع، كما احتج الإمام أبو محمد بن قدامة بحديث محمود بن لبيد في العرايا وزعم أنه متفق عليه، فتعقبه الشيخ جمال الدين الزيلعي في (تخريج أحاديث الهداية) بأنه لا أصل له موصلاً، إنما رواه الشافعي بلاغاً، واحتج في (روضته) في الأصول بحديث موضوع في أن السنة لا تنسخ القرآن خرّجه الدارقطني من رواية جبرون بن واقد وهو متهم كما نبه عليه ابن مفلح في (أصوله)، وإمام الحرمين احتج هو الآخر بحديث معاذ المشهور في الاجتهاد والقياس وزعم أنه مدون في الصحاح، وصنف والده الشيخ أبو محمد كتاب (المحيط) ادعى فيه أنه لا يحتج إلا بما يصح من الآثار ثم أورد فيه خبر النهي عن الوضوء بالماء المشمس وعزاه للصحيح مع أنه منكر جدا، فلما وقف عليه الحافظ أبو بكر البيهقي صنف رسالته المشهورة وأرسل بها إليه يعاتبه على هجومه في ما لا يحسنه من صناعة الحديث (24).
وقد كان أهل بغداد والكوفة أجمع للعلوم، وأهل البصرة يشتغل الرجل منهم بعلم ولا يجاوزه إلى غيره، ومن كان جمّاعاً للعلوم متفنناً فيها كان عرضة للطعن أكثر ممن اقتصر على فن واحد، ألا ترى إلى الطعن في ابن قتيبة والواقدي وابن حزم وابن تيمية وهشام الوقّشي وابن المرحل وابن يونس الموصلي وابن حبيب وغيرهم ممن لا يحصى ولا يستقصى إلا بكلفة، حتى قيل إن العالم بفن يخطئ لقصوره في الاطلاع، والعالم المتفنن يخطئ لتبحره وكثرة اطلاعه، كما قاله المقبلي في (الأبحاث المسددة) في شأن شيخ الإسلام ابن تيمية .
وقد ذكر القفطي في (أنباء النحاة) عن أبى حاتم السجستاني قال: (ورد علينا عامل من أهل الكوفة لم أرَ في عمال السلطان بالبصرة أبرع منه، فدخلت مسلماً عليه، فسألني: من علماءكم بالبصرة؟ قلت: الزيادي أعلمنا بعلم الأصمعي، والمازني أعلمنا بالنحو، وهلال الرأي أفقهنا، والشاذكوني من أعلمنا بالحديث، وأنا رحمك الله أنسب إلى علم القرآن، وابن الكلبي من أكتبنا للشروط. قال: فقال لكاتبه: إذا كان الغداة فاجمعهم إلي، قال: فجمعنا إليه فقال: أيكم المازني؟ فقال أبو عثمان: ها أنذا يرحمك الله، قال: هل يجزئ في كفارة الظهار عتق عبد أعور؟ فقال المازني: لست صاحب فقه يرحمك الله، إنما أنا صاحب عربية، فقال: يازيادي كيف تكتب بين رجل وامرأة خالعها على الثلث من صداقها؟ قال: ليس هذا من علمي، هذا علم هلال الرأي، قال: يا هلال كم أسند ابن عون عن الحسن؟ قال: ليس هذا من علمي، هذا علم الشاذكوني، قال: يا أبا حاتم كيف تكتب كتاباً إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما أصابهم في الثمرة، وتسأله النظر والنظرة؟ فقال: لست يرحمك الله صاحب بلاغة وكتابة، أنا صاحب القرآن، فقال: ما أقبح الرجل يتعاطى العلم خمسين سنة ولا يعرف إلا فناً واحداً، حتى إذا سئل عن غيره لم يُحرِ فيه ولم يُمِرّ !! ولكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سُئل عن كل هذا لأجاب) (25).
وغلط المختصين في فن إذا أقحموا أنفسهم فيما لا يحسنونه ولا يتقنونه من الفنون لاغرابه فيه، لكن القبيح أن يهجم على الجواب فيما لا يعلمه أو يشارك فيه، أو يجهل من العلوم ما يتصل بفنه الذي يحسنه ويدريه كالحديث مع الفقه فيه، واللغة مع النحو، والتفسير مع القرآن وغير ذلك، كما حكوا عن ابن صاعد الحافظ ان امرأة سألته عن بئر سقطت فيه دجاجة فماتت هل الماء طاهر أم متنجس ؟ قال: ويحك كيف سقطت الدجاجة؟ فقال الفقيه أبو بكر الأبهري المالكي: يا هذه إن لم يكن الماء تغير فهو طاهر (26).
