هيئة علماء المسلمين في العراق

عن التغلغل الإسرائيلي في العراق.. يحيي اليحياوي
عن التغلغل الإسرائيلي في العراق.. يحيي اليحياوي عن التغلغل الإسرائيلي في العراق.. يحيي اليحياوي

عن التغلغل الإسرائيلي في العراق.. يحيي اليحياوي

ليس من الضروري في شيء ان يحتكم المرء علي حجج دامغة او دلائل ثبوتية قاطعة او يسائل التقارير ليتثبت من التواجد الاسرائيلي بالعراق، العسكري منه كما ذي الطبيعة المدنية كما ذي الخلفية الدينية او الايديولوجية كما ما سواها. ولا يحتاج المرء الي بذل كبير جهد بهذا الصدد ليتاكد من ذات التواجد بالمعلن المباشر كما بالمضمر المبطن كما عبر غيرهما من صيغ ومداخل واشكال. والواقع ان التواجد الاسرائيلي بارض العراق انما واكب الغزوة الانجلوامريكية الكبري التي انطلقت بالعشرين من آذار (مارس) في العام 2003 وكان لاسرائيل، في ترتيبها وتشكيل البراهين علي ضرورة شنها، كلمة تثبت الوثائق انها كانت القول/الفصل:

ـ فجزء كبير من نموكلاتورا القرار السياسي بامريكا مكون من يهود معروفين وصهاينة (ومتصهينين) لا يخفون ولاءهم لاسرائيل، بل ولا يتوانون في التصريح باستعدادهم للدفاع عن وجودها واعتبار هذا الاخير (الوجود اقصد) جزءا من وجودهم وامنها جزءا من منظومتهم الامنية القومية الشاملة...الم يقل الجنرال شوارتزكوف في اعقاب حرب الخليج الثانية (حزيران ـ يونيو 1991) متوجها للاسرائيليين: اننا قمنا بالحرب من اجلكم ؟

معني هذا ان حروب امريكا هي، والي حد بعيد، اذا لم تكن حروبا من اجل اسرائيل فهي متكاملة معها وتصب بمصلحتها مباشرة او علي الآماد البعيدة.

ـ وجزء لا يستهان به من عناصر النخبة في الجيش الاسرائيلي صممت مع الامريكان خططهم العسكرية الآنية (اثناء التهيؤ للضربة) وكذلك الطويلة المدي (في انشاء قواعد دائمة بالعراق فيما بعد)، وشاركت فضلا عن كل هذا وذاك، في التحالف الانجلوامريكي في غزوه للعراق من كل جانب وسيما من جهة الشمال حيث لاسرائيل (واليهود عموما) تاريخ طويل في التنسيق مع الاكراد وترتيب مرحلة ما بعد الاحتلال.

ـ وجزء كبير من العراقيين الذين اتوا من علي ظهور الدبابات الامريكية والبريطانية (ليحكموا العراق الجديد) هم حلفاء جهارة وسرا لاسرائيل ولا يخجلون من الثناء عليها او التطلع الي مشاركتها في مناقصات اعمار العراق بالمباشر او تحت غطاء هذه الجهة (عربية في حالات عديدة) او تلك.

ليس ثمة من شك يذكر، من جانب آخر، ومن اليوم الاول للاحتلال ان اسرائيل انما باتت عنصرا فاعلا وفعالا في المعادلة العراقية من المتعذر حقا العثور علي ميدان لا تفعل فيه بهذه الصورة كما بتلك:

ـ فهي غدت حاضرة بالاقتصاد من خلال شركاتها المباشرة ( دان لتصدير الحافلات القديمة، روينتكس المصدرة للمعاطف الواقية من الرصاص، شيريونت حوسيم المصدرة للابواب، طيمور المتخصصة بصناعة الاصباغ، تامي فور المتخصصة بتنقية المياه وغيرها) او من خلال غطاء دول عربية (خليجية تحديدا) او بتسهيلات من اصدقائها الاكراد حيث فسح المجال واسعا لرجال اعمال اسرائيليين وجنرالات متقاعدين ويهود من كل بقاع العالم (ما يناهز الـ 100 شركة) لشراء الاراضي والمصانع والمزارع وما سواها.

