هيئة علماء المسلمين في العراق

الدول الفاشلة في مقياس المستكبرين .....محمد خليفة
الدول الفاشلة في مقياس المستكبرين .....محمد خليفة الدول الفاشلة في مقياس المستكبرين .....محمد خليفة

الدول الفاشلة في مقياس المستكبرين .....محمد خليفة

أصدرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية المعنية بشؤون السياسة بالتعاون مع ما يسمى “صندوق دعم السلام” الأمريكي تقريراً يتحدث عما يسمى “الدول الفاشلة والضعيفة ” في العالم. وقد أحصى هذا التقرير ستين دولة -كلها في العالم الثالث- قال إنها دول فاشلة. وهناك دول عربية وإسلامية مذكورة في هذا التقرير منها مصر، والسعودية، وسوريا، ولبنان، واليمن، وتركيا، والعجيب في الأمر هو هذا الاحتقار الذي تضمنه التقرير لشعوب العالم الثالث، ومنها الشعوب العربية والإسلامية. وهذه الشعوب ليس لها يد بما يحدث لها، بل كانت ولا تزال ضحية جشع المستعمر الغربي الذي تجرّد من آدمية القيم الإنسانية، وركّز همه على استعباد الشعوب في العالم وسرقة ثرواتها. وكان أجرأ المستعمرين وأكثرهم لهثاً وراء الثروات إسبانيا والبرتغال، وبريطانيا وفرنسا. فقد اكتشف الاسبان قارة أمريكا عام 1492 وافتتحوا بذلك عصر الاستعمار الأوروبي الظالم لهذه القارة. وجاء البرتغاليون بعد الأسبان مستعمرين، ثم جاء الإنجليز والفرنسيون ووقعت شعوب هذه القارة ضحية الجشع الاستعماري، ومات منهم الملايين بسبب الظلم الذي تعرضوا له وتم إفناؤهم بالكامل على يد الإنجليز في أمريكا الشمالية. وبدأت رحلة عذاب الأفارقة الذين بدأت عصابات المستعمرين الأوروبيين تخطفهم من بلدانهم في إفريقيا السوداء وتبيعهم عبيداً للآسياد الأوروبيين المستعمرين في قارة أمريكا حتى تم نقل الملايين من الأفارقة منذ القرن السابع عشر. ولم يكتف الأوروبيون بذلك، بل قاموا باستعمار قارة إفريقيا بالكامل، وحصلت بريطانيا وفرنسا على نصيب الأسد من هذا الاستعمار، بينما كان للدول الأوروبية الأخرى مثل بلجيكا وهولندا وإيطاليا وألمانيا مستعمرات هامشية فيها. وأصبحت شعوب إفريقيا السوداء التي كانت تعيش حتى الأمس القريب حياة وادعة في الغابات والسهول الخصيبة، خاضعة لمستعمر أوروبي لا يرحم سامها ألوان العذاب وسرق ثرواتها وخرّب أوطانها وفرّق شملها وقسّمها إلى عدد كبير من الدول الصغيرة.
 
  وأقام هذا المستعمر أنظمة في تلك الدول التي أنشأها. وبدأ يحرّض الأفارقة ضد بعضهم، فاستعرت الحروب الأهلية بين الشعوب والدول الإفريقية. وفي المقابل، فقد استمر النهب الاستعماري لأفريقيا. ووقعت قارة آسيا هي الأخرى ضحية لجشع الأوروبيين. وكانت هذه القارة من نصيب الاستعمارين البريطاني والفرنسي مناصفة بينهما. وقام المستعمرون بتخريب الأوطان في آسيا، وفرّقوا الشعوب وأنشأوا الدول الكثيرة ورسموا لها الحدود، وأقاموا في هذه الدول أنظمة تابعة لهم. وتصادمت مصالح المستعمرين الأوروبيين، فتقاتلوا وأفنوا بعضهم في حربين كبيرتين توصفان زوراً وبهتاناً بأنهما حربان عالميتان، مع أن هاتين الحربين أوروبيتان وليستا عالميتين. وانقضى عهد الاستكبار الأوروبي في أوروبا، وبدأ عصر الاستكبار الأوروبي في أمريكا. وقامت الولايات المتحدة ذات الأصول الأوروبية ولاسيما -الأنجلوا سكسونية- فادعت أنها تمثل أوروبا الجديدة في مقابل أوروبا القديمة التي ماتت. وفرضت هذه القوة الأوروبية الجديدة هيمنتها على أوروبا القديمة أولاً، ومن ثم على الشعوب المغلوبة والمستضعفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وقامت بإنشاء هيئة الأمم المتحدة، وسمّتها “أمماً متحدة”، أي أمم حرة ومستقلة ومتحدة ضد العدوان. ولم يعد بوسع أية دولة في العالم أن تبقى خارج هذه المنظمة الدولية، لأن أية دولة تتخلّف عن الدخول فيها توصف بأنها غير مستقلة وغير متحضّرة. وبدأت دول العالم الثالث تتسابق للدخول في هذه المنظمة ظناً منها أنها ستكون بذلك آمنة من العدوان. لكن تبيّن حجم الكذبة الكبرى حول هذه المنظمة الدولية، فقد اتضح أنها ليست أمماً متحدة ضد العدوان، بل أمم متحدة مع العدوان. فقد اتحدت هذه الأمم مع الولايات المتحدة للعدوان ضد كوريا الشمالية بعد أن فشلت الولايات المتحدة في الحصول على قرار من مجلس الأمن يخوّلها التدخّل هناك بسبب (الفيتو) السوفييتي آنذاك. فقادت الولايات المتحدة بموجب قرار من جمعية الأمم المتحدة ضد العدوان، تحالفاً من الدول الراغبة في العدوان، وخاضت حرباً استمرت ثلاث سنوات من عام 1950 حتى عام 1953. وكذلك اتحدت هذه الأمم مع الولايات المتحدة للعدوان ضد العراق الذي هو عضو في هذه الهيئة الأممية، لكن لم تشفع له عضويته في الحفاظ على حريته واستقلاله.
 
  وتحت مظلة الأمم المتحدة ضد العدوان يُقتل شعب العراق وتنهب ثرواته وتستباح أرضه، وكأن شيئاً لا يحدث. ويزعم المتكبرون أنهم يستطيعون تزييف الحقائق، ويستطيعون أن يفعلوا ما يحلو لهم في الأرض. ولذلك نراهم يصنّفون الشعوب في العالم بين شعوب متطورة وأخرى متخلّفة، وبين عالم غني وآخر فقير، وعالم قوي وآخر ضعيف. ويتباهى هؤلاء بأنهم المتطورون والأغنياء والأقوياء، ونسوا أن القوة لا تصنع الحقائق. ولو عادوا إلى الحق واعترفوا بالظلم الذي سبّبوه للشعوب المغلوبة والمستضعفة، لكان أفضل لهم، لأن قوتهم لن تدوم إلى الأبد. وإذا زالت عنهم القوة. فلا يستبعد أن يُفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم من الأمم بل وأكثر. فالقوة -كما قيل- تسمّم اليد التي تضرب بها، ولاشك أن السمّ بدأ يسري بعروقهم وعما قريب ستنهار أمجادهم الزائفة بعد أن أوغلوا في الضلال والجور والعتو وأخذتهم العزة بالإثم. فهذا عدل الله الذي يحكم السماء والأرض بأن ينتهي سلطان الظالم عندما يهتز ناموس الحق ويعمّ ناموس الظلم، ظلم الحق، وظلم العدل... وقد لاحت بوادر أُزوف آزِفَتِهْم.

أضف تعليق