وسألت امرأة تغسل الموتى ابن معين وأبا خيثمة وخلف بن سالم وقد سمعتهم يتذاكرون الطرق والروايات، عن غسل الميت للحائض؟ فحاروا في جوابها وسكتوا إذ أقبل أبو ثور فسألته فقال: نعم تغسل الموتى لحديث (إن حيضتك ليست في يدك) وكانت عائشة ترجل شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي حائض، فخاضوا في طرق الحديث، فقالت المرأة: أين كنتم قبل الآن(27).
ولو ذهبنا نستقصي أمثلة هذا الضرب لطال المقام جداً، والمقصود أن ابن قتيبة وأبا عبيد فقيهان، لكن ليسا فيه كالشافعي وداود ونظرائهما، فأما بَخس العالم حقه فليس من الإنصاف في شيء، ويمكن كل أحد أن يدعي في الطبري وابن سريج مثل هذا في الحديث أو غيره من العلوم، فهما لم يكونا في اللغة كأبي عبيد وابن قتيبة، وفي معرفة غريب الحديث كان أبو جعفر الطبري دون أبي عبيد فيه، وقد وقع هو في مصنفاته بما رمى به أبا عبيد في الاحتجاج بما لا أصل له، ولاسيما في (تاريخه) فإنه حشده بالموضوعات والمناكير وما يشهد العقل والشرع ببطلانه، وكذا (تفسيره) فإن فيه من الإسرائيليات الشئ الكثير مما يحتاج إلى فحص ومحص، وقد ادعى هو في الإمام أحمد أنه ليس بفقيه ولم يذكر اختياره وقوله في كتابه الذي صنفه في اختلاف الفقهاء فتعرض له الحنابلة فظلم وأوذي حتى رجموا داره بالحجارة، ثم قيل إنه عاد عن ذلك فصنف اختلاف الفقهاء مرة أخرى وأدخل فيه قول أحمد وإسحاق، لكنه لم يذكرهما في (تفسيره) .
وهكذا القول في تصنيف ابن قتيبة في علم الكلام، وقد حكى ابن حجر في (اللسان) عن إمام الحرمين أنه قال: (ابن قتيبة هجام ولوج فيما لا يحسنه) قال الحافظ: (كأنه يريد كلامه في الكلام)(28).
وقد سبق ردّ هذا، على أن الأمر في علم الكلام والإلهيات كما قال إمام الفن أبو الوليد بن رشد: (ومن الذي قال في الإلهيات قولا يعتدّ به)، وإمام الحرمين نفسه يقول: (يا أصحابنا لا تشغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به) وقال أيضا: (لقد خضت البحر الخصم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نَهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، ها أناذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور)، وقد ذكر ابن قتيبة فى (ردّه على المشبهة) أنه إنما يردّ عليهم من طريق اللغة وأما الكلام فليس من شأنه، كذا قال (29).
وإذا كان ابن قتيبة صنف في الكلام فإنه إنما صنف في الرد على المشبهة، ومثل هذا حسن محمود عند أهل العلم ومنهم إمام الحرمين، ولكنه رحمه الله قصد ابن قتيبة بالطعن لأنه يخالف طريقته ومذهبه فلا يقبل القول فيه، تماماً كما قلنا فى ردّ قول الحاكم، على أن الحافظ ابن حجر تأول طعن الحاكم قال: (والحاكم على ضدّ ذلك، وإلا فاعتقادهما معاً فيما يتعلق بالصفات واحد) (30).
قلت: وهذا سبق ردّ جميعه، ما يتعلق بالاعتقاد، فهو أيضا غير مقبول لأنه خرج والحال هذه عن حدّ الإنصاف إلى الطعن لأجل العصبية وهذا لا شأن له بالنقد العلمي المحض، ولو استرسلنا في هذا المهيع ما سلم لنا عالم .
وابن قتيبة حافظ للغة فهو ينقل في تصانيفه من حفظه فيقع له الغلط في الشيء، وهذا شأن كل حافظ, كما وقع لابن تيمية في كتاب (الرد على ابن المطهر) وصاحبه ابن القيم في (الهدي النبوي) وغيرهما.
وأما ما قصده من إصلاح غلط أبي عبيد والرد عليه، وإكبار الطاعنين فيه ذلك واستعظامهم أن ينتدب مثله في التعقب على أبي عبيد وتغليطه في بعض ما نقله من الحروف في اللغة، قيل إنها تنيف على الخمسين موضعاً أخذها عليه في (الغريب المصنف) فلا يلتفت إليه, وما زال أهل العلم يردّ بعضهم على بعض ويتعقب بعضهم بعضاً، وبمثل هذا يتفقه الرجل وينبل إذا كان قصده محض الصواب والحق دون إزراء وانتقاص، وقد بين هذا ابن قتيبة نفسه في مقدمة (إصلاح غلط أبي عبيد) واعتذر بأحسن اعتذار، وأن قصده أن يشيّد ما أسس أبو عبيد ويكمل ما ابتدأ دون نسبته إلى زيغ أو ضلالة، كما رد الشافعي على مالك أستاذه, ورد على أصحاب الرأي ومنهم محمد أستاذه، وهو في هذا يختار ويرجح كما أن أبا عبيد اختار ورجح من أقاويل السلف ورد (31).