ـ وهي غدت عنصرا فاعلا في معادلة الانشطار الطائفي التي يغذيها معها حلفاؤها الاكراد المتطلعون للاستقلال والذين ينسقون مع اسرائيل سرا وعلانية كيفية وسبل اعلان الانفصال عن الدولة المركزية عندما تسنح الظروف وياتي السياق المناسب.

ـ وهي باتت حاضرة بالمخابرات ( الجديدة ) كما بدواوين الوزارات متلبسة او بالمباشر (علي اعتبار ان بكل الوزارات الجديدة مستشارين لا كلمة للوزير فوق كلمتهم ومن المؤكد ان يكون ضمنهم يهود واسرائيليون)... بل ان عناصرها حققوا ولا يزالوا يحققون مع سجناء من المقاومة افصح العديد ممن افرج عنهم ان بعض المحققين يهود من سحناتهم، بل وبعضهم يرتدي قبعتهم الشهيرة دونما تحرج يذكر.

ـ وهي اضحت عنصرا محسوسا بالمشهد العراقي اليومي علي اعتبار انها طرف في التفخيخات والاغتيالات (سيما للعلماء) وتاجيج النعرات عبر هذه الوسيلة او تلك. وقد اكد الكاتب الصحافي المعروف سيمون هيرش ان الاسرائيليين متواجدون بقوة بالعراق واختصاصهم تفخيخ السيارات والتعذيب الجنسي وقطع الرؤوس وتلغيم الشوارع والقتل والاختطاف وارهاب السكان بهذه الجهة من العراق او تلك وخصوصا بتلك التي تشتد المقاومة من بين ظهراني ابنائها.

لم يات التغلغل الاسرائيلي هذا من فراغ، بل هو نتاج لمشروع قديم لطالما منت اسرائيل (واليهود عموما) نفسها ببلوغه وتجسيد توجهاته:

ـ فالمنظومة الايديولوجية الصهيونية (ذات الخلفية الدينية الصارخة) انما تعتبر العراق جزءا من ارض اسرائيل الكاملة لن يطول بها الزمن (تقول فتاوي حاخاماتها الكبار) حتي تحققها علي انقاض اهلها وذويها.

يقول نص التلمود بهذا الشأن: اقيموا مذبحة لابنائهم، اكنسوها بمكنسة الدمار هذه بابل الآثمة وآشور ارض الخطيئة... خربوها واجعلوها لا تسكنها الا الفئران وهدموها حتي لا يجد العربي عمودا يربط اليه ناقته .

ـ واسرائيل راهنت، منذ ايام نشأتها الاولي، علي مبدأ التفوق الاستراتيجي (فاكتسبت قوة التفوق النووي بالمنطقة قبل غيرها) وراهنت ليس فقط علي تفكيك المنطقة العربية وتحويلها الي دويلات مجهرية، بل وبالاساس علي الحؤول دون استنبات سبل ومقومات التنمية العلمية والتكنولوجية (عبر اغتيال العلماء او استجلابهم ترغيبا وترهيبا) من بين ظهرانيها جملة وتفصيلا (والعراق كان مصدر تخوفها مبكرا).

ـ واسرائيل راهنت ولا تزال علي تجريد العراق من كل مقوماته التاريخية الكبري، اذ عمدت منذ اليوم الاول للاحتلال، الي سرقة اثمن الوثائق والمخطوطات بما فيها المكتبة المتواجدة بالمخابرات العراقية وذات الطبيعة السرية والتي تضم نسخا نادرة من التوراة (مكتوبة علي جلد غزال) ناهيك عن التحف والكتب النادرة وكل ما زخرت به حضارة بلاد الرافدين لقرون عدة.
وعلي الرغم من كل هذا، فان اسرائيل تعتبر ان الذي انجزته لحد الساعة لا يعدو كونه تحقيقا لنصف الطريق الاول علي ان النصف الثاني انما سيتسني له الاكتمال عندما يتم لها التحكم المباشر في مفاصل العراق وتتواطأ الحكومات والاقلام العربية علي عدم اعتبار التعامل مع اسرائيل او الاعتراف بوجودها بارض العراق... جريمة ما بعدها جريمة.

القدس العربي

أضف تعليق