وقد حذا حذوه في الرد على أبي عبيد، أبو نعيم علي بن حمزة البصري اللغوي فجمع كتاباً أسماه (التنبيهات على أغاليط الرواة) تعقب فيه أبا عبيد في (الغريب المصنف) وأبا عمرو الشيباني في (النوادر) وابن السكيت في (إصلاح المنطق) وأبا حنيفة الدينوري في (النبات) وغيرهم .
والعالم إذا أخطأ في فنه وهو من المتوسعين فيه وفي غيره من العلوم فلا ينبغي أن يجعل هذا ذريعة للطعن عليه فإن هذا لا يسلم منه أحد، بل قد يخفى على العالم بعض ما في كتبه، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
وكان الشيخ الإمام صدر الدين ابن المرحل يحفظ (المفصل) في النحو للزمخشري وكان مع هذا يلحن! وكان ثعلب النحوي يقول: (لا يتكلف إقامة الإعراب في كلامه إذا لم يخش لبساً في العبارة) وقال إبراهيم الحربي وقد ذكر له ذلك يقول: (أيش يكون إذا لحن في كلامه؟ كان هشام النحوي يلحن في كلامه، وكان أبو هريرة يكلم صبيانه بالنبطية) ذكره أبو الحسن القفطي فيما جمعه من أخبار النحاة, وقد صنف الإمام الحافظ الإخباري أبو زيد عمر بن شبة البغدادي كتاباً أسماه (من يلحن من النحويين)، وذكر القاضي المعافى في (الجليس والأنيس) أن أبا حنيفة ومالكاً وربيعة كانوا يلحنون، ولحن مالك في حديث (مطرنا البارحة وأي مطر) فقال: وأىَّ مطراً، فصوبه الأصمعي، فقال كان ربيعة: إذا قيل له كيف أصبحت؟ قال: بخيراً بخيراً، روى هذه الحكاية أبو العباس المبرد في كتابه (اللحنة) .
وقد اعتذر صديقنا الأستاذ محمد جمعة الدربي وفقه الله في رسالته (تعقبات الأصمعي) عن الإمام مالك في باب (نصب المضاف إليه) بأنه لحن غير مقصود, وردّ العلامة المعلمي في كتاب (الرد على الكوثري) هذه الحكاية عن مالك بالطعن في راويها أبي العيناء وأنه كان يضع الحديث ولم يكن ثقة، فما بالك بوضع الحكايات، والحكاية منكرة المتن لأن الأصمعي كان يعظم مالكاً ويفتخر بأنه روى عنه, وأيضاً فإن اللحن الذي فيها مما لا يخفى على من يتقفر العلم من الناشئة ونحوهم, فلا يلحن فيه أحد منهم في ذلك الوقت، فكيف بمثل مالك في إمامته وفضله وعلمه, وهذا كتاب مالك بين ظهرانينا يشهد بفصاحته وبسطته في علوم اللسان, ولو كان لحنة لوقع له فيه شئ من ذلك, وبمثل هذا يعتذر عما ورد عن بعض العلماء من اللحن.
ورأيت في بعض الكتب التي تعنى بنوادر العلماء لا يحضرني الساعة اسمه على اليقين لبعد عهدي به ولعله (جؤنة العطار) للغماري, أن مالكاً حضر عند أبي جعفر المنصور أو الرشيد وعنده علوي عليه بُرد من حرير, فلحن مالك في شئ من كلامه, فقال العلوي: أما كان لوالدي هذا درهمان يدفعانه بهما إلى معلم يصلح لسانه؟ فقال مالك: أما كان لوالدي هذا درهم يدفعانه إلى فقيه يعرفه مايحل له ويحرم عليه؟.
وقد اعتذر الإمام اللغوي الحجة أبو الحسين بن فارس لمالك بأنه إنما تنزل في كلامه على قدر لغة العوام بقصد إفهامهم, فجرى اللحن في كلامه ووقع له عمدا منه جرياً على لغة العامة, وبمثله يعتذر عن المروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف من اللحن وغيرهما من أهل العلم والفضل.
وهذا اعتذار حسن وهو من جنس قول أبي علي الاسترابادي النحوي:
لعمرك مَا اللّحن من شيمتي ... وَلَا أَنا من خطأ أَلحن
ولكنني قد عرفت الْأَنَام ... فخاطبت كلاً بما يحسن
وقد صنف أبو محمد بن بري كتاب (غلط الضعفاء من الفقهاء) تعقب فيه طائفة من الفقهاء ولحّنهم في مقالاتهم وإن كان في بعض ما أورده عليهم من التعقب نظر, وصنف أبو الحسين بن فارس كتاب (فتيا فقيه العرب) يستحث الفقهاء والمحدثين على معرفة العربية ويستنهض هممهم لذلك(32).
فابن قتيبة إذا غلط في أشياء وحروف رواها، لم يلزم منه الطعن عليه والحط من رتبته ومحله في العلم, وقد رد عليه في (إصلاحه) و (مشكل القرآن) أبو بكر بن الانباري الإمام والحسن بن عبد الله الأصفهاني المعروف بلغدة صنف كتاب (الرد على ابن قتيبة في غريب الحديث).
لكن ابن الانباري تحامل في رده حتى عرف ذلك فيه، فلم يعول على رده العلماء إلا حيث ظهر صوابه فيه وهجروا ما فيه من الحط والتنقيص عليه وعلى أبي الحسن بن كيسان النحوي، وهذا ابو القاسم المرتضى أنصف ابن قتيبة وعرف أن رد ابن الانباري عليه إنما هو تعصب عليه فقال: (ونظن أن الذي حمله -ابن الانباري- على الطعن في هذا الوجه حكايته له عن ابن قتيبة، لأن من شأنه أن يرد كل ما يأتي به ابن قتيبة وإن تعسف في الطعن عليه) (33).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وابن الانباري الذي بالغ في نصر ذلك القول هو من أكثر الناس كلاماً في معاني الآي المتشابهات، يذكر فيها من الأقوال ما لم ينقل عن أحد من السلف، ويحتج لما يقوله في القرآن بالشاذ من اللغة، وقصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة، وليس هو أعلم بمعاني القرآن والحديث واتبع للسنة من ابن قتيبة ولا أفقه فى ذلك، وإن كان ابن الانباري من أحفظ الناس للغة، لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة) (34).
ومما جرّأ الطاعنين في ابن قتيبة على القدح فيه ما ذكره في (مشكل القرآن) عن شريك عن إسماعيل ابن أبي خالد أنه قال: سمعت الشعبي يحلف بالله عز وجل لقد دخل عليّ حفرته وما حفظ القرآن(35).
وهذا بتقدير صحته لا يلزم منه الطعن فيه ، فالرجل حكى مثله عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولم يكن غرضه سوى بيان أن الله تعالى لم يفرض على عباده حفظ كتابه كله, فمثل هذا لا مطعن فيه على قائله بوجه من الوجوه فضلاً عن ناقله، فلا عبرة بقول أبي الحسين بن فارس في (فقه اللغة): (وابن قتيبة يطلق إطلاقات منكرة، ويروى أشياء شنيعة، كالذى رواه عن الشعبي أن أبا بكر وعمر توفوا ولم يجمعوا القرآن) (36).
والظاهر أن أبا الحسين رحمه الله لم يظهر له غرض أبي محمد بن قتيبة من رواية هذا الأثر، وإلا فإنه لم ينفرد بذلك فقد روى ابن سعد عن ابن سيرين أنه قال: (قتل عمر ولم يجمع القرآن)، وروى الخطيب في (تاريخه) بسنده عن محمد بن عباد قال: (لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون)(37).
فهذا يرفع النكير على أبي محمد القتيبي وإن كان الصواب خلاف ما روى، فإن خبر الشعبي ضعيف لضعف شريك ثم هو منقطع فإن الشعبي لم يدرك علياً، وخبر ابن سيرين منقطع كذلك لأنه لم يدرك عمر، وقد ردّ القاضى أبو بكر بن الباقلاني طيب الله ثراه هذه الآثار وطعن في ثبوتها أثراً ونظراً رواية دراية في كتابه الذى لا نظير له (الانتصار للقرآن) وتأولها على فرض ثبوتها، بأن المراد لم يحفظوا جميع ما نزل من ناسخه ومنسوخه الذي سقط رسمه أو لم يجمعوه بجميع قراءاته وحروفه التي أنزل عليها (38).
ولا حجة لمن تعلق بحديث أن الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة: معاذ وأبيّ وزيد وأبو زيد(39)، فقد روي في آثار صحيحة غير هؤلاء كعثمان وسالم مولى أبي حذيفة ومجمع بن جارية وابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم من الرجال وكذا النساء، فالحديث خرج مخرج التنصيص على بعض أفراد العام، وقد تقرر في الأصول أنه لا يقتضي التخصيص، وذكر الحافظ في (شرح البخاري) أن المراد من الحديث لم يقع جمعه لأربعة من قبيلة واحدة إلا لهذه القبيلة من الأنصار(40).
وكيف يستقيم هذا وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن (41), وهذا كله ينقض رواية من روى أن الخلفاء لم يجمعوا القرآن، وقد أحسن القاضي ما شاء في نقض هذا في كتاب (الانتصار) فلله دره .
وقد نظم بعض العلماء أشهر من ورد في الأثار أنهم حفظوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
لقد حفظ القرآن في عهد أحمد علي وعثمان وزيد بن ثابت
أُبي أبو زيد معاذ وخالد تميم أبو الدرداء وابن الصامت
ومما نقم على أبي محمد بن قتيبة ثلبه الإمام أبا حنيفة في (مختلف الحديث) ولأجله قال فيه ابن تغري بردي في (تاريخ القاهرة): (كان خبيث اللسان يقع في حق كثير من العلماء) (42).
كذا أطلق ولم يعين، وقد تعقبه الأستاذ السيد صقر رحمه الله بأن سياق كلامه في تصنيفه ليس فيه ما يوصف لأجله بخُبث اللسان، وإنما عرض لأصحاب الرأى ومنهم أبو حنيفة بالنقد العلمي (43).
وغير هؤلاء ممن نقدهم ابن قتيبة وطعن عليهم هم من أهل الكلام من المعتزلة كالجاحظ والنظام وأبي الهذيل العلاف وغيرهم، لهم من الأقوال المذمومة والآراء المرذولة في الاعتقاد ما لو اعتبرتها لقلت إن ابن قتيبة تأدب معهم للغاية، وقد تكلم غيره من أهل الحديث والتصوف والكلام فيهم بأشد منه، لكن ما أورده في الإمام الأعظم لا يقرُّ عليه ولم يزد فيه على ما جاء به غيره من أصحاب الحديث كأبي إسحاق الجوزجاني السعدي وأبي جعفر العقيلي وأبي أحمد بن عدي، وأوعب منهم أبو بكر الخطيب الحافظ البغدادي في (تاريخه) لكنه أحسن حالاً منهم فإنه ذكر المثالب والمناقب.
وقد صنف الإمام أبو حاتم بن حبان في تزييف ما روي في ثلب أبي حنيفة والكشف عن علله، مع أنه من المتحاملين عليه، وصنف الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي الإمام الظاهري كتاب (الذب عن فقيه الإسلام أبي حنيفة)، وأحسن ما يقال في هذا المقام قول الإمام عبد الله بن داود الخريبي: (الناس في أبي حنيفة رجلان: جاهل به وحاسد له)، وقيل له: إن أبا حنيفة رجع عن بعض قوله، فقال: (إنما يرجع الفقيه إذا اتسع علمه) (44).
وقد حرر الأستاذ صقر (مقدمة المشكل) فاستوعب فيها عامة المطاعن في ابن قتيبة، وردّها جميعها أحسن ردّ بما يظهر معه أن قول نفطويه في توثيق ابن قتيبة هو محض الصواب وعين الإنصاف.
تنبيهان:
الأول: كان ابن قتيبة مالكياً في الفروع وهو مما يرد على القاضي عياض رحمه الله الذي ذكر في موضع من كتابه الذي صنفه في أعيان أصحاب مالك، أنه لايُعرف في المالكية من رمي ببدعة في أصول الاعتقاد كالاعتزال ونحوه، كذا قال وفيه نظر، وإنما حمله على هذا تعصبه لمذهبه، حيث قصد إلى ترجيح تقليد مالك واتباع مذهبه دون غيره، تماماً كما صنع غيره من المقلدين كابن السبكي في (طبقاته) والقرشي في (طبقات الحنفية) وغيرهم وهذا شأن المقلد، شنشنة نعرفها من أخزم، وأما نحن فالأئمة عندنا سواء كالحلقة المفرغة لايُدرى أين طرفاها؟ يكمل بعضهم بعضاً، رغم أنف المتعصب المقلد.
وأما مازعمه القاضي أبو الفضل عفا الله عنه، فقد نقضه هو نفسه في (مشيخة القاضي ابن فيروز)، فإنه ترجم فيه لأبي الوليد هشام بن أحمد الوقَّشي الكناني الأندلسي القاضي المالكي، ورماه بالقدر وانتحال رأي المعتزلة، وأصرّ عليه وردّ قول من نفاه عنه ونزّهه منه كأبي بكر بن سفيان بن عاصم الذي كان ينفي عنه الرأي الذي زُنّ به والكتاب الذي نسب إليه في هذا، لكن القاضي عياض أثبته عليه وذكر أن الكتاب قد ظهر وأخبر الثقة أنه رواه عليه سماع ثقة من أصحاب الوقشي(45).
والوقشي هو الحافظ الإمام عالم الزمن، إمام عالم في كل فن كما قال ياقوت: من لا نظير له في وقته بالأندلس، وليس للمالكية مثله، أحد رجال الكمال في وقته باحتوائه على فنون العلم وجمعه لكلمات المعارف، وهو من أعلم الناس بالنحو واللغة ومعاني الأشعار وعلم والعروض وصناعة البلاغة، بليغ مجيد شاعر مقدّم، حافظ للسنن وأسماء نقلة الأخبار، بصير بأصول الاعتقادات وأصول الفقه، واقف على كثير من فتاوي فقهاء الأمصار، نافذ في علم الشروط والفرائض، محقق لعلم الحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء، حسن النقد للمذهب، ثاقب الذهن في تمييز الصواب، ويجمع إلى ذلك آداب الأخلاق وحسن المعاشرة ولين الكنف وصدق اللهجة، وكان أبو محمد الديوالي يقول: والله ما أقول فيه إلا كما قال الشاعر:
وكان من العلوم بحيث يقضى له في كل فن بالجميع
هذا كلام القاضي أبو الوليد صاعد(46).
ومما يورد على القاضي عياض وينقض مقالته تلك، ما ذكره الحافظ أبو العباس الغماري في (نوادره) أن بعض مالكية بغداد واسمه علي بن أحمد بن إسماعيل، وكان متكلماً على مذهب المعتزلة جرّد القول فيه وانتصر له ودعا الناس إليه وزعم أنه مذهب مالك، وكان له أصحاب منهم، فصنف الإمام أبو محمد بن أبي زيد القيرواني، (رسالته) المشهورة في الردّ عليه وضمنها مقدمة في أصول اعتقاد مالك وأصحابه، واشتبه هذا على بعض المالكية المتعصبين على ابن حزم فظن أن ابن أبي زيد إنما ردّ على ابن حزم وذكر ذلك في بعض تصانيفه، وهو وهم قبيح فإن ابن حزم ولد قبل وفاة ابن أبي زيد بسنتين، وابن حزم هو علي بن أحمد بن سعيد، فاشتبه عليه الاسم .
وأيضاً فإن كثيراً من المالكية ولاسيما المتقدمون منهم كانوا على اعتقاد السلف بل هم من أشد الناس في المناضلة والذب عنه، كما هو معروف عن أحمد بن المعذل وأصحابه، ويرمون من يخوض في مسائل الصفات بالتأويل وغيره، بالبدعة، في حين تجد غالب المتأخرين من المالكية على اعتقاد الأشعري ومنهم القاضي عياض, وهؤلاء يرمون أولئك ببدعة التشبيه والتجسيم، وبقطع النظر عن الحق فلا يخلو أحد الفريقين من البدعة، فكيف يقال: ليس فيهم من رمي ببدع الاعتقاد ؟!, وبعض متأخري المالكية من رمي بالحلول والاتحاد، وفي الجملة فلا يسلم فاضل من البدعة، وإن كان قد يكون بريئاً منها في نفس الأمر .
وممن يورد عليه أيضاً أبو عاصم عبد الوهاب بن منذر القرطبي وقد ذكر أبو القاسم بن بشكوال فيما ذيل به على تاريخ القاضي أبي الوليد بن الفرضي أنه متهم بالاعتزال وفي الجملة فدعوى القاضي عياض هذه مما لاينفق .
وللشافعية أن يقولوا على سبيل المعارضة لما ذكره القاضي عياض أنه لا يعرف في الشافعية من اجترأ على الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وفي المالكية أصبغ بن خليل القرطبي الذي وضع حديثاً في النهي عن رفع اليدين في الركوع والرفع منه, تعصباً لرواية ابن القاسم عن مالك في ترك الرفع كما ذكره القاضي عياض في ترجمته من (المدارك), وكان يعادي أهل الحديث حتى كان يقول: (أن يكون في تابوتي جلد خنزير أحب إليّ من أن يكون فيه مصنف ابن أبي شيبة)!! وقد قال العلماء في قوله تعالى (إن شانئك هو الأبتر) إنه يدخل في عموم هذا الوعيد من يبغض السنن والآثار وأهلها, وهكذا وضع بعض الحنفية حديث السراج المعروف في فضل أبي حنيفة, والكذب والبدعة في القبح كفرسي رهان, بل الكذب أقبح وهل البدعة إلا كذب على الله ورسوله؟
وهو كما قال أبو محمد بن حزم في (طوق الحمامة): (أصل كل فاحشة وجامع كل سوء وجالباً لمقت الله قال: وهل الكفر إلا كذب على الله), وقد قال تعالى (إنما يفتري الكذب الذين لايؤمنون بآيات الله), ولكن الآفة في التعصب المزري بأهل العلم والانصاف والحمد لله الذي عافانا من الحمية لغير الكتاب والسنة وسبيل السلف ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم من فقهاء الملة.
وقد اغترّ بمقالة القاضي عياض هذه بعض أصحابنا من مالكية ليبيا وهو الشيخ مصطفى البشير، فكتب على النسخة التي طبعها وعلّق عليها بعض الأزهريين من كتاب (البحر المحيط) للزركشي، وقد ذكر في مقدمته وهو يعدد مصادره في كتابه، أنه ينقل من بعض شروح المالكية على (البرهان) لإمام الحرمين ومنها شرح ابن العلاف، فترجمه الأزهريون بأبي الهذيل العلاف المعتزلي وهو وهم قبيح منهم، فإنه متقدم على صاحب الأصل أعني الجويني فكيف بالشارح، لكن الفاضل المالكي لم يتعقبهم بهذا مع وضوحه، وإنما اكتفى بالقول أن هذه الترجمة وهم، لأن المترجم معتزلي والمالكية ليس فيهم من رمي ببدعة في اعتقاده على ماذكر القاضي عياض، فلم يصنع شيئاً .
التنبيه الثاني: الذي ينبغي على المنصف التماس الأعذار مهما أمكن لأهل الفضل والعلم كما هو صنيع المنصفين من المؤرخين والمترجمين كالذهبي والصفدي وابن حجر وغيرهم، ولا ينبغي التسليم لكل طعن قيل في أحدهم بل الواجب دفعه مهما أمكن، وإلا لم يسلم لنا فاضل أو عالم، مع المحافظة على جناب الشرع الشريف وصيانة حدوده وأحكامه.
وقد قال العلامة ابن عاشور في (تفسيره) عند الكلام على مسألة أخذ الأجرة على القران في قوله تعالى (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (البقرة 41) وهذه المسألة كانت قد حدثت بين ابن عرفة والدكالي وهي أنه ورد على تونس في حدود سنة سبعين وسبعمائة رجل زاهد من المغرب اسمه محمد الدكالي فكان لا يصلي مع الجماعة ولا يشهد الجمعة معتلاً بأن أئمة تونس يأخذون الأجور على الإمامة وذلك جرحة في فاعله فأنكر عليه الشيخ ابن عرفة وشاع أمره عند العامة وحدث خلاف بين الناس فخرج إلى المشرق فاراً بنفسه وبلغ أنه ذهب لمصر فكتب ابن عرفة إلى أهل مصر أبياتاً هي:
يا أهل مصر ومن في الدين شاركهم ... تنبهوا لسؤال معضل نزلا
لزوم فسقكم أو فسق من زعمت ... أقواله أنه بالحق قد عملا
في تركه الجمع والجمعات خلفكم ... وشرط إيجاب حكم الكل قد حصلا
إن كان شأنكم التقوى فغيركم ... قد باء بالفسق حتى عنه ما عدلا
وإن يكن عكسه فالأمر منعكس ... قولوا بحق فإن الحق ما اعتزلا
فيقال إن أهل مصر أجابوه بأبيات منها:
ما كان من شيم الأبرار أن يسموا ... بالفسق شيخَاً على الخيرات قد جبلا
لا لا ولكن إذا ما أبصروا خللا ... كسوه من حسن تأويلاتهم حللا
أليس قد قال في «المنهاج» صاحبُه ... يسوغ ذاك لمن قد يختشى زللا
وقد رويْتَ عن ابن القاسم العُتَقي ... فيما اختصرت كلاماً أوضح السبلا
ما إن ترد شهادة لتاركها ... إن كان بالعلم والتقوى قد احتفلا
نعم وقد كان في الأعلين منزلةً ... من جانب الجمع والجمعات واعتزلا
كمالِكٍ غير مبد فيه معذرةً ... إلى الممات ولم يُسأل وما عُذلا
هذا وإن الذي أبداه متجهاً ... أخذ الأئمة أجراً منعه نقلا
وهبك أنك راءٍ حله نظراً ... فما اجتهادك أولى بالصواب ولا
هكذا نسبت هذه الأبيات في بعض كتب التراجم للمغاربة أنها وردت من أهل مصر وقد قيل إنها نظمها بعض أهل تونس انتصاراً للدكالي ذكر ذلك الخفاجي في «طراز المجالس»، وقال إن المجيب هو أبو الحسن علي السلمي التونسي وذكر أن البلقيني ذكر هذه الواقعة في «فتاواه» وذكر أن والده أجاب في المسألة بأبيات لامية انظرها هناك.(47)
ولابد أيضاً أن يتأنى في الحكم على كلام أهل العلم ولا يبادر إلى تكذيبه إذا خالف ما ألفه، فإن المثبت مقدم على النافي ومن علم حجة على من لا يعلم، والنفي ليس بعلم إلا إن صدر من إمام موثوق بعلمه واطلاعه .
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في كتاب (النبلاء): قرأت بخط ابن مسدي في (معجمه)، أخبرنا أحمد بن محمد بن مفرج النباتي، سمعت ابن الجد الحافظ وغيره يقولون: حضر فقهاء إشبيلية أبو بكر بن المرجى وفلان وفلان، وحضر معهم ابن العربي، فتذاكروا حديث المغفر، فقال ابن المرجى: لا يعرف إلا من حديث مالك عن الزهري، فقال ابن العربي: قد رويته من ثلاثة عشر طريقاً غير طريق مالك، فقالوا: أفدنا هذا، فوعدهم ولم يخرج لهم شيئاً، وفي ذلك يقول خلف بن خير الأديب:
يا أهل حمص ومن بها أوصيكم بالبر والتقوى وصية مشفق
فخذوا عن العربي أسمار الدجى وخذوا الرواية عن إمام متق
إن الفتى حلو الكلام مهذب إن لم يجد خبراً صحيحاً يخلق
قال الذهبي: هذه حكاية ساذجة لا تدل على تعمد، ولعل القاضي رحمه الله وهم، وسرى ذهنه إلى حديث آخر، والشاعر يخلق الإفك.
قلت: وقد أفرد الحافظ ابن حجر جزءاً في تتبع طرق حديث المغفر، ونفي المجازفة عن القاضي أبي بكر بن العربي والرد على من اتهمه بذلك، فساقه من خمسة عشر طريقاً أو أزيد.
آخره
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) اقتباس من خطبة الإمام أحمد فى كتاب "الرد على الزنادقة والجهمية" ص 170 ، وذكر ابن تيمية فى "العقل والنقل" 1/19، أن محمد بن وضاح القرطبي روى نحوها عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فى كتاب "الحوادث والبدع"،قلت: وهى بنحوها فيه ص2 رقم 3باب اتقاء البدع،وذكر الإمام أحمد نحو هذه الخطبة فى افتتاح رسالته إلى الحافظ مسدد بن مسرهد كما فى طبقات الحنابلة1/341 ،ومناقب أحمد لابن الجوزى 167، والمدخل لابن بدران ص9.
(2) النبلاء 13/298
(3) النبلاء 13/299، الوافي بالوفيات 17/607 – 608، الفهرست 86، اللسان 3/359
(4) مقدمة مشكل القرآن لابن قتيبة ص 34
(5) النبلاء 13/299
(6) العواصم من القواصم ص 261 – 262، النبلاء 13/299
(7) مقدمة الميسر والقداح لمحب الدين الخطيب 23 – 24
(8) تهذيب اللغة للأزهري 1/30 – 31
(9) لسان الميزان لابن حجر 3/358
(10) مجموع الفتاوى لابن تيمية 17/391 – 392
(11) مراتب النحويين 136 – 137
(12) نزهة الألباء ص 209
(13) الفهرست 85
(14) انباه الرواة 2/143، وفيات الأعيان 3/42، بغية الوعاة 2/291، شذرات الذهب 2/169
(15) مراتب النحويين 48 – 49 -، 51 – 52
(16) مراتب النحويين 22، 148، 160
(17) بغية الوعاة 1/606
(18) تاريخ بغداد 1/43 – 44
(19) فضائل الأندلس 10.
(20) نفح الطيب 3/ 150-151.
(21) ترك: كلمة فارسية بمعنى ناعم، كذا فى حاشية الفهرست ص 85
(22) النبلاء 13/301
(23) جامع بيان العلم رقم 852
(24) الكافي لابن قدامة 2/64، نصب الراية 4/13، الأم للشافعي 3/47، البرهان في أصول الفقه 2/772، النبلاء للذهبي 18/471، طبقات ابن السبكي 5/76 – 77، روضة الناظر بشرح ابن بدران 1/226
(25) انباه الرواة للقفطي 2/260
(26) النبلاء 14/505
(27) المنتظم لابن الجوزي 11/272
(28) اللسان 3/359
(29) شرح الطحاوية 1/243 – 245، مقدمة المشكل للأستاذ أحمد صقر ص 62
(30) لسان الميزان 3/359
(31) مقدمة المشكل 11 – 12
(32) بغية الوعاة 2/219, تاريخ ابن كثير 14/80, الجليس والأنيس 1/501 , التنكيل 1/382 , تعقبات الأصمعي 258-656 .
(33) أمالى المرتضى 334-335.
(34) مجموع الفتاوى 17/410 – 411
(35) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 243
(36) الصاحبى لابن فارس ص 325
(37) طبقات ابن سعد 3/294، تاريخ بغداد 1/190
(38) الانتصار للقرآن 1/152 – 153 وبعدها
(39) أخرجه البخاري 3810، ومسلم 2365
(40) فتح الباري 7/128
(41) أخرجه مسلم رقم 403
(42) تأويل مختلف الحديث ص 51 وما بعدها، النجوم الزاهرة 3/76
(43) مقدمة المشكل ص 64
(44) تهذيب الكمال 29/441، تذكرة الحفاظ 1/338
(45) معجم البلدان 8/ 460 (وقش ).
(46) بغية الوعاة 2/ 328.
(47) التحرير والتنوير 1/ 468-469
الذب عن القُتَبي خطيب السنة / د. بلال فيصل البحر
